المنظومة

في رحاب الليبرالية: هل ماتت الأيديولوجيا؟

الصورة: pixnio

إنه أشبه بشعار العصر، شعار النخبة المثقفة في كل مكان: «موت الأنساق الكبرى» أو موت الأيديولوجيا، ويعني ذلك انتهاء صلاحية مجموعة من المذاهب التي تحاول تفسير/تغيير العالم بشكل جذري. فالعالم، وفقًا لذلك التصور، لم يعد كُلًا متناسقًا يمكننا تفسيره عن طريق نظرية مثل الماركسية.

كل شيء يبدو مفككًا ولا يمكن فهمه ككل، لأن العالم نفسه أجزاء متناثرة وغير مترابطة، ما يعني أن التاريخ وحركته لا تعبر عن سير معين موجهًا كما افترضت الهيغلية والماركسية من قبل. 

وعلى قدر ما يبدو هذا الادعاء مستهلكًا، فإنه لا يزال يحصد كثيرًا من الأصوات في التجمعات الثقافية، حيث الليبرالية جذابة، غير شمولية، وهي موضة العصر كذلك. الليبرالية بشتى أشكالها، سواء كانت الليبرالية بشكلها التقدمي اليساري التي تدافع عن الأقليات الجنسية/العرقية/الدينية وتأخذهم كخط دفاعها الأول، وذلك بعد تقسيمهم إلى هويات صغيرة كل واحدة تدافع عن مجموعة من القضايا التي تعنيها، أو الليبرالية الكلاسيكية، ليبرالية الطبقة البرجوازية التي تدافع بشكل ما عن امتيازات طبقة على طبقة أخرى. هذان الشكلان لليبرالية هما ما يسودان الأكاديمية في الغرب والشرق، وعلى هامشهما تجد ماركسيين وإسلاميين وبعضًا من بعد الحداثيين. 

مع الإشارة إلى أن كثيرًا ممن ينتمون إلى الليبرالية التقدمية هم في الأساس مثليين، وسود، ونساء، ولذلك ظهورهم في الوطن العربي يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي، والغرف الثقافية المغلقة أكثر من شاشات التلفاز التي لا تزال تعبر عن خطاب الدولة. 

ولأنني لا أتحدث عن الحالة العربية خصوصًا، فسأضعها جانبًا وأتساءل سؤالًا عامًا: هل ماتت الأيديولوجيا فعلًا؟ وهل الليبرالية بشقيها لا تمثل أيديولوجية تعبر عن نسق شمولي؟

الظاهر والمتخفي

يستخدم سلافوي جيجك في محاكاة شكل الأيديولوجيا مثالًا طريفًا، فالأيديولوجيا كانت تتمثل في رئيس العمل الشديد، الذي يعامل عماله بطريقة استعلائية ويذكرهم دومًا بأنهم عمال أقل درجة منه، ويطلب منهم أداء مهامهم بشكل فظ. أما الأيديولوجيا حاليًا فهي متخفية، تأتي مواربةً لا بشكل مباشر، فتظهر على شكل مدير عمل شاب، صديق لكل العمال أو الموظفين، ودود معهم جدًا، لكنه يعطي موظفيه نفس الأشغال التي يعطيها رئيس العمل التقليدي، وبنفس المرتب كذلك.

بإمكانك استبدال شخصية مثل ستالين برئيس العمل الأول: يقف مخاطبًا الجماهير ويدعوهم إلى الثبات أو الصمود لأن فجر الشيوعية قادم، والعمال سيعيدون بناء العالم في مفاهيم جديدة، وبقوى وموازين منقلبة. 

الآن لا يوجد أيٌّ من ذلك، لا شيء سينتصر، لأنه لا توجد أي معركة كبرى من الأصل. الحاكم الاستبدادي، أحد أشكال الأيديولوجيا الشمولية، غير موجود لأن الانتخابات تجري كل أربعة أعوام، صلاحيات الرئيس مخفضة، الناس لا تحاكَم على شتم أو إهانة ترامب مثلًا، ولا أحد يمنعك من انتقاد الرأسمالية داخل البيت الأبيض ذاته. 

حسن، دعنا نبدأ بادعاء بسيط: كل الادعاءات السابقة تشكل ظاهريًا مواقف صالحة وحقيقية، لكنها باطلة تمامًا.

الأيديولوجيا الآن تعمل بشكل أقل ظهورًا، لكن أكثر تأثيرًا وسيطرة. فالأيديولوجيا الظاهرة تعمل بشكل واضح لانتزاع حرية الأفراد ووضع مزيد من القيود عليهم، أما الآن فإنها تؤكد أنك بإمكانك فعل أي شيء تريده، أنت حر في أن تمتلك ما تشاء، حرية أن تقول/تبيع/تشتري ما تشاء، وتغدو حريتك الشخصية أهم من أي التزام تجاه أي جماعة.

تغيير أطراف الصراع 

الصورة: pxhere

تفكيك الأيديولوجيا في ذلك يكون على مستويين: 

الأول: قراءة مفاهيمية للواقع الجاري تؤكد أن الليبرالية تمثل الآن رؤية هيغلية قديمة، تدَّعي أن التاريخ يتحرك بقوانين ما إلى الأمام، أن العقل والحرية والوعي يخطون خطوة إلى الأمام في كل حركة للتاريخ. حتى فوكاياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» كان يعلن انتهاء الأيديولوجيات الشمولية وانتصار الليبرالية، التي هي سردية هيغل الكبرى.

لذا لا يمكن فهم هذا الدفاع المستميت عن كل حرية جديدة، عن كل تحرر لهوية ما، إلا برؤية أن حركة التاريخ هذه غير عشوائية، وتمثل معنى ما. الحرية هنا هي المعنى والهدف، وأي شيء خارج نطاق الحرية، كمصلحة الجماعة مثلًا، لا يوضع له أي اعتبار. وهذه بالضرورة أيديولوجية، لكن الفرق أنها تتمسك بعنوان براق مثل الحرية. 

اختلفت طبيعة الصراع، فبدلًا من صراع الطبقات هناك صراع جندري، وبدلًا من صراع الأضداد هناك صراع المعرفة والسلطة. 

هناك جانب ليبرالي تقدمي آخر لا يريد مزيدًا من الحرية للأفراد فقط، بل وقلب موازين القوى بشكل مشابه لذاك الذي وقف ستالين ودافع عنه في خطابه الجماهيري منذ أكثر من 80 عامًا. هنا الليبرالية التقدمية أحلَّت الهويات الصغرى محل البروليتارية الشيوعية، فبدلًا من قوى اقتصادية برجوازية تسقط وتحل محلها البروليتاريا، تتبدل هويات اجتماعية تقليدية: رجل، أبيض، مغاير، مسيحي، إلى هويات أخرى: امرأة، أسود، مثلي، مسلم. وهذه سردية أخرى كبرى لا تختلف عن السردية الماركسية إلا بتغيير العامل الاجتماعي محل الاقتصادي، وتغيير أطراف الصراع نتيجةً لذلك.

تتمثل محاولة ترجيح كفة المضطهَد على المضطهِد بزيادة التمثيل السياسي للنساء عن الرجال، ولم ينجح ذلك بشكل كامل بعد، لكن مظاهره بدأت تتشكل، مثلًا في تشكيل حكومة إسبانية عام 2018 يزيد عدد النساء فيها عن الرجال، وكذلك في تفضيل ترشيح أفلام للأوسكار تعبر عن المثليين أو أبطالها أجانب غير أمريكيين.

المسألة أن طبيعة الصراع قد اختلفت، فبدلًا من صراع الطبقات هناك صراع جندري، وبدلًا من صراع الأضداد هناك صراع المعرفة والسلطة. 

المستوى الثاني من تفكيك الأيديولوجيا المخفية في الليبرالية يكمن في السوق الحر الرأسمالي، ولا تحتاج هذه النقطة إلا وضع النقاط على الحروف، فالرأسمالية التي ادعت أن السوق الحر يمكِّن أي فرد من الانتقال من طبقة فقيرة إلى أخرى عليا عن طريق التنافس الحر، وأن الأفراد قادرين على تطوير أنفسهم فقط، أخفت أن هناك الكثير من العوامل التي تقف في طريق الفرد ليتحرك من طبقته، أبسطها وأصعبها عدم قدرتك على تلقي تعليم في أحسن الجامعات في أي بلد يتحدث الإنجليزية، إن لم تنتمِ أصلًا إلى عائلة غنية قادرة على مساعدتك. 

جانب آخر في الرأسمالية يمثل أكبر أشكال الأيديولوجية في الرأسمالية، ألا وهو الاستهلاك. ويُظهر هذا أكذوبة كل تلك الشعارات التي تحدثك عن حرية الاستهلاك، في الوقت الذي تصدح فيه إعلانات شوارع المدن الكبرى بالمنتجات. الفرد هنا غير حر، والإعلانات تحاصره في كل مكان ليشتري هذا، ويستمتع في هذا، والحياة كلها تغدو دون معنى من غير هذه السلعة.

ليس هذا انتهاءً للأيديولوجية، فنحن مغرَقون بها في كل جوانب حياتنا، بكل السلع التي نبتاعها ونحن لسنا بحاجة لها، لكن الأمر أن شكل أيديولوجيا القرن العشرين سيختلف بالطبع عن شكلها في القرن الحادي والعشرين، وما يجعل هذه الأيديولوجيا حية هو قدرتها على إدامة الكذبة بكونها لا تمثل أي رؤية شمولية للعالم، وأنها تدعي تحرير الأفراد ليتصرفوا على وفق «طبيعتهم البشرية»، التي نكتشف في النهاية أنها لا تعني سوى الاستهلاك الفيتشي للسلع.