الملعب

بوفون: نهاية القصة ليست ملكًا لمؤلفها

التصميم: منشور

في الثالث من يونيو 2017، حين خسر يوفنتوس الإيطالي أمام ريال مدريد الإسباني في نهائي دوري أبطال أوروبا في كارديف بنتيجة 1-4، اعتزلتُ جميع وسائل التواصل الاجتماعي لمدة أسبوع تقريبًا، متجاهلًا أي خبر أو نقاش أو أي شخص قد يذكر المباراة.

حاولت اعتزال حتى أفراد عائلتي لفترة مؤقتة، وبالطبع هذا رد فعل مبالغ فيه حتى من شخص متعصب لكرة القدم، لكن حزني لم يكن لأجل يوفنتوس فقط، بل جزء كبير منه كان بسبب «جيانلويجي بوفون»، الحارس المُسن الذي يحاول الحصول على البطولة منذ سنوات عديدة دون جدوى.

بوفون: تضحيات.. تضحيات

عادةً، حينما يناقشك أحد في تعصبك الكروي، يسرد حججًا من بينها أن اللاعبين يحصدون الملايين ولا يفكرون فيك أو في حزنك لخسارة الفريق، بل يستمرون في عيش حياتهم في بيوتهم الثمينة وسياراتهم الفارهة، وقد تكون هذه الحجة مناسبة جدًا لكثير من اللاعبين، خصوصًا في وقتنا الحالي، لكنها بكل تأكيد لا تنطبق على بوفون.

عندما يخسر بوفون، ترى في عينيه، في تصرفاته وتصريحاته، بل و روحه حتى، أثر الخسارة. ترى أنه يخسر بكل ذرة يحملها جسده، ويستهلك كل طاقته في حزنه وخجله من الجماهير، فهو لا يحزن لأجل نفسه فقط، لا يحزن لأجل مجده وإرثه، يحزن للكيان والجمهور، لأنه يعرف تمامًا معنى أن تكون مشجعًا، أن تقضي وقتًا سيئًا في متابعة أخبار الفريق أو المنتخب، أن تدمر أعصابك لأجل مباراة، أن تدخل نقاشات ساخنة لا تعلم أين تبدأ وتنتهي بسبب كيان معين. بوفون يعلم ذلك ويفهمه تمامًا، لأن «جيجي»، في صميم قلبه، مشجعٌ قبل أن يكون لاعبًا.

استمر بوفون وتحمل أخطاء المدافعين واحدًا تلو الآخر، استمر في النادي وهو يشاهد أشباه اللاعبين يأتون ويرحلون.

قصة بوفون أشبه ما تكون بقصة «جان فالجان» في رواية «البؤساء»، فهو يستمر في التضحية تلو الأخرى دون مكافأة مجزية، دون تقدير لتضحياته ومجهوده، وفي كل مرة تعتقد أن كرة القدم ستبتسم له أخيرًا، تأتي الطعنة من حيث لا تحتسب أو يحتسب.

بدأت هذه التضحيات وبوفون على قمة العالم، وهو الأفضل في مركزه وفائز بالمونديال مع منتخبه في برلين عام 2006، وبعدها هبط فريقه يوفنتوس إلى الدرجة الثانية في الدوري، ومن هنا قرر بوفون إعادة تعريف الوفاء، من هنا قرر أن يكون إرثه الكروي ممتدًّا إلى تصرفاته داخل الملعب وخارجه، أن لا يقتصر هذا الإرث على تصديات مستحيلة وألقاب وبطولات لا حصر لها، بل سيكون جزء كبير من هذا الإرث هو القيم التي يعتز بها بوفون، وأهم هذه القيم هي الوفاء.

كان باستطاعة بوفون أن يضحي بموسم واحد فقط من مسيرته مع يوفنتوس، ثم يغادر الفريق بعد أن يعود إلى الدرجة الأولى، ذلك وحده كان كفيلًا بضرب أروع الأمثلة في الوفاء وكسب حب وتقدير المشجعين إلى الأبد، لكن التضحية لم تتوقف عند ذلك الحد، والقصة كانت في بدايتها فقط.

استمر بوفون مع فريق يصارع لإيجاد مجده السابق في الحطام، استمر بوفون وتحمل أخطاء المدافعين واحدًا تلو الآخر، استمر بوفون في النادي وهو يشاهد أشباه اللاعبين يأتون ويرحلون، استمر بوفون وبصحبته الأوفياء (دل بييرو، نيدفيد، تريزيغيه، كامورانيزي) يحملون ثقل النادي فوق أكتافهم، ويحاولون إيصاله إلى مجده السابق، بطموح يلامس عنان السماء، وكثير من العرق والدماء.

اعتزل نيدفيد، وغادر تريزيغيه وكامورانيزي، وبقي بوفون ودل بييرو يقاتلان على الجبهة، ثم حدثت المعجزة.

بوفون: بداية الحلم

عاد بوفون طائشًا وحكيمًا، مفعمًا بالحياة والرغبة، وتطلبت منه العودة أن يقف وحيدًا أمام مَدافع العدو يصد كرة تلو الأخرى حتى يستيقظ الفريق.

وصل «أنطونيو كونتي» بالفكر المناسب، بالجوع والرغبة والعقلية المناسبة، وصل مع «أندريا بيرلو» ليصنعا من يوفنتوس بطلًا لإيطاليا بعد غياب خمس سنوات، وبكل بساطة عاد يوفنتوس ليتزعم الساحة، وعاد بوفون ليحمل الكأس تلو الكأس، ومع كل بطولة يزداد جوعه لبطولة أخرى، رغبةً في تعويض سنوات الجفاف والقحط، وقبل أن ندرك ما الذي حصل، وصل يوفنتوس إلى نهائي دوري الأبطال مع المدرب الجديد «ماسيميليانو أليغري»، ومسرح المعركة الأخيرة؟ برلين، البقعة التي اعتلى منها بوفون العالم قبل تسع سنوات.

صار الجميع يتحدثون عن بوفون، عن الدورة الكاملة التي أخذها، تسع سنوات تفصل الحدثين، تسع سنوات مليئة بالتضحيات، مليئة بالدموع والأعذار وصرخات الانتصار، بوفون عاد إلى برلين، عاد والشيب قد بدأ بغزو ذقنه، لكن روحه كانت يافعة أكثر من أي وقت مضى.

عاد بوفون طائشًا وحكيمًا في الوقت ذاته، عاد مفعمًا بالحياة والرغبة، تطلّب منه الأمر كثيرًا من التصديات المستحيلة، كثيرًا من الصرخات التي أيقظت زملاءه في الفريق، تطلبت العودة أن يقف وحيدًا أمام مَدافع العدو يصد كرة تلو الأخرى حتى يستيقظ الفريق، لكنه عاد، والدائرة ستكتمل، وكرة القدم ستكافئ وفاء ابنها أخيرًا.

وكأن المستديرة تضرب مثلًا في جنونها وعدم عدلها، خسر بوفون وسط تصفيق الجميع، حاول الصمود مرارًا، فرصة وراء أخرى، تسديدة أصعب من التي قبلها، لكنه خسر، والدائرة لم تكتمل. كاد أن يصل إلى الحلم، بل كان يعيش الحلم، المسيرة كانت أشبه بسيناريو سينمائي كلاسيكي، لكن الخسارة جعلت السيناريو أكثر واقعيةً وعصرية، وخرج جيجي من برلين خالي الوفاض.

قد يعجبك أيضًا: كلاسيكو المتعة والصناعة: من يفوز بـ«كرة القدم»؟

بوفون: نهاية فصل

المسيرة تقترب من النهاية، وجيانلويجي بوفون يلعب آخر بطولة أمم أوروبية في حياته، ولأنه بوفون، فهو يلعبها كأنه في العشرين من عمره.

بعد كل انتصار كان بوفون يرتقي عارضة المرمى ويحتفل مع الجماهير، كان يستمتع بكل لحظة يخوضها في البطولة، يستمتع بكل تصدٍ، وبكل فرحة، يستمتع بكل مرة ينقذ فيها منتخب بلاده. لم يكن يستمتع لأنها آخر بطولة له فقط، بل لأنه كان يؤمن أنه قادر على تحقيق الصعب والفوز بها، بصحبة المدرب الذي أعاده إلى الانتصارات في يوفنتوس: كونتي.

تسلق بوفون العارضة أمام بلجيكا وسقط لأن العارضة كانت مبتلة، كرر المحاولة أمام السويد ونجح بالتشبث، بل وتأهلت إيطاليا إلى الدور التالي، ثم لعب أمام المنتخب الذي لطالما سبب له آلامًا: إسبانيا، وكان الأمر أشبه بقصة انتقام متقنة.

خرج بوفون من بطولة الأمم الأوروبية بعينين تملؤهما الدموع، لأنه لم يكتب نهاية القصة كما يرغب، لأنه من القلائل الذين يدركون أنه يحمل آمال شعب فوق أكتافه.

في تلك المباراة كانت إيطاليا خالية من العيوب في ملحمة ساحرة للعيون، تصدى بوفون لهجمة خطيرة للإسبان، وتسلق العارضة مجددًا في طريقه إلى مواجهة جيل مرعب لألمانيا، وهو يقود منتخبًا متعبًا، مثقلًا بالإصابات، لكنه يتسلح بسلاحه الأبدي: العرق والدماء والطموح.

استمر بوفون في الصمود، صمد لأجل نفسه، لأجل منتخبه، لأجل الحلم، لأجل القصة، كي يكتب نهايته مع هذه البطولة بأحرف من ذهب. صمد بوفون بإيطاليا 120 دقيقة حتى ركلات الترجيح، حين دفع كونتي بالمهاجم «زازا» مكان المدافع «كيليني» كي يسدد إحدى الركلات.

لكن لأن كرة القدم تستمتع بالتصرف بجنون وعدم عدل ولا عقلانية، أضاع زازا والمهاجم الآخر «بيلي» ركلتي ترجيح، ولم تكفِ التصديات التي نفذها بوفون لتعبر بإيطاليا إلى دور نصف النهائي.

خرج بوفون بعينين تملؤهما الدموع، لأنه لم يكتب نهاية القصة كما يرغب، لأنه من القلائل الذين يدركون أنه يحمل آمال شعب فوق أكتافه. ولكي يزيد من مأساوية القصة، خرج بوفون في اليوم التالي من الفندق ليحيي الجماهير ويعانقهم ويعتذر لهم، في مشهد أخاذ أجبر حتى المصور على إنزال الكاميرا ومسح دموعه.

قد يهمك أيضًا: رمضان صبحي.. حين يخدعك الجمهور

بوفون: نهاية رجل شجاع

عقب خسارة اليورو الموجعة، وبعدها خسارة كارديف التي جعلت الحارس الإيطالي يخرج مصدومًا أكثر منه حزينًا، تبقى هدف بوفون الأخير الذي تحدث عنه كثيرًا: اللعب في كأس العالم للمرة الخامسة.

بوفون لا يطلب الكثير، يريد أن يلعب هذا المونديال الأخير ويختم مسيرته أمام العالم أجمع، لكن حظه السيئ مع يوفنتوس ومعاصرته لأجيال كارثية لوثت شعار النادي، امتد إلى منتخب إيطاليا، فبعد فريق يختلط فيه طموح الشباب وحكمة المخضرمين تحت قيادة كونتي، فقدت إيطاليا كل لون وطعم مع المدرب «غيامبييرو فينتورا».

بكل بساطة، تبخر الحلم أمام السويد في مباراة التأهل إلى كأس العالم، بطريقة بطيئة ومؤلمة، وكأن الحلم كان يتلاشى تدريجيًّا أمام عيني جيجي مع مرور الدقائق وإيطاليا عاجزة عن التسجيل، وهو عاجز عن فعل أي شيء. الشخص الذي كان يستمتع بكل لحظة من يورو 2016 ويستلذ فيها، أصبح يدرك ببطء أنها كانت آخر منصة محفلية سيمثل فيها منتخب بلده.

بكى بوفون، وأبكى عديدين معه، أبكى المعلقين والمشجعين، وكتب موقع «Football Italia» بعد المباراة أنه «صفق للنشيد الوطني للمنتخب السويدي حين صفّر الآخرون ضده، واجه الكاميرات بعينين تملؤهما الدموع في حين هرب فينتورا منها، كابتن حقيقي، أسطورة حقيقية».

ولأن تأثير بوفون يصل إلى المنافسين كما يصل إلى الأصدقاء والمشجعين، كثيرون وأسوا الحارس الإيطالي في نفس الليلة: «سيرجيو راموس»، «فرانك ريبيري»، «أرتورو فيدال»، «روبرت ليفاندوفسكي»، وصديق عمره «إيكر كاسياس».

اقرأ أيضًا: كاسياس: قديس مُكلَّل بالنسيان

غالبًا نعيش موسم بوفون الأخير، سوف يكون موسمًا صعبًا عليه وهو يدرك أنه سيشاهد كأس العالم دون أن يلعب.

من يحاول النظر إلى الجانب المشرق من الموضوع سيقول إن إيطاليا كانت في طريقها إلى تقديم بطولة مخجلة مع فينتورا، وربما وفر بوفون على نفسه عناء الخروج من دور المجموعات مرةً أخرى، لكن الحقيقة التي لا يمكن تغييرها هي أن بوفون خسر حلمه، ونحن خسرنا مشاهدته وهو يعيش حلمه.

من يعلم، كيف كانت الطريقة المجنونة التي كان بوفون ليحتفل بها حين يفوز في إحدى مباريات المونديال؟ ربما لو تأهلت إيطاليا كان كونتي سيعود، ويعيش بوفون أجواء اليورو الأخير بضعف الحماس وضعف العطش، بضعف الرغبة والأمل، وبمقدار أكثر قليلًا من الشيب في ذقنه.

نحن غالبًا نعيش موسم بوفون الأخير، سيكون موسمًا صعبًا عليه وهو يدرك أنه سوف يشاهد المونديال الروسي دون أن يلعب، والحالة الوحيدة التي سيمدد فيها بوفون مسيرته لموسم آخر هي الفوز بالبطولة العصية عليه، دوري أبطال أوروبا، كي يلعب في كأس العالم للأندية، لكن صعوبة المنافسة هذا الموسم قد لا تسمح له بذلك.

يقول بوفون: «أنا متأكد بنسبة 99.9% من أنه موسمي الأخير، سأخوض موسمًا أخيرًا وحادًّا، غنيًّا باللحظات الكبيرة، ثم يأتي وقت أقول فيه: هذا كافٍ».

الفوز في بطولة من عدمه، النجاح في الوصول إلى المونديال أو الفشل، لن يؤثر في مسيرة جيجي الحافلة بالنجاحات دون شك، لكن رحلة بوفون تبدو، أكثر من غيرها، قصة سينمائية، وبطل هذه القصة فعل الكثير والكثير، ورؤيته يحقق ما يريد في نهاية قصته، أو بالأصح كتابة نهايتها كما يريد، ستجعل كل الحضور في صالة السينما يهتفون ويفرحون، ويقفون مصفقين بحرارة لهذا البطل الشجاع الذي واجه الاختيار الصعب: المجد على حساب المبادئ؟