الأقل حظًّا

النسوية والدين: محاولات لإعادة صياغة علاقتهن بالمقدس

الصورة: Getty/Yawar Nazir

تنطلق النسوية في علاقتها مع الدين، لمحاولة الكشف عن التحيز الذكوري الكامن في ثنايا المعتقدات والممارسات الدينية، وتسعى إلى إعادة صياغة هذه المعتقدات للتحرر، من وجهة نظرها، من هذا التحيز المهيمن على الدين. وقد تطور هذا التقليد خصوصًا في ما يتعلق بالدين الكنسي في العالم الغربي، والذي يميل إلى التركيز على الإيمان بكيان إلهي واحد متعالٍ ومذكر.

تُجمِل الفيلسوفة النسوية «أليسون جاسبر»، في مقالها عن «النسوية والدين»، منطق الفلسفة النسوية في إعادة قراءة المعتقدات وتحليل النصوص الدينية، أحيانًا من أجل نقد هذه المعتقدات، وأحيانًا أخرى من أجل إعادة بنائها، ومن ثمَّ تقديمها في صورة مختلفة تنتصر لقضايا النساء.

الخطوة الأولى: النقد

الصورة: pxhere

تسعى النسوية، وفق جاسبر، إلى تقديم فهم جديد للدين، قائمٍ أساسًا على علمنة الأخلاق، أي فك ارتباطها بالمتعالي أو الإلهي، فتشدد على الأبعاد الروحية والأخلاقية في الوجود الإنساني في علاقته بالروحاني أو الإلهي، أكثر من مناقشة طبيعة الوجود الإلهي في ذاته أو تبريره.

يعني هذا أن فلسفة الدين النسوية تبتعد عن المباحث اللاهوتية التقليدية، أو تلك المباحث المشهورة في الفلسفة الإسلامية باسم «جليل الكلام»، وهو قسم علم الكلام المَعني بالبحث في صفات الله وكلامه وقدرته وإرادته، والإيمان وما يستتبعه من كلام في الخلق والآجال والأرزاق والثواب والعقاب والهدى والضلال وخلاف ذلك.

بدلًا من ذلك، تسعى النسوية إلى فهم المساحات التي يتقاطع فيها العقائدي مع الجندري، ثم في سعيها للتحرر، تدمج الروحي بالجوانب الشهوانية والمادية للوجود، متجاوزة النطاق المادي أو غير المجرد. أي إنها تستوعب هذه الجوانب المادية ولا تستبعدها، عكس ما تفعل الممارسات الزهدية القائمة على الحرمان الجسدي، وهذا لأن هذه الجوانب المادية من أساسات مفاهيم الجندر.

وضعت النسوية استراتيجيات منهجية للتعامل مع القضايا الدينية بشكل نقدي وبناء، ومن هذه الاستراتيجيات مثلًا، ما يُعرف باسم «نقد الهرمنيوطيقا الدينية». الهرمنيوطيقا علم التأويل، وفي مجال فلسفة الدين يشير المصطلح خصوصًا إلى مناهج تأويل النص المقدس التي يستخدمها المفسرون. ونقد هذه المناهج التأويلية كمقدمة لنقد الفهم التقليدي للكتب المقدسة، والذي تعتقد النسويات أنه كان بصورة عامة ذكوريًّا.

من أهم من طبقن هذه الاستراتيجية في رأي جاسبر، الفيلسوفة النسوية «إليزابيث شوسلر فيورينزا»، التي درست الكتاب المقدس، وحاولت الكشف عن عملية الرقابة والتنقيح التي طالت محاولات فهمه، من أجل الحفاظ على التقاليد الذكورية في المسيحية.

في إطار الهندوسية والبوذية، حاولت النساء استعادة الحضور الأسطوري للمؤنث، الذي طمسه الخيال والرغبات الذكورية.

في التقليد الإسلامي نجد الفيلسوفة النسوية الباكستانية-الأمريكية رفت حسن، والتي تدرس كذلك القرآن والسنة النبوية، وأعادت النظر مثلًا في تفسير قصة الخلق القرآنية، فشددت على روح المساواة والعدل في القصة الأصلية، وهي الروح التي طمستها تفاسير أصحاب المصلحة في الإبقاء على الموقف الأبوي في رأيها. ترى رفت أن الحديث النبوي تأثر بمرويات كارهة للمرأة، وبعضها له مصدر مسيحي.

أيضًا، تحاول النسويات إيجاد سبل جديدة لتصور الإلهي أو الروحي في النصوص الدينية الموجودة، فيعيد بعضهن إبراز صور المجاز الأقل شهرة، والأقل ذكورية في رأيهن، في العهد القديم عن الرب، أو التركيز على المناحي التي تمنح المرأة القوة في المسيحية واليهودية. وينحَى آخرون منهجًا انتقائيًّا، فيركزون على موضوعات لاهوتية بعينها عند طوائف دينية معينة، تعمل على تنحية المركزية الذكورية في العلاقة بين الإنسان والرب، مثلما حاولت سعدية شيخ مثلًا، أن تجد مساحات للحضور الأنثوي في الخطاب الصوفي.

أما في إطار الأديان الأخرى، كالهندوسية والبوذية، حاولت النساء استعادة الحضور الأسطوري للمؤنث، الذي طمسه كذلك الخيال والرغبات الذكورية التي هيمنت على مجال اللاهوت.

قد يهمك أيضًا: النساء.. آلهة استُعبِدن باسم الزواج

الخطوة الثانية: إعادة البناء

الصورة: Nikon D3

حاولت النسوية إيجاد طرق جديدة لتغيير الأطر الرمزية التي يكتسب الإنسان من خلالها القيمة، تعكس بواسطتها طموحات المرأة في التساوي مع الرجل.

تتأثر الثقافات بشكل متفاوت بالنظرة الذكورية. فقد عاشت المرأة في المجتمعات الدينية التي عاش فيها الرجل، ولا شك أنها أنشأت سبلًا لتحاشي الممارسات الذكورية الشائعة، دون الالتجاء إلى أي شكل من أشكال النقد النسوي الحديث. تنقل جاسبر مثلًا عَرْض «سوزان وايت» للممارسات الدينية في قرية نيولي الهندية، والتي يعتنق فيها الرجال والنساء منظورات روحية منفصلة لكل منهما عن الآخر.

توضح وايت وجود جوانب في حياة المرأة لا علاقة لها بالبنية الذكورية، تستطيع النساء عبرها التعبير عن إيمانها والتزامها الديني بالقيم الروحية في مجتمع تسيطر عليه وجهة النظر الذكورية. لكن هذه الجوانب لم تكن سببًا للثورة وتغيير الأوضاع أو تحالف النساء وتضامنهن. بدلًا من ذلك، يستمر المعتقَد النسائي في الوجود جنبًا إلى جنب المعتقد الذكوري، لكن مع هامشية الجوانب الأنثوية من العقيدة، وارتباطها غالبًا بما هو جسدي، إذ ترمز بالأساس إلى نطاق مختلف من الاهتمامات، مثل الزواج والخصوصية والصحة.

ربما يخلق هذا «الدين الآخر» أخطارًا تهدد النظام الروحاني الذي يتمركز حول الرجل ويقع خارج سيطرته. على الرغم من ذلك، فقد ظهرت هذه الهامشية بمثابة قبول مجتمعي لعزلة الأنثى في السياق الاجتماعي. في المقابل، تدَّعي بعض النساء وجود تقاليد دينية عامة تحافظ على التوازن بين الرجل والمرأة، والتوازن في الاستخدام الرمزي للنوع في الشعائر والتعاليم الدينية.

من المتحمِّسات لهذا الرأي «إينيز تالامانتيز» التي تجد أنه يصدُق على تقاليد قبيلة «الأباتشي» الأمريكية، إذ تعد الإلهة «إساناكليش» راعية للقوة والفضيلة، ويُعتقد بأنها تمد المرأة بالحكمة والمهارة اللازمة لأداء المهمات الموكلة إليها. من هنا يأتي احترام مجتمعي للمرأة لا يوفره الدين المزدوَج لقرية نيولي.

في رأي جاسبر، ترى النسويات عمومًا أن هناك حاجة ملحة إلى بديل مباين تمامًا للأديان التقليدية، ويُبنى هذا البديل عن طريق آليات النقد التي عُرِضت آنفًا، إضافةً إلى الاستفادة من التقاليد الدينية المختلفة في التاريخ والثقافات المختلفة، لإبراز الموقف الأنثوي من المقدس، ومن ثمَّ تمكين النساء من اختيار أصيل في التعبير عن علاقتهن بالإلهي وبحياتهن الروحية، التي تتضمن كذلك حياتهن الجنسية، فلا تقصيها أو ترى فيها دنسًا من أي نوع.

قد يعجبك أيضًا: «دراسات المرأة»: تاريخ الصراعات الداخلية للحركة النسوية

ترى غالبية النسويات أن الدين متداخل مع البنيات الأبوية وطرق التفكير الذكورية بشكل يصعب جدًّا التراجع عنه، إذ يهيمن الرجل عليها بشكل كلي. لذلك، حاولت الفلسفة النسوية الحديثة وضع طريقة لبيان أن إيثار الرجل في النصوص الدينية وتفسيراتها، وتماهي المعتقدات والشعائر الدينية مع وجهة نظره، همَّشت المرأة وأقصتها عن مجال السلطة، واخترقت حياتها بطريقة جعلت منها غير مستقلة وفي مرتبة أدنى منه.

حاولت النسوية لزمن طويل إيجاد طرق جديدة لتغيير الأطر الرمزية التي يكتسب الإنسان من خلالها الأهمية والقيمة، تعكس بواسطتها طموحات المرأة في التساوي مع الرجل. وقد أثمرت هذه التوجهات في تغيير بعض الأفكار التقليدية في المسيحية على الأقل. على الرغم من ذلك، ما تزال النسويات تشككن في قدرة هذه التغييرات على الصمود وتحمُّل الضغط اللازم. لذلك، فإنهن يبحثن عن طُرق جديدة للتجاوب مع الجوانب الروحية والمتعلقة بالألوهية في حياتهن.