إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

«غوغل أسيستانت»: ماذا يعني أن يتولى الذكاء الصناعي جميع أمورنا؟

لقطة من فيلم «Her» - الصورة: Annapurna Pictures

عندما شاهدت فيلم «Her» للمرة الأولى، من بطولة «خواكين فينيكس»، وإخراج «سبايك جونز»، جذبتني فكرة الفيلم الأساسية التي تقوم على أن هناك رجلًا وحيدًا قرر شراء تطبيق إلكتروني يعتمد على الذكاء الاصطناعي. ومهمة التطبيق الذي أدت صوته الممثلة «سكارليت جوهانسون»، أن يتواصل مع صاحبه لتنظيم أمور حياته كافة: تنظم بريده الإلكتروني، وتُذكِّره بمواعيده المهمة.

باستمرار معايشة هذا التطبيق لصاحبه يغدو على علم بكل صغيرة وكبيرة في أدق شؤون حياته. ثم يبدآن، الإنسان والتطبيق، في تبادل محادثات «غير وظيفية»، ولا تتعلق بمهام التطبيق المباشرة. يتحدثان كما لو كانا صديقين، ويشارك البطل مع التطبيق أحداث يومه، بل ويصطحبها إلى مواعيد غرامية.

الحال أن بطل الفيلم الذي قرر شراء التطبيق كان وحيدًا، وفشل في حياته العاطفية، وانفصل عن زوجته، لذا، من المفترض عندما تشاهد الفيلم أن ينتقل إليك الإحباط الذي يعاني منه الرجل. فما مدى الحزن الذي يجب أن تكون عليه عندما يكون التواصل الوحيد الذي تحظى به هو كلامك مع تطبيق ذكاء صناعي؟

لم يعد هذا سؤالًا حتى في عام 2018 ، ذلك أن «غوغل»، الشركة الكبرى في مجال تطوير أبحاث الذكاء الاصطناعي، قد أطلقت لأول مرة الأداة المزدوجة «غوغل أسيستانت» التي تستطيع إجراء المكالمات وفعل أشياء أخرى، مثل حجز مكان باسمك في صالونات الحلاقة، أو حجز طاولة في أكثر المطاعم ازدحامًا في المدينة، والأفضل من كل ذلك، وبفضل صوتها الاصطناعي الواقعي، المفرط في واقعيته، والذي يصعب تمييزه عن الأصوات الحقيقيّة، وروعي في تصميمه هذه المرة أن يتبنى كل ما يخص طريقة حديث البشر، كالوقفات المحتارة في منتصف الكلام، وأصوات الضحك المرتبكة لدرجة أن الشخص على الطرف الآخر من الخط ربما لا يدرك أنه يتحدث إلى آلة.

هذه المرة تختلف

غوغل تقدم برنامج المساعد الشخصي «غوغل أسيستانت»

قد يبدو ذلك مفرطًا في المستقبلية، لكن تلك الأداة هي بحق آخر التطورات في تاريخ روبوتات الدردشة الاجتماعية (Chatbot)، وهي أنظمة ذكاء صطناعي صُمِّمَت كي تكرر تفاعلات الإنسان، هذه الروبوتات كانت موجودة منذ عقود، لكنها لم تكن قط على هذه الدرجة من التطور التي عرضتها «غوغل» مؤخرًا.

وقف المدير التنفيذي لـ«غوغل» الهندي «ساندار بيتشاي» ليستعرض قدرات الإصدار الجديد خلال مؤتمر الشركة السنوي، شغَّل تسجيلًا، هو عبارة عن مكالمة صوتية بين الإصدار الجديد «غوغل أسيستانت» يتفاعل مع شخص آخر حول تحديد موعد لصالون حلاقة.

جرت المكالمة التي استعرضها بيتشاي كالآتي، عندما التقطت موظفة الصالون الهاتف، رد عليها صوت أنثوي تقول إنها تتصل كي تحدد موعدًا مع الصالون لعميل في الثامن من مايو، وعندما تطلب موظفة الصالون ثواني معدودة كي تتطلع إلى مواعيد الصالون المتاحة، يهمهم الصوت كالبشر تمامًا.

تعود موظفة الصالون لتسأل: أي موعد تريدين؟ فيرد الصوت: في الثانية عشرة ظهرًا. لم يكن الصالون متاحًا في هذا الموعد، لذا، قرر التطبيق اقتراح موعد بين العاشرة والثانية عشر ظهرًا، ذلك قبل أن يؤكد الحجز، ويخطر صاحبه.

قال بيتشاي إن هذه الأداة كانت مفيدة بنسبة 60% في الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة التي ليس لديها نظام للحجز الإلكتروني، وقال: «نحن نعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيساعدنا».

النظام المزدوج أيضًا يمكنه أن يجري اتصالات مع شركة ما ليسأل حول ساعات العمل خلال العطلات، وبإمكانه بعد ذلك أن يتيح هذه المعلومات على «غوغل»، وبذلك سيقلل كمية المكالمات المتشابهة التي يمكن أن تتلقاها شركة ما.

اقرأ أيضًا: الشبكات العصبية الاصطناعية: تعرَّف إلى دماغ «غوغل» والعقول التي تقف خلفه

معضلات أخلاقية تظهر

الصوت الذي يتصل بك باستخدام «غوغل أسيستانت» يمكن أن يملك صوت أي شخص، الأمر الذي يجعل من الصعب أن تتعرف إليه إذا لم يكن شخصًا حقيقيًّا.

ككل شيء جديد تظهر معضلاته الأخلاقية معه. خلال العرض لم يكن المساعد الافتراضي يُعرِّف نفسه بأنه مساعد إلكتروني، وبالتالي كان يبدو للحظات أنه إنسان طبيعي، لكن على الرغم من ذلك، فقد قالت الشركة على مدونتها إن ذلك يمكن أن يتغير.

أوضح البيان الرسمي للشركة على هذه المدونة أنه من المهم للأعمال والمستخدمين أن يحظوا بخبرة جيدة عند التعامل مع هذه الخدمة، والشفافية جزء رئيسي من هذه التجربة، وكشفت أنهم يطمحون إلى مزيد من الوضوع بشأن هذه المكالمات حتى يصبح من السهل فهم سياق الحديث، وأن يعرف الموظف، أو الشخص الذي يتعامل مع هذا التطبيق، أنه يتعامل مع تطبيق، وليس إنسانًا حقيقيًّا.

بالطبع قد تنشأ أسئلة أخلاقية وعملية مختلفة عن تلك التكنولوجيا الجديدة، فقد تساءل عدد من المعلقين: كيف ستتحدث الروبوتات مع بعضها؟ وما الذي سيحدث إذا ما طُلِبَ منهم تعريف أنفسهم بأنهم «إنسان آلي»؟

أوضحت «غوغل» أيضًا كيف يحدث تطوير الأدوات لبناء عدد من النغمات من أصوات الناس، ولإثبات ذلك عرضت الشركة على المغني «جون ليجيند» أن يسجل عددًا من الجمل التي تعمل الشركة على توليفها بعد ذلك باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحويلها إلى صوت يمكن أن يقول شيئًا، ويبدو مثل صوت المغني الأمريكي.

وقد قالت الشركة أنها قد ولَّدت ستة أنواع من الأصوات الجديدة بنفس هذه الطريقة، ما يعني أن الصوت الذي يتصل بك باستخدام هذه الأداة يمكن أن يملك صوت أي شخص، الأمر الذي يجعل من الصعب أن تتعرف إليه إذا لم يكن شخصًا حقيقيًّا.

في المؤتمر الذي عرضت «غوغل» فيه منتجها الجديد، قال بيتشاي: «ما زلنا نعمل على تطوير هذه التكنولوجيا بأقصى جهد، والحق أننا لدينا عدد من الأمثلة عندما لا تسير المكالمات تمامًا كما هو متوقَّع لها، لكن مساعد غوغل يعرف السياق والفروق الدقيقة، ويعرف كيف يطلب أوقات الانتظار في الحالات التي لا تسير على ما يرام، ويعالج المشكلة بلباقة».

يقول «ريتشارد نيفا» في مقاله على «سي نت» إنه إذا قررت «غوغل» التوسع في هذه التكنولوجيا، فيمكن لكل ذلك أن يتغير. واعتمادًا على المحادثات القصيرة التي سمعتها، كنت أشعر أنك تتحدث لمساعد إداري في شركة، أو حتى نظام «سبايك جونز» في فيلم «Her».

بالطبع لم تكن «غوغل» الشركة الأولى التي تطلق مثل هذه المنتجات، فقد فاجأت شركة «أمازون» العالم عام 2014، عندما أطلقت المتحدث الذكي الذي أعطى صوتًا لبرنامجها، وأُطلق عليه «أليكسا». والواقع أنه حتى الآن لا تزال «أليكسا» الطريقة الأكثر شهرة للتفاعل مع المساعد الشخصي الرقمي التابع لأمازون، فكثير من الناس يفضلون أن يتفاعلوا صوتيًّا مع برامج المساعد الشخصي المختلفة، في هذا المجال، استحوذت أمازون على ما يقرب من 69% من السوق في الولايات المتحدة، بينما تستحوذ «غوغل» على 31% من السوق. هذه إذًا محاولة لاستعادة جزء من السوق مرة أخرى.

لكن عند الحديث عن المال، إذا اتصل المساعدون الرقميون بكل الخدمات عن طريق الإنترنت، واستطاعوا التحكم في كل شيء، بداية من لوحة قيادة السيارة إلى الغسالة ومفاتيح الإضاءة، فوفقًا للتقديرات، سينفق الناس تريليون دولار على هذه الأشياء عام 2020.

لهذا بالضبط تعمل شركة «غوغل» للحاق بهذه المنافسة. أعلنت الشركة في بداية عام 2018 أن هناك 500 مليون جهاز قد أُلحِق به المساعد، أجهزة مثل التلفزيونات والجوالات ومكبرات الصوت، وقد أضافت «غوغل» أن المساعد بإمكانه أن يتحدث 30 لغة، وسيكون متاحًا في 80 دولة حول العالم بنهاية 2018، متضمنًا سبع دول جديدة مثل اليابان والدنمارك والمكسيك وهولندا وإسبانيا والنرويج، غير أن نظام أمازون الذي تحدثنا عنه سابقًا متاح أيضًا في 80 دولة حول العالم.

بيد أن هذه التقنية هي مادة للخيال العلمي، وهذا ما يثير أسئلة كثيرة، عملية وفلسفية على حد سواء، ذلك أنه كيف يجب على الشخص أن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي؟ وما هي آداب السلوك بين الإنسان الآلي والإنسان؟ وهل يحتاج ذلك إلى تطوير؟ وما أفضل طريقة للذكاء الاصطناعي كي يكشف أنه إنسان آلي عند التحدث لإنسان دون أن يعطل هذا تدفق المحادثة؟

يقول ماتياس إننا بحاجة إلى تحديد التوقعات المناسبة مع الجميع، هناك أسئلة تتعلق بهذه التكنولوجيا، والحق أننا لا نعرف جميع الإجابات حتى الآن، ونحتاج أن نفهمها كما نرى ذلك في العالم الطبيعي.

قد يهمك أيضًا: أنت مخترَق: غوغل تعرف عنك أكثر مما تتخيل

كيف تطوَّرت المساعدات الشخصية الإلكترونية؟

الفرق بين برامج المساعد الشخصي المختلفة

1- في عام 1950 نشر عالم الرياضيات البريطاني «آلان تورينغ»، ورقة بحثية تساءل فيها: «هل الآلة قادرة على التفكير؟». وبكلمة التفكير كان يعني «التفكير الإنساني»، بكل ما يتضمنه من تعقيد. وكمحاولة للتعامل مع هذا السؤال. طرح تورينغ فرضية تسمح له بالإجابة على هذا السؤال، وأسماها «لعبة المحاكاة»، وفيها يحاول الجهاز أن يخدع الإنسان، في حوار بينهما، ليقنعه بأنه يحادث إنسانًا آخر. لم تكن تقنيات هذا العصر تسمح بإنتاج جهاز مماثل، لكن لعبته ظلت الاختبار الأساسي في ما يتعلق بأي مساعد شخصي إلكتروني، وتحديد مدى كفاءته.

2- في منتصف عام 1960، طوَّر العالم «جوزيف فايزنباومن» جهازًا أطلق عليه اسم «إليزا». صُمم هذا الجهاز للتفاعل مع الأشخاص الذين يتحدثون معه عبر الكتابة، متجاوبًا مع حديثهم وأفكارهم بمجموعة من الأسئلة التي تشجعهم على مزيد من الحديث. كان غرض ابتكار هذا الجهاز بالأساس تطوير «معالج نفسي إلكتروني» لطلاب الجامعات الذين يعانون من مشكلات نفسية. لم يكن الجهاز قادرًا على التفاعل المعقد، لكن كثيرين شعروا بالراحة لمجرد الحديث مع شخص يتجاوب مع وحدتهم ومشاعرهم بأسئلة تدفعهم إلى مزيد من الحديث.

يمكنك تجريب هذه النسخة من البرنامج، عبر هذا الرابط. لكن عليك أن تُدرك أنك تحادث برنامجًا طُوِّر في ستينيات القرن العشرين.

3- عام 1972 طوَّر عالم النفس «كينيث كولبي»، من جامعة ستانفورد، برنامجًا أطلق عليه اسم «باري»، كان بمثابة محاكاة لمصاب بمرض الفصام. في مؤتمر عام 1972، جرت محادثة، كانت بمثابة حدث وقتها، بين «باري» و«إليزا». تعد هذه المحادثة أول حديث بين جهازي ذكاء صناعي في التاريخ.

4- «كليبِّي»: ربما تميَّز هذا التطبيق. ظهر لأول مرة عام 1997 على أجهزة ويندوز، وكان المنوط به إجراء بعض العمليات البسيطة مثل تكليفه بكتابة رسالة أو إجراء عمليات حسابية. لم يحظ «كليبِّي» بشعبية كبيرة، لكنه امتلك إمكانية للتطوير في ادعاء عمليات أعقد وأدق من هذه.

5- «سيري». هنا بدأت الأمور في التغير بالفعل. ظهرت سيري لأول مرة على هواتف iPhone 4، عام 2011، كانت الميزة الأساسية في «سيري» هي قابليتها العالية للتعامل مع الأوامر الصوتية التي يوجهها لها المستخدم، مثل: «اتصلي بفلان»، أو توجيه أسئلة عن حالة الطقس وغيرها، حظيت سيري بشعبية واسعة بين المستخدمين، وذلك لتعقُّد درجة الإستجابة والتفاعل معها، وما زالت النسخ الجديدة منها، والتي يجري تطويرها مع كل إصدار جديد لأجهزة آبل، تحظى باهتمام واسع.

6- «أليكسا»: في عام 2014، أعلنت شركة «أمازون» عن تطبيق «أليكسا» الجديد، وهو مساعد شخصي، يمكنه التفاعل مع المستخدم بدرجة دقة عالية، ويستطيع تنفيذ الأوامر، مهما تكن درجة تعقيدها، بل، وهو الأهم هنا، تبادل الحديث مع المستخدم لو كان هناك أمر غير واضح، وبالتالي الحصول على أعلى درجة ممكنة من الدقة.

لا تزال مسألة الذكاء الصناعي حديثًا لا يتوقف في العصر الحالي. تستثمر كثير من الشركات الكبرى في عمليات التطوير، والتي يبدو أنها تؤتي ثمارها بالفعل. ما شهدناه في حفل إطلاق «غوغل أسيستانت» يوحي أن هناك مزيد من ما يمكن لنا أن نتوقعه في الفترة المقبلة.