الأقل حظًّا

النساء.. آلهة استُعبِدن باسم الزواج

الصورة: Pacific Press

في البدء، كانت الأنوثة حالة لها قداستها قبل أن تصبح وصمة وشتيمة توجه إلى الرجل، فقد كان كهنة الآلهة بعل وعشتروت عند الفينيقيين يلبسون في أعيادهم ملابس النساء، ويُخضِّبون وجوههم بالحمرة، ويزجِّجون حواجبهم، ويكحلون عيونهم، ويعرون أيديهم إلى الكتفين، ويحملون في أيديهم سيوفًا أو حرابًا، ويتأبَّطون دفوفًا أو معازف يضربون بها، ويرقصون ويضجُّون ويدورون على عقب واحد، كما يذكر مصطفى الدباغ في كتابه «بلادنا فلسطين».

يقول الباحث العراقي علي الشوك إنه حتى الجنة كانت في بادئ الأمر تحكمها إلاهات، بَيْد أن الذكوريين ما لبثوا أن سرقوها منهن في مرحلة الانتقال من مجتمعات الأمومة إلى المجتمعات الأبوية، وكان التحول التدريجي للنساء من مخلوقات لهن قدسية إلى إماء.

يوضح الشوك أن رئيسة كهنة الإلهة الإغريقية هيرا كانت تحضر اجتماعات الاتحاد الأمفكتيوني، المكون من 12 قبيلة، لكن بعد أن تضع لحية صناعية لأن بقية الممثلين رجال.

الإنجاب كحجر زاوية

ولادة أثينا
أسطورة ولادة أثينا - الصورة: Louvre Museum

سلب المجتمع الأبوي حق الأم في جنينها، يمنح الأب الجنين اسمًا ليصبح ابنًا شرعيًّا، أو يرفض فيحكم عليه المجتمع وعلى أمه بالموت.

استمر خلع المقدس عن الأنثى ونسبه إلى الذكورة حتى طال ذلك فعل الإنجاب نفسه، ففي إحدى الأساطير المتأخرة التي دونها الشاعر الإغريقي «هزيودوس» عن كبير الآلهة اليونانية زيوس، بعد أن ابتلع زيوس ماتيس أم أثينا وهي حبلى بها، اكتمل نمو أثينا في داخل جسد زيوس، ثم وُلدت من جبهته بعد معاناته مع الصداع طَوَال فترة الحمل الأبوي، ووُلدت مكتملة النمو ومسلحة.

وفي أسطورة أخرى بعد أن تموت أم ديونيسوس وهي حبلى به، يأخذه زيوس والده ويزرعه في فخذه، وبعد عدة أشهر يولد من فخذ والده. هذه الأسطورة  توثق محاولة الذكورية لصياغة نفسها بشكل تسلب فيه الأنوثة كل امتيازاتها، وتنسب تلك الامتيازات إلى ذاتها أيضًا، على الأقل بشكل مجازي، فحتى الحمل والولادة لم تسلم مِن حملة نهب مقدسات الأنوثة، بجعل الرجل قادرًا على إتيان الأفعال التي منحت الأنوثة شرف القداسة، واليوم صار الرجل يسمى والدًا مع أنه لا يمارس من الولادة شيئًا.

هنا نقتبس على لسان أبولو من كتاب «الجنس الآخر»: «ليست الأم مَن تُحدِث ما يسمى طفلها، فهي ليست سوى معدة للبذرة الموضوعة في أحشائها، أما الرجل فهو الذي يُحدِث الطفل»، ولم تعد المرأة سوى عبدة بعد أن كُرِّست للإنجاب كآلة تُنتج الأيدي العاملة لا أكثر.

سلب المجتمع الأبوي حق الأم حتى في الجنين الذي ينمو في أحشائها، وجعل نفسه والدًا لهذا الجنين، يمنحه اسمه  ليصبح ابنًا شرعيًّا يستحق الميراث ويستحق الحياة في المجتمع، أو لا يمنحه إياه فيصير طفلًا غير شرعي يحكم عليه المجتمع وعلى أمه بالموت.

اقرأ أيضًا: الحركة النسوية والرجال: لماذا تستمر حرب عمرها 200 عام دون داعٍ؟

الجنس كأيدي عاملة

الأمومة قديما
تمثال يوناني يعبِّر عن الأمومة - الصورة: Louvre Museum

حتى التصنيفات «النوع اجتماعية» التي سوَّق لها المجتمع الأبوي، التي تربط العنف بالرجولة والنعومة والأنوثة، كانت تأخذ شكلًا مختلفًا.

ينقل علي الشوك أن هزيودوس يقول في أخباره الميثولوجية إن آكلي الخبز من المخلوقات التي خُلقت بعناية إلهية، وهم مرتبطون بأمهاتهم تمام الارتباط طَوَال حياتهم، ولا يقدمون القرابين إلى آلهتهم، لكنهم مع ذلك لم يحاربوا بعضهم بعضًا، ففي المجتمعات الزراعية يندر اللجوء إلى الحرب، وتسود عبادة الآلهات كقاعدة.

وعلى عكس ذلك، في المجتمعات الرعوية تنشأ النزعة إلى الحرب كمهنة، ويتخذ هؤلاء إلهًا سماويًّا ذكرًا يرمز إلى الثور أو الكبش، لأن الأول يحمي قطعان البقر والثاني قطعان الضأن.

كان النظام الأمومي يسود في العهود البدائية، ففي هذه الأسر الجماعية لم يكن من السهل معرفة الأب، أما الأم فكانت معروفة لأنها هي التي تلد الأطفال، ولهذا نُسِب الأطفال إلى أمهاتهم، وكانت الأم عصب العائلة.

أكثر الأقوام البدائية كانت تجهل دور الأب في الإنجاب، فالأولاد بالنسبة إليهم ينحدرون من روح الجدود المتقمصة في جسد المرأة، التي كانت ضرورية للإنجاب لذلك لعبت دورًا أوليًّا، وكثيرًا ما كان الأولاد يتبعون عشيرة أمهم ويرثونها لا والدهم، غير المعروف الآن، وأخذت الملكية الجماعية تنتقل من خلال النساء، بحسب تأكيد «سيمون دو بوفوار» في كتاب «الجنس الآخر».

وضعت المجتمعات صياغة جنسانية، وكوَّنت مؤسسة الزواج الأبوية التي تقف خلف كل الاضطهاد المبني وفق أسس جنسية، أو جنسانية، أو نوع اجتماعية .

بظهور المِلكية الفردية، ازدادت ممتلكات الأب الاقتصادية مع الوقت، ووورث الأبناء الذين لم يكن لهم حق تلك الممتلكات بالثورة على الأم ومنعها من الزواج من أكثر من رجل واحد، وهو ما كان سائدًا تمامًا في كل المجتمعات الإنسانية البدائية، كي يمكنهم معرفة الأب بشكل أكيد وبالتالي وراثة ممتلكاته الاقتصادية وامتيازاته السياسية.

فبالإضافة إلى العامل الاقتصادي، كان هناك عامل سياسي، فالملكية الفردية أنتجت معها فكرة امتلاك الأرض واستعمارها، وغزو أرض الآخرين والسيطرة عليها، أو الدفاع عن الأرض ضد الغزاة، فكان المَلِك/الشيخ/الأب يحتاج إلى أيدٍ عاملة لزراعة تلك الأرض، وجنود للقتال، ممَّا جعله بحاجة إلى رحم المرأة مرة أخرى لإنتاج ما لا يمكنه استكمال ملكيته الفردية دونه، فأدخل رحم المرأة وما ينتجه تحت غطاء ملكيته الفردية.

لذلك، كان لزامًا صياغة جنسانية تضمن معرفة الأب بشكل أكيد لحماية الأبوية الجديدة، واعتبار كل جنسانية لا تولِّد نسلًا شذوذًا وخروجًا عن الطبيعة، وانحلالًا أخلاقيًّا يجب الابتعاد عنه، لأنها غير نافعة اقتصاديًّا، ممَّا لا يناسب مبادئ الملكية الفردية.

كل هذه القواعد بهيئة مؤسسة لضمان استمرارها وسيادتها كوَّنت مؤسسة الزواج الأبوية القائمة حتى اليوم، والتي ما تزال خلف كل الاضطهاد المبني وفق أسس جنسية، أو جنسانية، أو نوع اجتماعية.

قد يهمك أيضًا: كوكب الأرض يطلب منا التوقف عن الإنجاب

هكذا وُلدت مؤسسة الزواج

الأمومة
الصورة: jnylee

قدَّمت مؤسسة الزواج وسوَّقت لجنسانية ونمط نوع اجتماعي يضمن للمجتمع الأبوي الاستمرار والبقاء على الصعيد الشخصي.

ذلك النمط حقيقي وموجود، لكنه ليس الوحيد الصحيح والحقيقي والمسموح به وما دونه شاذ يجب منعه.

خطورة المؤسسة في الأساس تكمُن في خلق الفوارق والتمييز بين الممارسات الجنسية والعلاقات العاطفية التي تحدث داخل تلك المؤسسة، فتُعتمد باعتبارها شرعية، وبين ما هو خارج تلك المؤسسة، والذي مهما كان نقيًّا سيُعتبر مشوهًا وغير مكتمل وخاليًا من الشرعية، ممَّا لا يترك خيارًا غير التخلص من تلك المؤسسة بشكل نهائي.

قد يعجبك أيضًا: لا قيود على ميولك الجنسية في زمن الإغريق

رسالة إلى الرجال فقط

رجل مرهق
الصورة: Nikon D90

على ما يبدو، هذه المؤسسة لا تضطهد النساء فحسب، بل الرجال أيضًا، فهي تفرض عليهم أدوارًا معقدة وضاغطة، فحالات الانتحار بين الرجال على سبيل المثال تفوق عدد الحالات بين النساء بمقدار يصل إلى ثلاثة أو خمسة أضعاف، بحسب ما أوردته النسوية العربية الأشهر نوال السعداوي في كتابها «المرأة والجنس».

بحسب الإحصائيات، يصل موت الرجال في بيئة العمل إلى 97% في بريطانيا، و97% من وفيات المعارك في الجيش الأمريكي، وتزيد حالات الاغتصاب في الولايات المتحدة لدى الرجال عنها عند النساء، بما فيها حالات الاعتداء التي تحدث في السجون.

يشير تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، صدر في عام 2001 تحت عنوان «لا مفر : اغتصاب الذكور في سجون أمريكا»، إلى أن حالات الاغتصاب المسجلة في السجون بلغت 140 ألف حالة، ممَّا قد يجعل الصورة أكثر وضوحًا بأننا لا نتحدث عن حرب بين الرجال والنساء أو الذكورة والأنوثة، بل إلى ما هو أبعد بكثير.

إنها حرب بين النوع الاجتماعي والجنسانية البشرية، والمؤسسة التي تحاول تنميط تلك الجنسانية والنوع، غير مهتمة بإعطاء امتيازات لأحد على حساب الآخر، بل فقط لتحقيق أهداف اقتصادية سياسية.

, , , , ,