من نراقب؟ من يراقبنا؟

كوالياريلا الخائن: الترصُّد يجبرك على الهروب من الحلم

الصورة: Getty/Gabriele Maltinti - التصميم: منشور

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر نوفمبر «من نراقب؟ من يراقبنا؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


أنزل إلى أرض الملعب قادمًا من مقاعد البدلاء، لا يتبقى كثير من الوقت في أهم مباريات الموسم، يترقب الجميع لحظة نزولي معلقين ما تبقى من آمال على عاتقي، ثم أحرز الهدف، هدف لا يستطيع أحد أن يحرزه سوى مارادونا، ركلة قوية متقنة في الثانية الأخيرة من المباراة، هدف يجعل المشجعين يصرخون في جنون». هكذا كان يحلم الطفل «فابيو كوالياريلا»، المولود في مدينة نابولي الإيطالية، يحلم أن يرتدي قميص ناديه المفضل نابولي، ويُقسم إن حدث ذلك فلن يرتدي سواه.

حقق فابيو حلم طفولته في عامه السادس والعشرين قادمًا من نادي أودينيزي، وخلال موسمه الأول مع نابولي صار ملك المدينة دون منازع. الطفل الذي دخل ملعب «سان باولو» مشجعًا، كبر ليصبح لاعبًا في الفريق. كانت الجماهير تشعر أنه واحد منهم، وكان هذا حقيقي، فبعد كل هدف كان كوالياريلا يحتفل مع الجمهور. في الماضي كان يصرخ بصحبة المشجعين ليُشعر اللاعبين بقيمة الفريق، واليوم يؤكد في كل مباراة أنه يفعل هذا من أجلهم فقط.

استمر الحلم الجميل لموسم واحد فقط، ثم طلب كوالياريلا الرحيل إلى الغريم يوفنتوس وسط دهشة الجميع. لكن هذه ليست بداية القصة، فالقصة تبدأ قبل ذلك، قبل أن يتحقق الحلم أصلًا، تبدأ حين كان فابيو يلعب لا يزال لفريق أودينيزي.

ضربة البداية للأحداث التي قلبت رأس كوالياريلا ومشجعي نابولي وقعت حين تعرض جهاز الكمبيوتر الخاص به للاختراق، فعرض عليه أحد أصدقائه أن يساعده شرطي يُدعى «بيكولو»، يتخصص في جرائم الاحتيال البريدي في قسم شرطة نابولي. حلّ بيكولو المشكلة وصار صديقًا لكوالياريلا.

بعدها، ولمدة عامين، استقبل فابيو رسائل غريبة على هاتفه المحمول، رسائل تتهمه بأنه مدمن مخدرات، وأخرى تتهمه بأنه على علاقة بمافيا «الكامورا»، وغيرها. 

لم يهتم بالأمر، إلا أنه بمجرد التحاقه بفريق نابولي ازداد الأمر خطورة: رسائل تحتوي على حروف غير متناسقة كأنها أكواد، ثم رسائل تصل إلى صندوق البريد الخاص بالعائلة، فيها صور فاضحة لقاصرات ومكتوب عليها تهديدات لفابيو بأن الجميع سيعرفون حقيقته قريبًا.

لم يجد كوالياريلا من يلجأ إليه سوى صديقه القديم، الشرطي بيكولو، الذي تعهد بكتابة تقرير في قسم الشرطة، لكنه أقنع فابيو بعدم ضرورة حضوره بنفسه إلى القسم كي لا يثير الشبهات.

ورغم تطور الرسائل وانحرافها عن فابيو إلى والده، ثم التهديد بقتل ابنه، ورغم اتجاه المُرسِل الغامض إلى توضيح أنه يعرف أين يتنزه فابيو الآن، أو أين تناول غداءه أمس، أصر بيكولو على أن الأمر لا يجب أن يخرج عن الدائرة القريبة من لاعب الكرة الإيطالي، يجب إبقاءه سرًّا والحذر من الجميع.

بعد قراره بالرحيل عن نابولي، لقبه الجمهور بـ«كوالياريلا الخائن».

صار كوالياريلا على حافة الجنون، هناك من يترصد به، يتابع تحركاته، يتهمه بما لم يقترف، يهدده بأنه سيفضح أشياء لم يفعلها من الأصل.  أصبح يشك في كل من حوله، هناك شخص ما تفرغ لتحويل حياته إلى جحيم.

رغم كل هذا، كان على فابيو أن يبدو طبيعيًّا أمام الجميع، يمارس عمله اليومي كلاعب كرة، وهو ما أصبح بالضرورة عملًا شاقًّا. بدأ مستواه في الاهتزاز، ثم قرر في النهاية أنه سيرحل من نابولي بأكملها، سيذهب إلى مدينة تورينو ليرتدي قميص اليوفنتوس.

لم يملك فابيو رفاهية الدفاع عن النفس، ولا حتى الحق في الظهور بمظهر الفريسة لا القاتل.

في نابولي، مدينة الكامورا، يجد المرء نفسه محاطًا بالتاريخ والفن والتجارة، كما يحاط بالجريمة والعنف والبطالة، ولكلٍّ حرية الاختيار إلى أي جانب ينتمي. لكن عندما يتعلق الأمر بكرة القدم، يصير أكثر تعقيدًا، ففي نابولي، إما أن تكون متعصبًا لنادي المدينة أو لا تتحدث عن الكرة مطلقًا، لكن ماذا لو كنت ملكًا متوجًا على عرش نابولي، ثم قررت أن ترحل؟ أنت لا تستحق سوى لقب وحيد: «كوالياريلا الخائن».

أصبح فابيو في أعين جماهير نابولي هو المثال الواضح للخيانة في كرة القدم، عُلِّقت لافتات تشير إلى خيانة «ابن المدينة»، تعرضت عائلته لمضايقات مستمرة، حُرِّم عليه الظهور في أي مكان عام حتى لا يتعرض للسباب المتواصل، فكان يسير في مدينته متخفيًا. تحول كوالياريلا بين ليلة وضحاها من إله كرة القدم إلى عبدٍ للمال «اليوفينتي».

كل ذلك ولا يملك اللاعب رفاهية الدفاع عن نفسه، فالأمر يجب أن يبقى سرًّا حتى لا يعيق سير التحقيقات. لا يملك حتى الحق في الظهور بمظهر الفريسة لا القاتل، فقط اكتفى في 2016 بإشارة اعتذار لجماهير نابولي بعد أن أحرز هدفًا في مرماهم بقميص تورينو، الذي انتقل إليه عقب أربعة أعوام مع يوفنتوس.

كوالياريلا يعتذر بعد تسجيل هدف في مرمى فريقه السابق نابولي

ظل فابيو كوالياريلا يكتم حقيقة ما يحدث معه عن أغلب من يعرفونه حتى لا يُعيق التحقيقات، مثلما أبلغه الشرطي، ثم حدث ما غير سير القصة بأكملها.

كان كوالياريلا يرقص على سطح يخت مع جمع من أصدقائه وعائلته، وكان أبوه يراقبه في غضب صامت. وبعد أن انتهى، انفعل عليه والده واتهمه بأنه لا يقدِّر كونه شخصًا مشهورًا، وبالتالي عليه أن لا يشعر بالغضب إذا تلقى رسائل تهديد جديدة.

هنا تدخل «باريللي»، أحد أصدقاء فابيو، ليستفسر عن نوع رسائل التهديد التي تصله، وحين سمع القصة كان رده صادمًا: «إنه الشرطي بيكولو نفسه».

كان باريللي قد تعرض لقصة مشابهة، فهو زميل دراسة قديم لبيكولو، وزميلته في العمل هي زوجة الشرطي، وحين وصلتها رسائل تشهير غامضة لجأت إلى زوجها، الذي حضر إلى المكتب من أجل التحري وقابل باريللي، وتحدثا بحُكم الزمالة القديمة.

ثم دخل باريللي نفس الدائرة: رسائل تهديد، افتراءات، تلميحات بأنه على علاقة جنسية مع أطفال، صور لابنه وأصدقائه، ثم نقل له «صديقه» بيكولو أن اسمه مُدرَج في تحقيقات شرطة نابولي بخصوص تورطه مع المافيا. لكن باريللي تقصى بنفسه وعلم أن بيكولو يكذب، وحين واجهه اختفت رسائل التهديد إلى الأبد.

تقدم كوالياريلا بتفاصيل الموضوع إلى شرطة نابولي، وهناك أكد له الضباط أنه لا يوجد أي تحقيق يدور بخصوصه. بالطبع، داهمت الشرطة بيت بيكولو، واكتشفت أنه يترصّد للعشرات بخلاف فابيو. وفي فبراير 2017، وُجِّهت إليه التهمة بصورة رسمية، وحينها فقط استطاع كوالياريلا أن يتحدث بالحقيقة.

اقرأ أيضًا: الترصُّد: لا تنظر خلفك، إنه في الغالب هناك، يراقب

أعوامٌ من القلق عاشها فابيو وعائلته، حياته الشخصية ومستقبله المهني كانا بين يدي رجل يعبث بهما كيفما شاء، فالمترصد هنا لم يكن شخصًا متطفلًا فحسب، وإنما رجل قرر أن يلعب بأعصاب الناس مستغلًّا منصبه وصلاحياته ووثوق آخرين فيه.

لا أحد يعرف حقيقة دافع ذلك الشرطي في ما فعله، ربما كان يجد متعة مَرَضية في معاناة الآخرين، وربما يشعر بأهمية وجوده عن طريق التحكم في مصائر البشر، وربما كان مهووسًا بالمراقبة.

قد يعجبك أيضًا: من نراقب؟ من يراقبنا؟

أما جمهور نابولي، وبمجرد أن ظهرت الحقيقة، فأظهروا كثيرًا من الود والدعم لفابيو، وأرسلوا له رسائل اعتذار عن إساءاتهم السابقة، وعُلِّقت لافتات تدعم فابيو في ملعب نابولي.

جماهير نابولي تعتذر لكوالياريلا

رغم أن الترصُّد جعل كوالياريلا يعيش سبع سنوات من التوتر والإرهاق الذهني، ورغم أنه فقد الأمل في اللعب بقميص نابولي مرةً أخرى، فإنه على الأقل يستطيع الآن أن يمشي في شوارع مدينته مرفوع الرأس، محاطًا بالحب والدعم، وليس خائنًا.