الأقل حظًّا

زواج القاصرات في إيران: إنهاء الطفولة بحكم قضائي

الصورة: العربية - التصميم: منشور

«في العام الماضي زرت مدينة أصفهان الكبيرة لأول مرة في حياتي. كنت أسير في الشارع ومعي أطفالي الثلاث، ووقعت عيني على فتيات جميلات في مثل عمري، يرتدين ملابس أنيقة، ويبدو أنهن ذاهبات إلى الجامعة. حينها أردت الهرب، أن أترك أطفالي وأفر بعيدًا، أرتدي ملابس ملونة وأخرج إلى الشارع مع أصدقاء دون أي مسؤولية».

هكذا تصف «معصومة» (اسم مستعار) إحساسها، بعد أن أكملت عامها الثامن عشر منذ أشهر قليلة، لكنها أم لثلاثة أطفال.

معصومة، كغيرها من الفتيات الريفيات في إيران، تزوجت وهي في التاسعة من ابن خالها الذي كان يبلغ حينها 18 عامًا. ذات يوم كانت عائدة من مدرستها، حين أخبرتها والدتها بأنها ستصبح عروسًا بعد شهر من الآن. تقول معصومة: «لم أدرك أي شيء من كلام والدتي حينها، كل ما أحزنني أنني لن أستطيع الذهاب إلى المدرسة مرة أخرى».

زوّجتكَ ابنتي: «لأنه في مصلحة البنت»

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لزواج طفلة إيرانية

إذا قال الأب للقاضي إن ابنته تصلح للزواج، يحكم بتزويجها على الفور، حتى لو كان عمرها 9 أعوام.

وفقًا للمادة 1041 من القانون المدني الإيراني، فإن السن القانونية للزواج 13 عامًا للفتيات، و15 للذكور.

لكن المحامي الحقوقي حسين نوري يقول إنه بالرغم من أن القانون الإيراني وضع سنًّا معينة للزواج، فإن هناك ثغرة في هذا القانون يمكن من خلالها تزويج الفتاة في التاسعة، فبإمكان الأب أن يذهب إلى المحكمة وسيحكم القاضي بصحة عقد الزواج، لأن الأب يرى أن الزواج من مصلحة ابنته، وهذه هي الثغرة التي يتم عبرها زواج أغلب الفتيات في سن تسع سنوات.

«عندما أتى أب ليسجل عقد زواج ابنته التي كانت تبلغ 11 عامًا، رفضتُ لأن ذلك يخالف القانون. وحين أجازت المحكمة الزيجة، عاقبني المدير بالفصل من العمل لمدة أسبوع بحجة إعاقة سير العمل». هكذا يروي لنا علي (اسم مستعار) الموظف في مصلحة توثيق عقود الزواج، إحدى الوقائع التي حدث فيها انتهاك واضح للقانون.

يقول نوري إن المحكمة تستند إلى رواية الأب فقط، فإذا قال إن ابنته تصلح للزواج ولا تشتكي من أي علة صحية، فإن القاضي يحكم بتزويجها على الفور، حتى وإن كان عمرها تسعة أعوام، ولا يؤخذ برأيها لأنها، من وجهة نظر المحكمة، قاصر لا تدرك مصلحتها.

قد يهمك أيضًا: النساء.. آلهة استُعبِدن باسم الزواج

تزويج القاصرات: «لقد انتهت حياتي»

«أهلي قتلوني عندما أجبروني على الزواج من رجل لا أحبه وأنا في سن صغيرة، والآن أريد أن أقتله». فائزة، التي تحكي هذا لـ«منشور»، تبلغ من العمر 20 عامًا ولديها خمسة أطفال، إذ تزوجت وهي في الثانية عشرة من إمام مسجد قريتها.

توضح أن والدها كان يعاني من الديون المتراكمة، فاستغل هذا الرجل الظروف وتقدم للزواج منها مقابل أن يسدد ديون أبيها، وينهي حياتها التي لم تعشها قط.

«فرح زيدآبادي»، الناشطة بمجال حقوق الطفل في إيران، تقول إن أغلب تلك الزيجات تتم عن طريق رجال الدين في القرى، فهم من يحثون الآباء دائمًا على تزويج بناتهم، ويدّعون أن هذا يُسهِم في حماية الشرف.

رصدت فرح كثيرًا من حالات زواج رجال دين من فتيات قاصرات، ويكون المقابل دائمًا هو المال: «في إحدى القرى الريفية، هناك رجل دين متزوج من فتاتين لا يتعدى عمرهن الخامسة عشرة».

تعجب برلماني: «نقتدي بالرسول»

19 حالة طلاق في إيران كل ساعة ونصف

في 2012، أعلنت لجنة الشؤون القانونية في البرلمان أن الزواج في سن 13 يخالف الشريعة الإسلامية، لكن هذا لم يقابَل بتحركات قانونية بعد.

تؤكد الباحثة الإيرانية في علم الاجتماع «شهلا عزازي» أن حالات زواج القاصرات زادت خلال 2016 بنسبة 10 آلاف عن عام 2015، محذرةً من أن تلك الزيادة يقابلها نموٌّ مطرد في عدد حالات الطلاق.

يسعى بعض أعضاء البرلمان إلى تغيير القانون لتصبح سن الزواج القانونية 18 عامًا، وفقًا لتصريحات عضو البرلمان المحسوبة على الكتلة الإصلاحية «فاطمة زولغادر»، لكن تلك المحاولات تلقى معارضة شديدة من نواب التيار المحافظ.

حين تحدثنا إلى رئيس لجنة الشؤون القانونية في البرلمان الإيراني، محمد أصفهاني، تعجّب: «ما الغريب في زواج الفتيات في سن التاسعة؟ نحن بلد إسلامي، وتحكمنا الشريعة، ونقتدي بالرسول الذي تزوج السيدة عائشة وهي في التاسعة، ولا نقبل بفرض أي ثقافة غربية على مجتمعنا».

وفي عام 2012، أعلنت لجنة الشؤون القانونية في البرلمان أن تزويج الفتيات في سن 13 يخالف الشريعة الإسلامية، وطالبت بتعديل القانون، لكن حتى الآن لم تستمع الجهات القانونية المختصة في إيران إلى أي مَطالب بتعديل السن القانونية للزواج.

قد يعجبك أيضًا: كل الزيجات الفاشلة، تفشل لنفس السبب

حالات الزواج تزداد: «لا نأمل في حل قريب»

الصورة: pixabairis

فى عام 2009، أعلنت جمعية حماية حقوق الطفل الإيرانية، وهي منظمة غير حكومية، أن نحو 40 ألف فتاة دون الخامسة عشرة يُزوّجن قسرًا كل عام، وما يقرب من 15 ألف فتاة لا يتجاوز عمرهن الثامنة عشرة قد تقدموا إلى المحكمة لطلب الطلاق في 2010.

تقول «شيفا أنصاري»، التي تعمل في الجمعية، إنه من الصعب حصر حالات الزواج القسري بين الفتيات لعدم وجود أرقام رسمية تصدر من الحكومة، وكل الأرقام المعلنة مجرد مجهودات شخصية من جمعيات حقوق الإنسان والطفل في إيران.

توضح شيفا لـ«منشور» أن هناك بعض الحالات غير الموثقة رسميًّا عندما يكون عمر الفتاة أقل من 13 عامًا، ويكتفي الأهل فقط بالتوثيق والمراسم الدينية: «لا نأمل في معالجة هذه الظاهرة قريبًا، حتى لو عُدِّل قانون سن الزواج، لأن الأمر يحتاج إلى توعية اجتماعية للأهالي. وهناك عقبة أخرى هي سطوة رجال الدين في تلك المناطق، وهذه أهم مشكلاتنا».

وحذرت لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة من زيادة حالات الزواج من فتيات قاصرات في إيران، وناشدت السلطات إجراء تعديلات على قانون سن الزواج، إذ اعتبرت اللجنة أن هذا الزواج اعتداء جنسي على الأطفال.

تزوجت طفلةً، أُعدمت شابةً

في 30 يناير 2018، نُفّذ حكم الإعدام بحق فتاة تبلغ من العمر 20 عامًا، قتلت زوجها حين كانت تبلغ 17 عامًا.

محامية الفتاة أكدت لـ«منشور» أنها ليست القضية الأولى من نوعها، فعشرات الفتيات يُجبَرن على الزواج من رجال أكبر منهن، وينتهي بهن الأمر إلى السجن.

توضح المحامية أن الفتاة تزوجت حين كان عمرها 13 عامًا، وطلبت من أهلها مرارًا وتكرارًا تطليقها لأن زوجها يسيء معاملتها، ويضربها، ويصل حتى إلى اغتصابها، لكن أهلها لم يهتموا لأن زوجها كان يقدم لهم مساعدات مالية في المقابل، فانتهى الأمر إلى أن تقتل زوجها وتضيع حياتها.