اسأل روحك

صنوف التجربة الدينية: كيف تؤثر الأديان في شخصية الإنسان؟

الصورة: Laportechicago

تخيل أن تستيقظ يومًا لتجد أن كل المعالم الدينية اختفت من فوق سطح الأرض: زالت دور العبادة وكل ما يتعلق بالدين، اختفت الكتب المقدسة والملابس والرموز ورجال الدين أنفسهم، كل شيء تلاشى وكأنه لم يكن موجودًا ذات يوم.

دعنا نطرح سؤالًا الآن: هل يتبقى لنا خبرات دينية دون هذه الرموز؟

بالنسبة إلى «ويليام جيمس»، والد البراغماتية ومؤلف كتاب «The Varieties of Religious Experience» (صنوف التجربة الدينية)، فإن الإجابة ستكون نعم.

خلال صفحات كتابه يكشف جيمس قيمة التجربة الدينية في حياة الإنسان، ويقدم دراسة نقدية للدين نابعةً من إيمانه بأن الدين يمكن أن يغير تفكير كثير من البشر، وأن التجارب الدينية قد تكون شفاء للعقل والروح.

التجارب الدينية، ببساطة، تجربة إنسانية يمكنها تغيير وجهات نظر البشر.

صنوف التجربة الدينية

الصورة: pxhere

الكتاب عبارة عن تجميع لسلسلة من المحاضرات التي ألقاها ويليام جيمس بين عامي 1901 و1902، ويُعد كشفًا في عمق التجربة الإنسانية مع الدين، وكيف أن المقاربة الشخصية الدينية يمكن أن تحمل فائدة كبيرة للإنسان.

جيمس طبيب وفيلسوف وعالم نفس أمريكي عاش بين 1842 و1910، وعدَّه كثيرون والد علم النفس الأمريكي، وكان شخصية بارزة في عالم البراغماتية، وعمل على تطوير الراديكالية التجريبية، وكتب عام 1907 أطروحته عن البراغماتية التي تتشارك في كثير من الأفكار مع الكتاب الذي نتناوله هنا.

قد يهمك أيضًا: هكذا وجد العلماء الله في مخ الإنسان

يعتمد الكتاب على ثلاث نقاط رئيسية:

  • الدين نوعان: مؤسسي وشخصي، والأخير أساس الخبرة الدينية

يقتضي «الدين المؤسسي» (نسبةً إلى مؤسسات الدين) وجود أنظمة مشاركة دينية من خلال طقوس وشعائر جماعية، وتكون نتيجة الثقافة السائدة في تلك البيئة. فمثلًا، إقامة صلاة عند الجنازة أمر متوقَّع كجزء من عُرف اجتماعي.

في المقابل، يمثل «الدين الشخصي» مصدر معتقداتنا، ويوظف هذه المعتقدات على أنها حقائق ثابتة، ولا يتمحور بالضرورة حول إله أو آلهة، فالملحد لا يؤمن بالآلهة، والإيمان بالعلم وحده يمكن أن يُعد دينًا شخصيًّا من نوع ما.

لكن ألَا يكون الدين الشخصي بذلك مشابهًا للأخلاق والمبادئ والفلسفة؟

ليس تمامًا، فالدين يختلف عن الأخلاق أيضًا، لأن الأخيرة نتاج تفكير منطقي دون استخدام العواطف. ويتضح ذلك لدى مقارنة كيفية مواجهة المسيحيين والرواقيين (أتباع الفلسفة الرواقية) لتحديات الحياة، فالمسيحي المؤمن يرى أن المصاعب التي يتعرض لها امتحان إلهي، ولذلك يتقبَّلها بكل سرور، في حين يتعامل الرواقي الأخلاقي مع المشكلات دون تذمر، لكنه لا يرى أن هناك غاية من ورائها.

حاول الفلاسفة إثبات وجود الله باستخدام الفلسفة، لكن هذا النقاش المجرد في الدين باستخدام لغة فلسفية ليس له تأثير عملي، ما يجعل هذه النقاشات دون معنى.

  • يمكن أن يتجدد إيمانك مرة أو مرتين، وهذا يرتبط بمدى سعادتك

يعتقد جيمس أن البشر يحققون سلامة الذهن بطرق مختلفة، وما يصلح لهم يعتمد على ما إذا كانوا قد وُلدوا مرة أو مرتين (الولادة هنا تعني أن يتجدد إيمان الإنسان أو تتجدد حياته في ما يشبه الصحوة الإيمانية أو الإنسانية)، فالذين وُلدوا مرة واحدة يمتازون بصفاء السريرة، ويتمتعون بذهن سليم بطبيعتهم، وهم ببساطة لا يرون الشر في العالم، لذا لا يجدون سببًا يمنعهم عن الشعور بالسعادة. أما الذين وُلدوا مرتين فينقسمون إلى أخيار وأشرار، ولكي يحققوا سلامة الذهن، يتطلب ذلك منهم تحدي الأجزاء السلبية من العالم، إما برفضها، وإما بتجاوزها أو تجاهلها.

وبينما ينتمي بعضنا إلى المجموعة الأولى، وهم أصحاب النفوس المطمئنة وسليمو الذهن، فإن معظم البشر ينتمون إلى المجموعة الثانية التي يجب عليها تبنِّي سلامة الذهن كوجهة نظر للحياة. وذلك مكسب ثمين، فكثير من الأمراض الجسدية يمكن أن يُشفَى بذلك. ولكي يتمكن هؤلاء من الاقتراب من سلامة التفكير، عليهم خوض تجربة دينية.

  • يقترح جيمس تحويل اللاهوت إلى دراسة نقدية وعلمية للدين

ترتكز الفلسفة الدينية أو اللاهوت على أعمق شعور بالتجربة الدينية، والسعي تاريخيًّا لإثبات وجود الإله. ويمكن عبر الفلسفة الدينية ترجمة هذه المشاعر العميقة تجاه الأشياء غير المحسوسة.

حاول الفلاسفة السكولاستيين (فلسفة لاهوتية ذات عقيدة مسيحية ظهرت في العصور الأوروبية الوسطى) أمثال «توماس أكويناس» إثبات وجود الله باستخدام الفلسفة، عن طريق صياغة بيانات فكرية تدعم إيمانهم بأن الله خالق العالم. لكن هذا النقاش اللاهوتي المجرد في الدين باستخدام لغة فلسفية ليس له تأثير عملي على المؤمنين، ما يجعل هذه النقاشات، بحسب جيمس، دون معنى.

الأجدى، وفقًا له، العمل على دراسة نقدية للدين، لأن ذلك سيُسهم في التخلص من الأفكار الدينية التي أثبت العلم عدم منطقيتها، والتخلص كذلك من المغالطات الفردية والتاريخية حول الدين.

ما معنى القداسة؟

الصورة: sasint

يتغير معنى القداسة بمرور الزمن واختلاف الوعي الثقافي. وبمراجعة صفات القدسية التقليدية من منظور حديث، سنرى أن الصفات التي تؤهل القديس تتطور أيضًا.

ينظر الناس إلى القديسين على أنهم بشر ترفَّعوا عن كل متطلبات الجسد واهتموا بتغذية الروح، فهم يتصفون بالزهد في متاع الحياة، ويجدون لذة السعادة في العيش البسيط والتضحية لأجل الآخرين، ويملكون قوة الروح التي تمنحهم شعورًا بالطمأنينة والسكينة، فيغيب عنهم القلق وتزول المخاوف.

ومن صفاتهم أيضًا النقاء، فسعيهم إلى تجنب المثيرات الحسية يجعلهم يفضلون العزلة، إضافةً إلى أن القديس يمتلك قلبًا حانيًا يتسع للجميع، فيسعى لفعل الخير وتقديم المساعدة إلى المحتاجين.

تتجسد الصفات السابقة في «فرنسيس الأسيزي»، الذي اختار لحياته طريق الزهد وكرس نفسه لمساعدة مرضى الجذام الذين ينفر منهم الناس، دون أن يخشى الإصابة بالعدوى.

لكن معنى القداسة يتغير بمرور الزمن واختلاف الوعي الثقافي. وبمراجعة صفات القدسية التقليدية من منظور حديث، سنرى أن الصفات التي تؤهل القديس لاكتساب هذه المرتبة تتطور أيضًا.

لم يعد فرط الطهارة فضيلة عالية في عدد من الثقافات، فالأخلاقية الحديثة تضع مد يد العون للآخرين وفعل الخير في المقدمة أيضًا، في حين فقدت العزلة والتنسك أهميتهما. ولا بد لفعل الخير أن يكون مدروسًا، فالعطف على الأعداء قد يجلب المخاطر. أما الزهد، فيستدعي إلى أذهاننا صور الرهبان الفقراء يمشون حفاة ويقتاتون على هبات الطعام، لكن جيمس يعتقد أن الفقر مثالي لتعليمنا درسًا مهمًّا في العصر المادي الذي نعيشه.

قد يهمك أيضًا: 6 اختلافات أساسية بين الدين والروحانيّة

الصورة: maxpixel

إن كنت ستتذكر أمرًا واحدًا من الكتاب، فليكن ما يلي:

لا تحتاج التجارب الدينية إلى أن تُحصَر ضمن حدود الدين المؤسسي، فهي تجارب شخصية وفريدة، ولا تحتاج لعقيدة معينة. ويمكن أن يكون الدين الشخصي أمرًا كفضيلة الالتزام بالحقيقة، فكلٌّ منا يستطيع أن يتعلم من التجارب الدينية، وأن يدرس الدين كله دراسةً نقدية.

, , , , , , , , ,