الملعب

بعيدًا عن الكاميرات: ماذا يدور في عقول لاعبي الكرة خلال المباريات؟

اللاعب البرازيلي نيمار في مباراة مع المنتخب الألماني - الصورة: Fernando Frazão

أذكر جيدًا وأنا في الطفولة مسلسل كارتون «كابتن ماجد». كل تلك المشاعر والتنافس والعدائية واللحظات التي يتوقف فيها الكادر فاتحًا المجال لإبراز خواطر اللاعبين، «كابتن مازن» وهو يصارع مرض القلب، و«باسم» بعدائيته، وشغفه بإلحاق الأذى بخصمه، وكابتن ماجد بتمثُّله للقيم الأخلاقية المأمولة، ونجاحه في إحراز الهدف في اللحظات الأخيرة، وقَلب دفَّة المباراة، ونجاح فريقه في النهاية.

عندما بدأتُ أتابع مشاهدة كرة القدم بشكل منتظم، ظللت أتمنى يائسًا أن يتوقف الكادر، وأن أستمع للاعبين وهم يتحدثون إلى أنفسهم، أو ينظرون إلى منافسيهم، تلك المشاعر التي تُضفي زخمًا على المهارات الجافة، الكراهية، عداء المدافعين لرؤوس الحربة، القرارات التي يتخذها صُنَّاع الأهداف في جزء من الثانية، ولكن دون جدوى.

من هم لاعبو كرة القدم حقًّا؟ ماذا يدور في عقولهم خلال 90 دقيقة ساخنة؟ كيف يتخذون القرارات بهذا الإيقاع السريع؟ لماذا هذا النجم عنيف جدًّا في اللعب؟ ما هي الاحتمالات التي يعيشها في كل لحظة بين انطلاق صفارتي الحكم؟

إذا كنت تعد فنجانًا من الشاي، وعشرات الآلاف يشاهدونك في الغرفة، وملايين يتابعونك على التلفزيون، سيكون إعداد الفنجان شيئًا صعبًا بالتأكيد. تخيَّل أنك الآن لاعب كرة، وسط منافسات حارة وساخنة، وجمهور مُتطلِّب، ومصيرك ومستقبلك يتوقف على لمستك للكرة، والأهداف التي ستحرزها، أو التي ستصنعها لزميلك «رأس الحربة».

حكايانا كلنا: ما يحدث داخل عقول لاعبي الكرة

الصورة: Tookapic

الكابتن ليس مجرد شخص يصيح في الملعب كما تراه على الشاشات، لكنه يحتاج إلى احترام زملائه بأن يُحيوا جميعًا قيم الفريق داخل الملعب وخارجه.

لا ينبغي أن ننسى أن لاعبي الكرة ليسوا مجرد مؤدين لمهارات عالية يرتقبها منهم معجبوهم ومغرمو الكرة. إنهم بشر في النهاية، ويُشَكّل ما يحدث في داخل عقل كل لاعب قصة داخلية لا تختلف كثيرًا عن قصصنا الداخلية، كلنا كبشر بداخلنا أفكار ومحفزات تدفعنا إلى التفكير والانفعال والفعل، ولكل واحد فينا قصته. لكن ما هي قصص هؤلاء اللاعبين داخل الملعب؟

يستجيب أيضًا لاعبو الكرة لما يحدث على مستوى اللعبة بشكل جماعي. فاللاعب يستلم الكرة ويمررها إلى زميله صانع الأهداف، ثم المهاجم الذي يسددها ببراعة بعد عدة مغامرات. لكن حارس المرمى يتمكن من التقاطها. لا ننسى زيد الدين زيدان وهو يغير وتيرة اللعب وإيقاعه بصيحاته وتحفيزه لزملائه، يتغيَّر الزخم من الدفاع إلى الهجوم، «بيب غوارديولا»، الإسباني مدرب مانشستر سيتي، النادي الإنجليزي، وهو يصيح في اللاعبين، ثم يتحول زخمهم وانتباههم من الهجوم إلى الدفاع، من التحفز والتوتر إلى الهدوء المميت.

يُعلّق «تيم أوبراين»، زميل زائر في علم النفس والتنمية البشرية في معهد «يو سي إل» للتعليم: تخيَّل نفسَك داخل عقل لاعب واحد لـ90 دقيقة، صدقوني، ما يحدث هناك معقد.

مثلًا، الكابتن ليس مجرد شخص يصيح ويتعصب في أثناء اللعب كما تراه على الشاشات، لكنه يحتاج إلى احترام زملائه بأن يُحيوا جميعًا قيم الفريق داخل الملعب وخارجه.

هل تذكرون كيف كان زيدان ومارادونا ورونالدينهو يديرون رؤوسنا عندما تلمس الكرة أقدامهم؟ يُمرر أحدهم تمريرات ساحرة وبسيطة، ويستقبلها الآخر بطريقة آسرة، ويُسلِّمها لزميله سهلة، وهدف.

لاعب مثل زيدان كان كثيرًا ما يخرج عن شعوره، في 24 أكتوبر 2000 كان لاعبًا في صفوف نادي يوفنتوس، وارتكب مدافع فريق هامبورغ المنافس «يوشين كانيتز» خطأً ضد زيدان، وما كان منه إلا أن وجَّه ضربة رأس للاعب الألماني، وتعرَّض للانتقادات وقتها. حصل زيزو طوال مشواره الكروي على 14 بطاقة حمراء.

لكن زيدان حصل على لقب أحسن لاعب في مونديال ألمانيا 2006 رغم حصوله على الكارت الأحمر وطرده، والسبب ما يفعله مع فريق فرنسا، فزملاؤه كانوا يرون فيه قدوة ونموذجًا، بغض النظر عن عنفه.

زيدان يوجه ضربة رأس للاعب الألماني يوشين كانيتز

سمع أوبراين عن بعض لاعبي كرة القدم المتعجرفين، لكن عندما تعرَّف إليهم بشكل شخصي وجدهم محترمين للغاية. معظم اللاعبين الذين يُظهِرون عدوانيتهم يُسقِطون ثقة راسخة في أنفسهم على آخرين، لديهم غطرسة في الأداء، وبعضهم يفكر بطريقة «كيف تجرؤ على التفكير في إمكانية التنافس معي؟».

المرونة: السمة النفسية الأهم للاعبي الكرة

إذا رأيت مرونة اللاعبين في التمريرات السريعة، عليك أن تفكر أنهم اجتهدوا نفسيًّا بشكل عميق ليستجيبوا في النهاية بطريقة لم تتوقعها.

إذا كانت ذاكرتنا تحتفظ بالأهداف، فإن ذاكرة المدربين تحتفظ بأشياء أخرى أبرزها مرونة اللاعبين، مثل عندما تكون لاعبًا محترفًا في نوادٍ كبيرة، يحتاج المدرب إلى أن تكون مَرِنًا، وإذا ساءت الأمور مَرِّر الكرة لرفقائك.

لاعبون كبار مثل مارادونا ورونالدينهو وزيدان لهم تمريرات لا تُنسَى، هذه المرونة ليست مجرد مهارة كروية تقنية. إنها حالة نفسية تحتاج إلى تدريب.

إذا رأيت مرونة اللاعبين في التمريرات السريعة، والتناغمية من خط الدفاع، مرورًا بخط الوسط، انتهاءً برؤوس الحربة، فعليك أن تفكر أنهم اجتهدوا نفسيًّا بشكل عميق ليستجيبوا في النهاية بطريقة لم تتوقعها، يقول أوبراين: أرى المرونة عملية متطورة في العقل، يمكن أن تهتم بها وترعاها. إنها ليست شيئًا فطريًّا.

الفريق المرن لديه شعور أكبر بالانتماء، فقد يدفع شعورهم هذا الفريق إلى التعاون على توفير المناخ النفسي حتى يصمد الفريق.

وكثيرًا ما تُظهِر الشائعات أن الفريق الفلاني لا يعرف أن يلعب إلا تحت ضغط، وهذا يُصدِّق عليه أوبراين، أن بعض اللاعبين يحبون الضغط، ويعتقدون أن مواردهم النفسية تُستَغل جيدًا عندما يشتد احتياجهم إليها.

الأسلحة النفسية داخل الملاعب

يركز المدربون على أشياء معينة عندما يفكرون في تبديل اللاعبين، مثلًا، إذا كان رأس اللاعب إلى أسفل وأكتافه متراخية، تتغير كيمياء عقله للأسوأ.

لا تندهش إذا رأيت فريقًا متواضعًا يؤدي أداء رائعًا أمام فريق من المحترفين والنجوم الكبار. ليس في الأمر سحر أن يفوز الفريق المغربي مثلًا على البرازيل، كرة القدم تحمل لنا المفاجآت. لكن بالنسبة إلى علماء النفس الرياضي، فليس في الأمر أي مفاجأة. إن الفريقين المتنافسين لا تتنافس مهاراتهم الكروية فقط، ولكن هناك سمات شخصية إذا تَمثَّلها فريق قد ترجح كفته رغم تواضع لعبه، تقنيات مثل التحدث مع النفس بشكل إيجابي، وآليات التحكم في الغضب، ومهارات إثارة المشاعر، وإعادة التركيز السريع، ويطلق عليها بعضهم «أسلحة نفسية».

تلك المعركة لا تكون في المستطيل الأخضر، لكن في المخ منطقة حيوية في الدماغ لاتخاذ القرار، والترقب، والوعي. إنها بداية فص المخ الأمامي، يجب على اللاعبين أن يبقوها حرة وطليقة، وإذا حُمّلَت بأعباء ستحد من قدرتهم على اتخاذ قرارات جيدة بسرعة، تجدون اللاعب يسدد في اللحظة التي كان عليه فيها أن يمرر الكرة، أو يراوغ في اللحظة التي كان عليه أن يسدد. إنه خسر في المعركة النفسية حتى لو كان يمتلك مهارات كثيرة تفوق الخصم.

يستخدم عدد من لاعبي الكرة كلمات رئيسية محفوظة لاستحضار حالات نفسية مناسبة.

يوضح «برادلي بوش»، مختص في علم النفس الرياضي، ومستشار أداء مع لاعبين من أندية فولهام ووست هام في الدوري الانجليزي وغيرها، أن اللاعب المعرَّض للغضب على أرض الملعب يقول كلمة واحدة مثل «آيس» لتُذكِّره بأن عليه البقاء مُسَيطِرًا عندما تزداد حدة الأمور. فمن الأسهل على الدماغ أن يتعامل مع صورة واحدة من العمليات المعقدة، رد فعلك يمكن فقط أن يأخذ ثانية واحدة لتخرج الأمور عن السيطرة، لذا، فإن السرعة حاسمة للغاية.

المدربون في مقاعدهم يركزون على أشياء معينة عندما يفكرون في تبديل اللاعبين، مثلًا، إذا كان رأس اللاعب إلى أسفل وأكتافه متراخية، فإن كيمياء عقله تتغير إلى الأسوأ، ما قد يدفع المدرب لتبديله، بحسب بوش.

لكن ماذا يحدث لو أخطأ اللاعبون؟ فقدوا تركيزهم وسيطرتهم على أجسادهم، ونسوا كلمة «آيس» تحت الضغط الكبير من الجماهير والإثارة في المباراة. يقول بوش إنه لاعبي كرة القدم يتدربون على تجاوز الأخطاء بأفعال رمزية، في التركيز على إسقاط ما علق في ملابسهم من عشب الملعب، أو مسح قميصهم، لاسترداد سيطرتهم على لغة أجسادهم، فتعزيز تركيز الفرد في المقام الأول يمكن أن يساعد في منع الأخطاء.

يظل الفص الأمامي للمخ يكافح ليعالج عددًا من الأشياء في وقت واحد في أثناء لعب الكرة، لذا يقولون للاعبين ركزوا على ثلاثة أشياء فقط، يجب أن تكون هناك أشياء يمكنك التحكم بها، مثلًا لا يستطيع المهاجم أن يتحكَّم في الأهداف، لكنه يستطيع التحكم في حركته وطاقته وجودة ضرباته. يبدو ذلك بسيطًا، لكنه يتعلق باستخدام آلة الدماغ بالطريقة الصحيحة.

يعمل الدماغ عبر ترشيح ما هو غير ضروري واستبعاده، وجزء من دماغك يُدعى «نظام التنشيط الشبكي» يلفت انتباهك للأشياء التي تراها مهمة.

عندما تفكر في شراء هاتف جديد، يفاجئك عدد الأجهزة التي تظهر لك من كل حدب وصوب، وعندما تنشط لمقابلة فتيات، تشعر بأن لك عينين تريان جمالهن للمرة الأولى، إنه «نظام التنشيط الشبكي».

من الصعب أن تتخيل وجود تلك الثرثرة الفكرية حول الأردينالين، وفصوص ما قبل الجبهية بين لاعبي الكرة. لكن المهارات العقلية، مثل البدنية، إتقانها مهم، ولا يقل أهمية عن معرفتها، سواء في ملعب الكرة في أثناء 90 دقيقة، أو ما وراء خط التماس، في حياتنا العادية.

, , , , ,