كالنقش على الحجر

كيف يؤثر عمل المرأة أو بقاؤها في المنزل في مستقبل أطفالها؟

الصورة: jnylee

عندما تحظى المرأة بمولودها الأول، وبعد انتهاء إجازة الأمومة التي تصل عادةً إلى بضعة أشهر في معظم الدول العربية، بينما تبلغ في الدول الإسكندنافية 16 شهرًا، تتنازع الأم مشاعر مختلفة وتجول في خاطرها تساؤلات عديدة: هل هناك من هو أفضل من الأم ليعتني بأطفالها؟

تفكر المرأة: هل وجود الأطفال في الحضانة سيمنحهم القدر الكافي من الرعاية والحنان، ممَّا يجعلهم ينشؤون متوازنين نفسيًّا وعاطفيًّا؟ وهل أضع طفلي في الحضانة وأعود إلى العمل؟ أم أترك العمل لأعتني بطفلي؟ هل أعمل أم لا أعمل؟

حاولت دراسات عديدة تقصِّي آثار عمل الأمهات على أطفالهن على مدى سنوات طويلة، وكشفت دراسة شاملة امتدت قرابة 50 عامًا، أجراها باحثون من جامعة ستانفورد، أن الأمهات العاملات لا يعتنين بأطفالهن بالقدر اللازم.

قد تبدو هذه النتيجة طبيعية، إلا أن المفاجأة كانت أن الدراسة نفسها وجدت أن الأمهات غير العاملات يعتنين بأطفالهن بدرجة زائدة عن الحد.

أبناء الأمهات غير العاملات يخافون الظلام

طفل يقبل أمه
الصورة: eberhartmark

حاولت الدراسة رصد النجاح على الأصعدة العاطفية والمالية والتعليمية لثلاثمائة مشارك، تابعتهم من عمر عام واحد وحتى بلوغ كل منهم الثامنة والأربعين من عمره.

وجدت الدراسة  أن الأبناء البالغين للأمهات العاملات يتصفون بعدم قدرتهم على إنشاء علاقات دائمة، ويعلق على ذلك الدكتور «بيتر وانكفر»، المتخصص في علم الاجتماع، قائلًا: «لكل امرأة الحق في العمل، ولكن جميع الأشخاص البالغين الذين كانت أمهاتهم عاملات يعانون ممَّا أسميناه (شك الحضانة)، أي عدم إيمان هؤلاء الأبناء بمفهوم الحب الدائم غير المشروط، لأن فترات ترك أمهاتهم لهم خلال وجودهن في العمل كانت لها آثار دائمة عليهم».

ممَّا يثير الاهتمام أن الأبناء البالغين لأمهات غير عاملات يعانون كذلك لكن بطريقة أخرى، فيقول الدكتور وانكفر إن «الأشخاص الذين أمضوا الكثير من الوقت في رعاية أمهاتهم أصيبوا بنوع من الشلل العاطفي، فقد كانت لهم حاجات أكثرر من مجموعة أبناء الأمهات العاملات، والكثير من هؤلاء الرجال يتوقع أن تخدمه النساء،  حتى أن خمسة من مجموعة الرجال هذه لم يعلموا أنه يمكن للنساء امتلاك حسابات مصرفية خاصة إلا مؤخرًا».

في التقرير الذي أعده وانكفر، وجد أن الأبناء البالغين لأمهات عاملات كانوا أكثر ميلًا للبحث عن صداقات قصيرة الأجل عبر تطبيقات مثل «تيندر»، في حين كان الأبناء البالغون للأمهات غير العاملات أكثر ميلًا للإمساك بأيدي الغرباء عند مشاهدتهم فيلمًا مخيفًا في السينما، وأكثر قابلية لمواجهة صعوبة في ربط أشرطة أحذيتهم والخوف من الظلام.

اقرأ أيضًا: تحكم الوالدين يجعل الأطفال أميل إلى القلق وجلد الذات

الأمهات العاملات لديهن بنات أكثر نجاحًا وأبناء أكثر عناية

كيف يستفيد الأطفال من عمل أمهاتهم؟

عمل الأمهات يصقل شخصية الأبناء ويجعلهم أكثر اعتمادًا على أنفسهم، لكنه يؤدي بالمقابل إلى حرمان الأطفال من قدر من الحنان في فترة الطفولة المبكرة. لكن هل يؤثر عمل الأمهات على النجاح الوظيفي لأبنائهم؟

نسبة 33% من بنات الأمهات العاملات يشغلن مناصب إشرافية، مقارنةً بـ25% من بنات الأمهات غير العاملات.

وفقًا لدراسة نشرتها كلية هارفارد للأعمال، فإن بنات الأمهات العاملات أكثر قدرة على الحصول على وظيفة وشغل المناصب الإشرافية وكسب المال من بنات الأمهات غير العاملات، ووجد الباحثون دلائل إحصائية هامة على أن أبناء الأمهات العاملات عادةً ما يمضون وقتًا أطول في العناية بأفراد العائلة وأداء الأعمال المنزلية، أكثر من أبناء الأمهات غير العاملات.

توصل الباحثون بعد تحليل بيانات من أكثر من 20 بلدًا إلى أن فرصة بنات الأمهات العاملات في الحصول على وظيفة تكون أكبر بنسبة 4.5% من بنات الأمهات غير العاملات، وتقول الأستاذة في كلية هارفارد للأعمال والكاتبة الرئيسية للدراسة، «كاثلين ماكجن»، إن الأمر الأكثر إثارةً للدهشة هو تأثير عمل الأمهات على فرص بناتهن في الحصول على وظائف إشرافية.

تضيف ماكجن: «توقعنا أن عمل الأمهات سيؤثر على حصول بناتهن على وظيفة في المستقبل، لكن لم نتوقع أن تكون الوظائف ذات مسؤولية إشرافية»، فقد وجد الباحثون أن 33% من بنات الأمهات العاملات يشغلن مناصب إشرافية مقارنةً بـ25% من بنات الأمهات غير العاملات، إذ يؤدي عمل الأمهات عادةً إلى تشكيل بيئة منزلية يكون فيها الأطفال متساوين في الواجبات، وليس فيها تخصيص أعمال محددة للبنات وأخرى للفتيان.

اقرأ أيضًا: جيل الألفية الأمريكي لا يؤمن بالمساواة في أعمال المنزل

آثار عمل المرأة تختلف من بلد إلى آخر

أم تتمشى مع طفلها
الصورة: Jiricek72

لا ينبغي إهمال الأطفال، وإنما يجب منحهم الشعور بالمسؤولية مع مواصلة التربية دون التفرغ التام، لتعزيز استقلالهم.

استندت هذه الدراسة إلى بيانات على المستوى الأمريكي، بالإضافة إلى معلومات جُمعَت من استبيانات فردية من 24 بلدًا عبر برنامج الاستبيانات الاجتماعية الدولي في عامي 2002 و2012. ووُجهت إلى المشاركين في الاستبيان أسئلة مثل ما إذا كانت أمهاتهم قد أمضين سنة أو أكثر يعملن بدوام كامل أو جزئي خلال فترة طفولتهم.

ذكرت ماكجن أن تأثير الأمهات العاملات كان أكثر بروزًا في عدد من البلدان، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ففي هذه البلدان عادةً ما يحمل المشاركون في الاستبيان وجهات نظر معتدلة حول قضايا النوع والمساواة، إضافة إلى أن المواقف تبقى ذاتها تقريبًا بعد عشر سنوات.

وجدت الدراسة أن دخل بنات الأمهات العاملات كان أعلى بـ5200 دولارًا أمريكيًّا من دخل بنات الأمهات غير العاملات.

قد يهمك أيضًا: «جينيفر أنيستون» غير معجبة بالأمومة: الإنجاب لا يكمل المرأة

كانت رسالة الأستاذة ماكجن إلى الأمهات العاملات هي أنه «كونك موظفة له آثار إيجابية طويلة الأمد على أطفالك»، لأن الأم عندما تذهب إلى العمل تساعد أطفالها على فهم أن هناك الكثير من الفرص لهم، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إهمال الأطفال في البيت، فالأمر يقوم على منحهم الشعور بالمسؤولية مع مواصلة التربية دون التفرغ لهم تمامًا، حتى تتعزز استقلالية شخصيتهم.

, , , ,