إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

«آخر ماتش والله»: كيف تحولت ألعاب الفيديو إلى إدمان؟

 فليكس أرفيد (PewDiePie) أشهر محترفي ألعاب الفيديو - الصورة: PewDiePie

هناك تعبير يُستخدَم كثيرًا في مراجعات الألعاب الإلكترونية الجديدة، والموجهة خصوصًا للمهتمين بألعاب الفيديو: «هذه اللعبة جميلة لدرجة أنه لا يمكنك التوقف عن اللعب بها».

يعمل عدد من مصممي ألعاب الفيديو ومطوِّريها على فكرة الاستحواذ على عقول اللاعبين، ويستخدمون الخوارزميات التنبؤية، وأسس علم الاقتصاد السلوكي، لابقائهم في حالة تعلِّق مستمر.

لكن تقريرًا جديدًا نشرته منظمة الصحة العالمية، يقول إن للأمر أبعادًا أخرى، وإن اللاعبين يدخلون في حالة تشبه الإدمان بالفعل.

في المراجعة النهائية للإصدار الحادي عشر للتصنيف الدولي للأمراض «ICD-11» (دليل الحالات الطبية المعترَف به عالميًّا)، يظهر ما صار يُعرف بـ«اضطراب اللعب».

ترجع أهمية هذا التصنيف إلى أنه الأساس الذي يُستنَد إليه في تحديد الاتجاهات والإحصاءات الصحية في العالم، والمعيار الدولي للإبلاغ عن الأمراض والحالات الصحية. ويستخدمه الممارسون الطبيون حول العالم في تشخيص الحالات المرضية، والباحثون في تصنيف الحالات المرضية.

يُعرَّف الاضطراب الناجم عن اللعب في الإصدار الجديد بأنه «نمط من سلوكيات اللعب (بالألعاب الرقمية) أو (بألعاب الفيديو) التي تتميز بضعف التحكم في ممارسة اللعب، وزيادة الأولوية التي تُعطى للعب على حساب الأنشطة الأخرى إلى حد يجعله يتصدر سائر الاهتمامات والأنشطة اليومية، ومواصلة ممارسته أو زيادة ممارسته رغم ما يخلِّفه من عواقب سلبية، مثل عدم القدرة على النوم، والاستمرار في اللعب رغم الإرهاق.

وبحسب «WHO»، فإن تشخيص الاضطراب الناجم عن اللعب يستلزم «نمطًا سلوكيًّا مكثفًا ومتكررًا بما يكفي ليُسفِر عن ضعف كبير في الأداء الشخصي أو الأسري أو الاجتماعي أو التعليمي أو المهني أو غيرها من أوجه الحياة، ومن شأن هذا النمط أن يكون في العادة واضحًا لمدة 12 شهرًا على الأقل».

هل نواجه خطرًا حقيقيًّا؟

تتلاقى المخاوف بشأن تأثير ألعاب الفيديو مع التدقيق المتزايد في الجوانب الضارة للتكنولوجيا، ومحاولات تقليص معدلات استخدام مواقع التواصل والترفيه على الإنترنت.

وبحسب مقال نُشِرَ على «نيويورك تايمز»، فإن التصنيف الجديد لمنظمة الصحة سيعزز القلق المتصاعد بشأن محبي ألعاب الفيديو الذين يهملون بقية جوانب حياتهم. ويمكن أن يوجِّه مزيدًا من اللاعبين نحو السعي لتلقي العلاج، ويحث مزيدًا من المعالجين على تقديمه، ويزيد من فرص تغطية تكاليفه من شركات التأمين.

يقول الدكتور«بتروس لفونيس»، رئيس قسم الطب النفسي في كلية طب روتغرز بولاية نيوجيرسي الأمريكية، إن التصنيف الجديد سيمنحنا مساحة للحركة في ما يخص تقديم العلاج، بذلك سيتمكن المرضى من الحصول على الدعم اللازم. ولن نكون مضطرين للالتفاف حول المسألة بأن نُسمِّيه اكتئابًا أو اضطرابًا أو أيًّا من الآثار الجانبية الأخرى للمشكلة، دون ذكر المشكلة نفسها.

أُطلِقَ على لعبة «EverQuest» اسم «EverCrack»، اشتقاقَا من اسم مخدر الكوكايين بسبب اندماج اللاعبين الشديد فيها.

يوجد حول العالم 2.6 مليار شخصًا يستخدمون ألعاب الفيديو، ومن المتوقَّع وفقًا لاتحاد البرمجيات الترفيهية (ESA)، أن تزداد الأرباح السنوية لصناعة ألعاب الفيديو بنسبة 31% لتصل، في غضون ثلاث سنوات، إلى 180.1 مليار دولار عالميًّا. لعبة «Fortnite» التي حققت رواجًا كبيرًا مؤخرًا، وفيها يتنافس اللاعبون ليكونوا آخر من يصمد خلال عاصفة أبوكاليبسية، وصلت أرباحها إلى 300 مليون دولار خلال شهر واحد.

اقرأ أيضًا: تاريخ ألعاب الفيديو: كيف تطورت وحدات التحكم عبر التاريخ؟

على الناحية الأخرى

يعانون من إدمان لعبة «Candy Crush Saga»، وهم يشبهون إلى حد بعيد من جاؤوا باضطرابات ناجمة عن تعاطي الكوكايين: حياتهم مدمَّرة، علاقاتهم تعاني، حالتهم البدنية متدهورة.

عارض صناع ألعاب الفيديو تصنيف منظمة الصحة، ووصفوه بـ«المعيب جذريًّا»، مشيرين إلى «قيمة الألعاب التعليمية والعلاجية والترفيهية».

لكن الطبيعة الإدمانية لألعاب الفيديو ليست شيئًا جديدًا، فكثيرًا ما كانت كذلك. لعبة «EverQuest»، الصادرة منذ نحو 20 عامًا، أُطلِقَ عليها «EverCrack»، اشتقاقاً من اسم مخدر الكوكايين بسبب اندماج اللاعبين الشديد، واستغراقهم في اللعب لفترات طويلة.

يشبه إدمان لعبة «Candy Crush Saga» الاضطرابات ناجمة عن تعاطي الكوكايين: حياتهم مدمَّرة، علاقاتهم تعاني، حالتهم البدنية متدهورة.

وجدت دراسة استطلاعية، أجريت سنة 2013، أن أنماط السلوك في الحالات الإدمانية كانت مقترنة بسمات معينة في ألعاب الفيديو، كالألعاب الاجتماعية التي يتشارك فيها اللاعبون النصائح والخطط مع الآخرين، أو تلك التي توفر مكافآت متزايدة (كسب النقاط والعثور على أشياء نادرة مثلًا)، هذه الألعاب ترتبط ارتباطًا ملحوظًا بالسلوك الإدماني.

حاليًّا، يؤكد أخصائيو الصحة النفسية أنهم يلحظون على نحو متزايد لاعبين يفقدون السيطرة.

يقول دكتور «لفونيس»: لديَّ مرضى يعانون من إدمان لعبة «Candy Crush Saga»، وهم يشبهون إلى حد بعيد من جاؤوا باضطرابات ناجمة عن تعاطي الكوكايين: حياتهم مدمَّرة، علاقاتهم تعاني، حالتهم البدنية متدهورة.

انتشرت هذه الفترة عدد من المخيمات البرية ومراكز إعادة التأهيل، إلا أنها تكلف عشرات الآلاف من الدولارات، مع إمكانية نجاح ضئيلة. أما مختصو الصحة النفسية ذوو النهج التعميمي، فيحاولون اتِّباع طرق العلاج التقليدية الخاصة باضطراب القلق وإدمان الكحول مع مرضى يعانون من عدم القدرة على التحكم في رغبتهم في لعب «World of Warcraft» على سبيل المثال.

قد يعجبك أيضًا: ألعاب الفيديو: فيروس أم علاج؟

رحلة التعافي

يصر خبراء الصحة النفسية على أن الاضطراب الناجم عن اللعب ليس حالة مرضية بل عرَض أو أثر جانبي لحالات أكثر شيوعًا كالاكتئاب والقلق.

يورد مقال «نيويورك تايمز» حديث «كيم ديفريس»، مالكة متجر هدايا في «توسون» بولاية أريزونا الأمريكية، والتي بدأت منذ عامين في البحث عن طبيب مختص في إدمان اللعب بعد إخفاق ابنها في دراسته، وتركه الجامعة، ثم معاناته من أجل الاحتفاظ بوظيفة.

أرادت من يفهم تحديق ابنها القهري في شاشة متوهجة، لمدة 16 ساعة في بعض الأيام. يسد رمقه بالمقرمشات وشرائح الخبز، بينما يضع سماعة الرأس مستمعًا لغرباء يناقشون خطة «League of Legends».

لم تنجح في ذلك. تقول: «لم أعرف إلى من أذهب، لم يكن هناك جهة تتعامل مع الأمر باعتباره مشكلة». تلجأ السيدة ديفريس إلى منع ابنها (البالغ 24 عامًا) من اللعب بعد الحادية عشرة مساءً. تقول: «أحيانًا، كنت أمر بغرفته، وأسمع صوت النقرات على لوحة المفاتيح، فأرتجف».

تتوسع صناعة ألعاب الفيديو بسرعة هائلة، تلهث البحوث الطبية في محاولة اللحاق بها ومواكبتها.

كشفت دراسة مبكرة، نُشرت في 2009، أن ما يقرب من 9% من اللاعبين صغار السن مدمنون لألعابهم. يرى عدد من الخبراء أن النسبة زادت، فقد أصبحت ألعاب الفيديو أكثر تطورًا، وأكثر اجتماعية، وأكثر قابلية للتنقل، في المتناول، وبنفس درجة قرب الهاتف الذكي في حقيبتك أو جيبك.

يقول «كام أودير»، مؤسس «Game Quitters» (أحد منتديات الدعم على الإنترنت): «هناك تسونامي هائلة قادمة، ولسنا متأهبين لها». لكن بعض خبراء الصحة النفسية ما زالوا يصرون على أن الاضطراب الناجم عن اللعب ليس حالة مرضية قائمة بذاتها، وإنما يرَوْنه عرَضًا أو أثرًا جانبيًّا لحالات أكثر شيوعًا كالاكتئاب والقلق.
تقول «نانسي بيتري»، أستاذة علم النفس وخبيرة الإدمان بجامعة كونيتيكت: «لا علم لنا بكيفية علاج اضطراب اللعب، الحالة والظاهرة جديدتان تمامًا»

في آسيا، بؤرة الإدمان على ألعاب الفيديو، يوجد منذ أعوام مراكز إعادة تأهيل مُعدَّة لتحجيم سلوكيات اللعب المفرط.

يورد كاتب مقال النيويورك تايمز بعض الإجراءات الاحترازية التي فعَّلتها بعض الدول، حتى العنيفة منها، مثل كوريا الجنوبية التي تحجب ألعاب الإنترنت عن اللاعبين الصغار من منتصف الليل حتى السادسة صباحًا، وتدعم بعض عيادات علاج إدمان اللعب.

لكن من ناحية أخرى، ما زالت المشكلة قائمة، جزئيًّا بسبب عدم القدرة على التعامل معها، إذ يشكو اللاعبون المصابون بالإدمان على منتديات، مثل «StopGaming»، من استهزاء الأطباء النفسيين بحالتهم. ويُرجِع الخبراء ذلك إلى عدم وجود منظمة رسمية تحدد معايير العلاج، وتجيب الأسئلة.

كمراهق مكتئب ومضطرب، بعد تعرضه للتنمر، ترك «سام أدير» المدرسة، وتَسمَّر أمام ألعاب مثل «StarCraft» في الطابق السفلي بمنزل والديه في كالغاري بمقاطعة ألبرتا الكندية. أخبر والديه بأنه حصل على وظيفة، لكنه كان يتسلل عائدًا إلى المنزل ليلعب.

عندما حاول البحث عن المساعدة، لم يجد سوى القليل من المصادر.

كتب على الإنترنت عن الصراعات التي خاضها، وألقى لاحقًا حديثًا شهيرًا في مؤتمر«تيدكس». ويستقطب المنتدى الإلكتروني الذي أنشأه نحو ألف مشارك شهريًّا من 91 بلدًا، ويقترح أنشطة كالبرمجة واليوغا وغيرها، لتحل محل ألعاب الفيديو.

منظمة الصحة العالمية ليست الهيئة الصحية الوحيدة التي تحاول وضع تشخيص لإدمان ألعاب الفيديو، فقد سبق وأدرجت الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين «اضطراب ألعاب الإنترنت» في النسخة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر سنة 2013. لكن باعتبارها «حالة تحتاج إلى مزيد من الدراسة» لا تشخيصًا سريريًّا؛ كما جاء في تصنيف «WHO» الذي أثار جدلًا واسعًا.

حتى الآن، تشير الدراسات إلى أن الاضطراب الناجم عن اللعب لا يصيب إلا نسبة قليلة من الأشخاص الذين يمارسون أنشطة اللعب بالألعاب الرقمية أو ألعاب الفيديو.

ومع ذلك، ينبغي للأشخاص الذين يمارسون هذه الألعاب أن ينتبهوا إلى مقدار الوقت الذي يقضونه، لا سيما عندما يؤدي ذلك إلى استبعاد الأنشطة اليومية الأخرى، وأن ينتبهوا كذلك إلى أي تغيرات تطرأ على صحتهم البدنية أو النفسية أو على أدائهم الاجتماعي، يمكن أن تُعزى إلى نمط سلوكياتهم في اللعب.