إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

ألعاب الفيديو: فيروس أم علاج؟

الصورة: Getty/Chesnot

في ألعاب الفيديو، عندما تواجه في نهاية المطاف وحشًا قبيحًا، قد يمثل لك أكبر مخاوفك الداخلية، وإذا تمكنت من القضاء عليه، ستستعيد شجاعتك وراحتك النفسية وتمارس حياتك براحة أكثر وبشكل طبيعي خارج أبعاد العالم الافتراضي الذي تلعب بداخله لساعات طويلة.

هنا تتحول ألعاب الفيديو من مجرد وسائل للتسلية وتضييع الوقت والتنافس مع الأصدقاء إلى هدف أسمى، لا يقل أبدًا عن أي دواء يعالج مرضًا خبيثًا، أو جندي يحارب العدو ليحافظ على بلاده وأمنها واستقرارها.

ليست «مجرد لعبة»

لم تعد صناعة الألعاب تعتمد فقط على بعض الرسومات البسيطة ومشاهد العنف والقتل لتبهر اللاعبين، فالأمر تحول إلى شكل مختلف، تبني ثقافة وتقدم معلومة وتعكس رؤية، سواء عن فكرة أو فترة تاريخية لم يعشها اللاعب، وهناك ألعاب تهدف إلى تغيير بعض السلوكيات في حياتك، سواء إلى الأفضل أو الأسوأ.

المواقف التي تواجهها في بعض ألعاب الفيديو تشكل ضغطًا عصبيًّا يدعم قدراتك على التفكير والتخطيط وتحليل الأمور، وتجعلك تتوخى الحذر في اتخاذ القرارات.

لو حاولت أن تجتذب أطراف الحديث مع شاب في هذه الأيام عن الثورة الإيرانية، قد يَمل النقاش معك، لكن الأمر سيكون مختلفًا مع «نافيد خونساري»، مطور سلسلة ألعاب «Grand Theft Auto» الشهيرة، الذي سيجعلك تعيش ما رآه المصور الصحفي الشاب الإيراني «رازا شيرازي»، بطل لعبة «Revolution 1979»، فتساعد الثوار وتلتقط صورًا لممارسات النظام، كل ذلك وأنت تمر بأحداث تاريخية طويلة دون أن تشعر بالملل، لأنك لا تستقبل معلومات، وإنما تعيش تلك الحقبة التاريخية بنفسك.

وحين تحكي عن ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد الإرهاب، ستتذكر أول ما تتذكر سلسلة ألعاب «Call Of Duty»، التي قدمت درجة عالية من التحكم والواقعية في واجهة اللعبة، لتروي بشكل قريب من الحقيقة ما جرى في الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان.

كذلك، يمكنك أن تعود إلى ما قبل التاريخ مع لعبة «Assassin's’ Creed: Origins»، التي تروي قصة الصراع بين الملكة كليوباترا وأخيها بطليموس الثالث عشر على حكم مصر القديمة.

اقرأ أيضًا: لعبة «هذه الحرب حربي»: سيرة هؤلاء الذين رأوا كل شيء

أثبتت دراسة أجرتها مجموعة من الباحثين في جامعة روتشيستير الأمريكية أن المواقف التي تواجهها خلال اللعب تشكل ضغطًا عصبيًّا عليك، يدعم قدراتك على التفكير والتخطيط وتحليل الأمور بشكل سريع ولحظي، ويجعلك يتتوخى الحذر في اتخاذ القرارات المناسبة لتتخطى أزمات اللعبة.

أكدت الدراسة كذلك أن ألعاب الفيديو تساعد على صقل موهبة الكتابة لدى اللاعبين، فخلال أحداث اللعبة، نتابع بصورة آلية أحداث وتفاصيل القصة وسياقها، مما يكسبنا قدرةً على رواية الأحداث والتعبير عنها بشكل واضح ومرتب.

تُغيِّر الألعاب طبيعة بناء وتكوين مخك، وكذلك آلية عمله ومدى كفاءته، إذ جمع فريق من الباحثين أكثر من مئة دراسة أُجريت على تأثير ألعاب الفيديو على المخ، أثبتت أن لها تأثيرًا قويًّا على الانتباه، فاللاعبون قادرون على أن ينتبهوا بشكل أفضل من غيرهم، ويؤدون المهام التي تحتاج إلى تركيز عالٍ في التفاصيل والمعلومات البصرية الدقيقة.

إن كنت لاعب «فيديو غيمز»، ستلاحظ أن بإمكانك إنجاز أي مهمة تحتاج إلى تركيز، مثل ترتيب بعض المنتجات بشكل جيد يلفت الانتباه ويقدم معنًى معينًا، لأنك اعتدت داخل الألعاب أن تلاحظ الترتيب البصري للعناصر كي تتمكن من الفوز.

ألعاب «استراتيجية» حقًّا

الصورة: Samantha Whitehead

يعتمد الجيش الأمريكي على التدريبات الإلكترونية، وتستعين وزارة الدفاع بمطوري الألعاب لتصميم بيئات محاكاة للتدريبات العسكرية.

تتكلف الدول والحكومات مبالغ طائلة كميزانيات للجيوش، سواء للتسليح أو الإعداد والتدريب، لأن الجيوش بطبيعة الحال تقضي الوقت كله في التدريب والتجهيز لحالات الحرب والطوارئ، مما يتطلب وضع الجنود بشكل مستمر في مختلف الأوضاع الصعبة التي قد يمرون بها خلال الحروب، لذلك لجأت بعض الجيوش إلى التدريبات الإلكترونية وبيئات المحاكاة.

تعمل تلك التدريبات عن طريق وضع الجندي داخل لعبة فيديو أمام شاشة عملاقة، بحيث يُنمِّي قدراته على التصويب على الأهداف بمختلف أبعادها، وأيضًا لاختبار قدرته على الملاحظة الدقيقة.

كذلك، فكرة بيئات المحاكاة من أفضل أنواع التدريبات الإلكترونية، لأن الجندي يُوضع داخل موقف حقيقي على أرض المعركة لمعرفة أسلوبه في إدارة الموقف ورد فعله، وقياس حالته الجسدية والنفسية، كل ذلك عبر نظارة واقع افتراضي (VR)، فيبدأ الجندي المعركة وفي يده سلاح إلكتروني متصل بنظام إلكتروني، يحلل النتائج ويخرج بنقاط القوة والقصور لديه.

الجيش الأمريكي من أكثر جيوش العالم اعتمادًا على التدريبات الإلكترونية، فوزارة الدفاع هناك تستعين بشكل مستمر بمطوري الألعاب لتصميم متاهات وبيئات محاكاة وألعاب خصيصًا للتدريبات العسكرية.

على سبيل المثال، طوّر الجيش الأمريكي بمساعدة بعض التقنيين بندقية خاصة للعمل على جهاز الألعاب «Super Nintendo»، تقوم فكرته على بندقية إلكترونية متصلة بشاشة عملاقة، تختبر قدرات الجنود على التصويب دون الحاجة إلى الخروج إلى الأماكن المفتوحة وإهدار الذخيرة.

قد يعجبك أيضًا: هل تهدد ألعاب الواقع الافتراضي مجتمعاتنا؟

وطوّرت شركة «Raytheon» تجربة تفاعلية عملاقة باسم «VIRTISM»، وهي عبارة عن غرفة كبيرة بحجم ملعب كرة سلة تنتشر بها عشرات من مستشعرات الحركة، تتتبع وتقرأ حركة أجسام الجنود داخل الغرفة.

يرتدي الجنود جميعًا نظارات «VR» ويحملون أسلحة إلكترونية، ويُكلّفون بمهمة اقتحام أو إنقاذ رهائن أو مهاجمة عدو، أو احتمالات أخرى كثيرة تُنفّذ في بيئة افتراضية، ويمكن التحكم فيها وعرضها لجميع المتدربين الموجودين داخل الغرفة في وقت واحد. بالتالي، في كل مرة يدخل الجنود إلى الغرفة ستكون هناك تجربة جديدة في انتظارهم، مما يُنمِّي مهاراتهم بشكل سريع.

في عام 2007، حين عندما أعلن رئيس الولايات المتحدة الأسبق جورج بوش الابن إرسال مزيد من القوات إلى العراق لإحكام السيطرة على بغداد والأنبار، تدرب هؤلاء على التعامل مع العراقيين عبر بيئة افتراضية تسمى «Tactical Iraqi»، تعلموا عن طريقها فهم لغة العراقيين وتعبيراتهم وطبيعة معتقداتهم وخلفياتهم الثقافية، ليسهل عليهم التعامل معهم.

علاج للمرضى.. ليست مضيعةً للوقت

في دراسة أجرتها جامعة مكاري الأسترالية، خضع 31 رجلًا تتراوح أعمارهم بين 18 و65 عامًا، مصابون باضطرابات دماغية، لبرنامج تأهيلي مدته ثمانية أسابيع، مارسوا فيه مجموعة من ألعاب «الأكشن» وتعلموا مهارات التعامل معها، بهدف تنمية مهارات التركيز والانتباه لديهم، والنتيجة أنهم صارت لديهم قدرة أكبر على التركيز وتنشيط خلاياهم الدماغية الخاصة بالحركة، وأصبحوا أكثر نشاطًا.

الأبحاث التي تُظهر الوجه الحسن لألعاب الفيديو لن تغير وجهها القبيح، مثل تقديمها أفكارًا عنيفة وصورة غير لائقة للمرأة.

أشار عديد من الباحثين إلى أن ألعاب الفيديو هي أحد أهم العوامل القادرة على تنشيط المهارات العقلية مهما كانت الألعاب بسيطة، فحين تبدأ اللعب، يعمل عقلك على تحليل اللعبة ومجرياتها لمعرفة أفضل طُرق الفوز. وأثبتت دراسة أجريت على مجموعة من محترفي ألعاب المغامرات، بعد تحليل طبيعة تكوين أمخاخهم ومقارنتها بمجموعة من اللاعبين المبتدئين، أن تركيب المخ لدى المحترفين يتمتع بقدرة أكبر على التذكر والإدراك، نتيجة ارتفاع نسبة المادة الرمادية في المخ مقارنةً بالمبتدئين.

اقرأ أيضًا: ليعلم محبو «الغيمز» أن في البدء كان «الأتاري»

بساطة اللعبة لا تعني أنها لا تؤثر في مخك، فقد أثبتت دراسة بحثية أن لعبة «سوبر ماريو» تساعد على تقوية الذاكرة ومهارات الكلام والحركة والتخطيط واتخاذ القرارات.

تضمنت الدراسة عينة بحثية مارست لعبة «Super Mario 64» لمدة 30 دقيقة يوميًّا طَوَال شهرين، وبعد ذلك أجرى الباحثون صورة رنين مغناطيسي على المخ، فوجدوا زيادة في حجم المادة الرمادية وتمددًا في مناطق الفص الأمامي المسؤولة عن التخطيط، وكذلك في المنطقة المسؤولة عن الذاكرة والمشاعر، بالإضافة إلى الجانب المسؤول عن النظام العصبي والحركي للجسم.

ألعاب الفيديو: الجانب الشرير

كل ما ذكرناه لن يغير أبدًا من الوجه القبيح لألعاب الفيديو، التي تسببت في زرع أفكار عنيفة في نفوس اللاعبين وخصوصا الأطفال، وكذلك قدمت صورة غير لائقة للنساء مثل لعبة «Grand Auto Theft V»، التي تُظهر المرأة بصورة جنسية ويمكن شراؤها، وبمقدورك أن تختار بين أن تعاشرها أو تقتلها.

العنف هو أحد الآثار الجانبية السلبية لألعاب الفيديو، فمئات الألعاب التي تصدر سنويًّا تعتمد بشكل كبير على القتل والدماء وإطلاق الأعيرة النارية من أسلحة ثقيلة على شخصيات اللعبة الأخرى، وذلك ينعكس على تصرفات اللاعبين، فيصبحون أكثر عدوانية، خصوصًا إذا كانوا مراهقين ولا تزال شخصياتهم في طور النمو والتشكل.

«مارك أبيلبوم»، عضو الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، أكد أن الجمعية أثبتت وجود علاقة قوية بين ألعاب الفيديو والسلوكيات العنيفة على أرض الواقع، عن طريق دراسة 300 لعبة صدرت بين عامي 2005 و2013، وتأثير مَشاهد العنف التي تحتويها في الصورة الذهنية لطريقة التعامل المفضلة لدى اللاعبين مع مَن حولهم.

اقرأ أيضًا: تاريخ ألعاب الفيديو: كيف تطورت وحدات التحكم عبر التاريخ؟

كيف سيكون مستقبل الألعاب؟

قد تتطور سوق الألعاب بشكل كبير خلال السنوات العشر المقبلة، فهناك بوادر تشير إلى نمو وسيطرة الهاتف الذكي على اهتمام مطوري الألعاب بشكل كبير، خصوصًا مع اقتحام بعض عمالقة صناعة الألعاب، مثل «Nintendo» و«Capcom»، عالم الألعاب على الموبايل.

يدعم ذلك تطور تقنيات الهواتف الذكية وازدهار سوق الواقع المعزز (Augmented Reality)، فلعبة «Pokemon Go» تمكنت من لفت أنظار العالم كله خلال 2016 رغم لم تكن سوى بداية «نينتندو» مع الموبايل، ومن ثَمّ خطت الشركة الخطوة الثانية مع لعبة «Super Mario: Run».

وقد يكون للهاتف الذكي وتقنيات الواقع المعزز دور مهم في تحويل ألعاب الفيديو إلى وسيلة للتواصل الاجتماعي كذلك، لأنك حينها لن تنعزل عن العالم، فالواقع المعزز يعني إثراء العالم المحيط بك بمعلومات وعناصر بصرية إضافية جذابة، مع قدرتك على التواصل مع من حولك، وبالتالي ستشجع تلك التقنية المطورين على ابتكار وتطوير ألعاب تهدف إلى تفاعل المستخدمين في نفس المكان معًا داخل سياق الألعاب، وبالتالي سيقضون وقتًا ممتعًا على أجهزتهم وهواتفهم الذكية، وكذلك ستنشأ بينهم علاقات اجتماعية قوية.