يهمني الإنسان

الحب يعبر الحدود.. المحبون يحتاجون تأشيرة

الصورة: Getty/John Moore 

تقول المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إن «لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة، ويحق لكل فرد أن يغادر أي بلد بما فيها بلده، ويحق له العودة إليها». يشير النص السابق إلى حرية مطلقة في التنقل والعبور بين الدول، لكن «الإعلان العالمي» لحقوق الإنسان لن يفيد إذا كنت تعيش في المنطقة العربية، وكُتب عليك أن تكون جزءًا من علاقة عاطفية يعيش طرفها الأخر في دولة مختلفة.

من مصر إلى فلسطين والمغرب والجزائر ولبنان حتى الكويت، جمع «منشور» شهادات عن علاقات عاطفية وقف فيها نظام التأشيرة بين الدول، أو قرارات سياسية وإدارية، أو حتى ظروف دولية، في المنتصف بين المحبين.

بين إجراءات تأشيرة الدخول الصعبة في الجزائر، وغلق المعبر في وجه الفلسطينيين، حتى ظرف لبنان السياسي الاستثنائي الدائم، وقف الجميع يبحث عن حل لمشكلته كي يتمكن من مجرد رؤية الطرف الآخر في العلاقة.

هنا (لكن ليس هنا) الجزائر

المصري أحمد مع صديقته الجزائرية هاجر

«خمسة أشهر أحاول الحصول على تأشيرة دخول دون جدوى»، هكذا بدأ أحمد حكايته عن علاقته العاطفية البعيدة. أحمد شاب مصري عشريني يحب فتاة جزائرية، التقيا لأول مرة في بيروت ربيع 2015، وقررا بعد ذلك الارتباط، إلا أن السفارة وقفت بينهما، ما أدى إلى توتر العلاقة ومرورها بفترات صعود وهبوط حتى هذه اللحظة.

يقول أحمد: «كنت أتصور أن تأشيرة دخول الجزائر سهلة، خصوصًا أن جواز سفري يحمل عديدًا من التأشيرات، بينها تأشيرة شنغن إلى ألمانيا، وهي من أصعب التأشيرات في العالم، لكن الأمر لم يكن كما تصورت».

يروي أحمد قصته كما عاشها: «ذهبت في المرة الأولى إلى السفارة ومعي كل الأوراق المطلوبة، جواز سارٍ، وخطاب من جهة العمل، وكشف حساب بنكي، حتى الصور الفوتوغرافية كانت معي بكثرة حتى لا يتعطل أي شيء. أول ما صدمني كان حديثًا جانبيًّا بين شخصين، يبدو أن أحدهما يعمل لدى شركة سياحة، يتحدث عن صعوبة دخول الجزائر، خاصةً في ظل الموافقة الأمنية التي عادةً ما تصل بعد شهور».

في مايو 2016، نشرت صحيفة «الشروق» الجزائرية تصريحات للسفير محمد العرابي، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب المصري آنذاك، يطالب فيها بضرورة إعادة النظر في منح المصريين تأشيرة دخول الجزائر، التي تتطلب وقتًا طويلًا، خصوصًا تأشيرة دخول المستثمرين.

وضّح العرابي وقتها أنه «شيء غريب أمر التأشيرة في الجزائر، يفاجئني كيف تُمنح تأشيرة للراغبين في الاستثمار لمدة شهر ولسفرية واحدة»، كاشفًا عن محادثات مع الجانب الجزائري لإعادة النظر في الأمر.

ألغت مصر شرط الحصول على الموافقة الأمنية لمواطني المغرب العربي، لتسهيل دخول سكان الدول الثلاثة إليها، وانتظارًا للمعاملة بالمثل.

أول ما فوجئ به أحمد بعد تقديم أوراق التأشيرة كان إيصال استلام الأوراق، الذي لم يكن يحمل أي تاريخ لرد السفارة على الطلب، كما هو الحال في السفارات الأخرى: «عندما سألت موظف التأشيرات في السفارة، كان الرد أنني سأتلقى اتصالًا هاتفيًّا عندما يجد جديد».

إيصال السفارة الجزائرية الذي لا يحمل توقيتًا معينًا لاستلام التأشيرة

مر أكثر من خمسة أسابيع ولم يتلقّ أحمد ردًّا: «توترت العلاقة بيننا، لا نعرف كيف لنا أن نلتقي، وفكرة اللقاء في دولة ثالثة ليست سهلة. علينا أن ننتظر حتى يأتي الرد، لكن مع كل مرة أتوجه فيها إلى السفارة للسؤال يأتيني نفس الرد من الموظفين: سنتصل بك عندما يجد جديد».

ألغت مصر شرط الحصول على الموافقة الأمنية لمواطني المغرب العربي: تونس والجزائر والمغرب، في محاولة من السلطات المصرية لتسهيل دخول سكان الدول الثلاثة إلى مصر، وانتظارًا للمعاملة بالمثل. لكن السلطات المصرية، وإن ألغت شرطًا مهمًّا ومعرقلًا أساسيًّا لتأشيرات الدخول، أي الموافقة الأمنية، فإنها وضعت شروطًا أخرى، منها ضمان شركات سياحة مصرية لها فروع في تلك الدول.

اقرأ أيضًا: لماذا يصعب على جيل الألفية العثور على شريك الحياة؟

تقيم هاجر، صديقة أحمد الجزائرية، في ولاية عنابة التي تبعد عن الجزائر العاصمة ما يزيد على 600 كيلومتر: «ليست لدينا قنصلية مصرية، وللتعامل مع السفارة المصرية علينا أن نقطع طريقًا بالمواصلات الحكومية يصل إلى 12 ساعة، فقررنا الانتظار والاستمرار في المحاولة مع سفارة الجزائر في مصر».

قرر أحمد طلب تأشيرة جديدة: «بدأنا نشعر بالضيق، كل المرات التي ذهبت فيها إلى السفارة لم تجدِ نفعًا. نريد بدء إجراءات الزواج، والتواصل عبر الإنترنت لن يفيد في هذه الحالة، لذا تقدمت بطلب ثانٍ، لكن الأمر لم يختلف كثيرًا: سنتصل بك إذا جد جديد أو جاء رد على طلبك. ولمدة خمسة أشهر لم يرد أحد».

طالت قصة أحمد وهاجر، امتدت فترة ارتباطهما إلى أكثر من عامين ونصف. في غمرة يأسه، نجح الشاب المصري في التحدث بشكل ودي مع أحد العاملين الجزائريين في السفارة عن طريق صديق مشترك، فأكد له نصًّا أن السفارة لن تمنح المصريين تأشيرات للسياحة: «عليكم أن تحاولوا طلب زيارة من السلطات الجزائرية، ووقتها ربما تستطيع الحصول على التأشيرة وتسافر».

لا يزال الشابان في تلك المرحلة، ولم ينتهيا من إجراءات الدعوة بعد، وعليهما أن يستمرا في الانتظار.

الكويت.. لبنان.. أمريكا: كل شيء ضدنا

توتر الوضع بين الكويت ولبنان

«الوضع صعب للغاية، مشكلات في فروق التوقيت، وتكاليف الطيران باهظة الثمن، وحتى تأشيرات الدخول»، يحكي الشاب الكويتي وليد (اسم مستعار) قصته التي تشبه عديدًا من القصص الأخرى، إذ يعيش في الكويت، وصديقته لبنانية غادرت إلى أمريكا للدراسة قبل فترة، وينتظر طريقة للقاء.

يوضح وليد أن «المشكلة كبيرة، وفروق التوقيت مع أمريكا زادتها صعوبة. منذ أن سافرت (صديقتي) للدراسة صار بيننا ما يقرب من سبع ساعات، وهذا كفيل بأن يفشل كل شيء حتى إذا اتفقنا على اللقاء إلكترونيًّا».

ربما يقدر وليد على زيارة لبنان، باعتباره حاملًا لجواز سفر كويتي، لكنه سيضطر إلى الانتظار حتى عُطلة الصيف، وإذا حاولت هي أن تزوره فستظهر المشكلات: «تأشيرة دخول الكويت للبنانيين محفوفة بالمشاكل، خصوصًا أنها متعلقة بأمور سياسية قد تتغير في أي لحظة».

يحكي الشاب الكويتي عن محاولاتهما لإيجاد حل: «فكرنا أكثر من مرة أن نلتقي في دولة ثالثة، لا تكلفنا مبالغ طائلة ولا نجد فيها مشكلة التأشيرات. ما زلنا نبحث».

قد يعجبك أيضًا: كيف يستجيب دماغ الإنسان للقاء حبيب سابق؟

فلسطين: المعبر أمامنا والإرهاب خلفنا

معبر رفح - الصورة: متابعة ملف السفر عبر معبر رفح

على بعد نحو 400 كيلومتر شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة، انتظر حسام (اسم مستعار) أن يفتح معبر رفح أبوابه حتى يلتقي حبيبته، التي صارت زوجته لاحقًا، ليكون المعبر شاهدًا على أزمة جديدة تقف فيها قوانين المرور بين الدول والتصريحات الأمنية في المنتصف.

حاول حسام السفر إلى صديقته الفلسطينية، التي تعمل في الأمم المتحدة في قطاع غزة، أو إحضارها إلى مصر للزواج، لكن الإرادة السياسية وقفت دون ذلك.

«أكثر من عام أحاول الحصول على تصريح لدخول قطاع غزة، إلا أن كل محاولاتي تنتهي بالفشل. عام كامل لا نستطيع الحديث إلا عبر الإنترنت، لكن القطاع يعاني أزمة كبيرة في الكهرباء والخدمات، والإنترنت لا يساعد».

قد يهمك أيضًا: الحب غير المشروط: موجود فعلًا أم خرافة؟

كان زواج حسام من صديقته الفلسطينية عن طريق وكيل هو الحل، كي يمكنها الانتقال للعيش في القاهرة.

عندما حصل حسام أخيرًا على تصريح أمني لدخول غزة، وقع حادث اغتيال النائب العام المصري، وأُغلق المعبر، وتجددت الأزمة مرة أخرى: «علينا أن ننتظر، لكن إلى متى حتى أستطيع الحصول على موافقة أمنية جديدة أو يُعاد فتح المعبر؟»، لكن الأردن كان حاضرًا.

يتذكر الشاب المرات التي التقى فيها حبيبته في الأردن: «بسبب عملها في الأمم المتحدة، كانت تستطيع السفر إلى الأردن بسهولة، وأيضًا فرصتي لدخول الأردن سهلة، خصوصًا أن عمّان لا تشترط الحصول على فيزا للدخول، لكن إذا أردنا الزواج، يجب أن أدخل إلى غزة للقاء أسرتها».

«الزواج عن طريق وكيل كان الحل، لكنه لم يكن سهلًا رغم ذلك. وظيفتها ساعدتها في الحصول على تصريح عبور بعد عقد القران رغم غلق المعبر»، هكذا يسرد قصته، خاتمًا بأنه وصديقته قضيا أشهرًا طويلة لا يرددان سوى «الله يلعن الحدود والمعابر».

بين الجزائر والمغرب: الباب مغلق في وجهي

الصورة: Getty/Dani Salvà

قصة مختلفة يرويها الشاب المغربي سفيان، الذي لم تمنعه تأشيرة الدخول، بل قرار غلق الباب في وجه العابرين بين بلده والجزائر.

الحدود البرية بين المغرب والجزائر مغلقة تمامًا منذ 1994، تحديدًا بعد تفجيرات مراكش، التي اتهمت الرباط الجزائر بالوقوف خلفها.

صديقة سفيان كانت جزائرية تقيم في مدينة وهران، وهو على الحدود بين البلدين، ومدينتها الأقرب على الإطلاق: «نحو ساعتين فقط ونلتقي، لكن هذا لم يحدث أبدًا».

يوضح الشاب المغربي «أنهم» أغلقوا الحدود البرية، فبعد أن كان عليه أن يقطع مسافة ساعتين فقط بالسيارة حتى يرى صديقته، مقابل مبلغ بسيط للوقود، أصبح عليّ أن أسافر إلى الدار البيضاء بالقطار، أي ما يقرب من 10 ساعات، ثم بالطائرة إلى وهران: «10 أضعاف التكلفة المالية التي سأتكبدها لرؤية صديقتي إذا كانت الحدود البرية مفتوحة».

اقرأ أيضًا: الحدود المغربية الجزائرية: «زوج بغال» يفرِّق الأهل

أُغلقت الحدود البرية بين البلدين تمامًا منذ عام 1994، تحديدًا بعد تفجيرات مراكش، التي اتهمت الرباط الجزائر بالوقوف خلفها، بينما تضع الجزائر شروطًا لإعادة فتحها مع الجانب المغربي.

يحكي سفيان أنه قضى أكثر من عام يحاول مع صديقته إيجاد حل، لكن بعد فترة بدأت العلاقة تتوتر: «حاولنا أكثر من مرة أن نلتقي، لكن الظروف المادية كانت دومًا تحبط مخططاتنا. وبعد وقت بدأت الروابط تقل وتضعف، وأصبح وجودنا معًا ليس له معنى، وانتهت علاقتنا دون أن نلتقي ولو لمرة واحدة».

ربما انتهت الشهادات، لكن معاناة هؤلاء الشباب وآلاف غيرهم لم تنتهِ. لا يزال أحمد يقصد السفارة الجزائرية للحصول على طلب زيارة، ولا يزال وليد ينتظر أن تسنح الفرصة كي يلتقي بصديقته، أما حسام فيقضي وقته في انتظار منح زوجته الجنسية المصرية حتى يستطيعا الحركة في أي وقت وإلى أي مكان.