بيزنس إز بيزنس

دليل فِرق حل المشكلات لحل المشكلات

الصورة: Getty\Thomas Barwick 

تخيل أنك تحضر اجتماعًا مهمًّا يجلس فيه 12 فردًا يبحثون عن حل مشكلة معقدة تواجه فريقكم. يبدو أن الأمور تسير بسلاسة، إلا أن الجلسة تتوقف فجأة، ويسود الصمت غرفة الاجتماعات، فلا أحد لديه فكرة عما ينبغي عمله.

في هذه الأثناء يقول أحدهم فجأة: «أعتقد أنني أعرف ما ينبغي علينا فعله»، ويبدأ في طرح فكرته على زملائه، لكنه يجد فيها ثغرة ما وهو يطرح الفكرة، ويبدو للجميع أنه لم يفكر فيها بما فيه الكفاية. يخيم الصمت على المكان، ويصاب الفريق بخيبة أمل جديدة. تتبخر ثقة الزميل في الهواء، لكنه رغم هذا تعلم درسًا مهمًّا، فهو لن يشارك في أي حديث مرة أخرى، وسيحتفظ بأفكاره لنفسه. ما الذي يحدث بالضبط؟

في المقالة التي نشرتها «Harvard Business Review»، يلفت الباحثان «أليسون رينولدز» و«ديفيد لويس» النظر إلى أن الفِرَق التي تتميز بمستويات عالية من التنوع المعرفي تؤدي على نحو أفضل في مثل هذه الأنواع من التحديات. وتتميز هذه المجموعات بمزيج من السلوكيات المختلفة لحل المشكلات، مثل التعاون، وتحديد المشكلات، وتطبيق التعليمات، والانضباط، وخرق القواعد، وابتكار أساليب جديدة. فهذه التقنيات مجتمعة أكثر فعالية من المجموعات التي يوجد بها كثير من كسر القواعد بصورة دائمة، أو التشدد والمبالغة في الحفاظ على الانضباط على سبيل المثال.

الخوف العلني من الإحراج

الصورة: robinsonk26

يخبرنا الباحثان أن أداء الفريق الذي تحدثنا عنه في البداية، بجانب غيره من الفرق، يكون عادة في مرتبة ضعيفة. فالسمة الأساسية هنا هي ضعف المشاركة، والتردد في مشاركتها، لأن بيئة العمل لا تسمح بهذا النوع من الحديث. فالزميل الذي شعر بالحرج بعد مشاركة فكرة لم تكن بنفس جودتها حينما كانت في دماغه، لن يشارك مرة أخرى بأي أفكار مخافة الإحراج العلني. يمكننا أن نتخيل كم من أفكار جيدة ستموت في رأسه دون مشاركة.

أما المجموعات التي أبلت بلاءً حسنًا، فيعود ذلك إلى فضولها وتحملها المسؤولية المشتركة عن النتائج، ما يعني أن أفراد هذه المجموعات يستطيعون التعبير عن أنفسهم وأفكارهم دون خوف من العقاب الاجتماعي، فقد خلقوا بيئة تتميز بالسلامة النفسية من خلال تفاعلهم.

القدرة على التكيف مترابطة للغاية بمستويات عالية من التنوع المعرفي والسلامة النفسية.

اقرأ أيضًا: سجن العمل: كيف تحولت حياتنا إلى عبء لا يحتمل؟

مثلما يوضح الباحثان، فالسلامة النفسية هي الاعتقاد بأن المرء لن يُعاقَب أو يُهان بسبب التحدث عن أفكار أو أسئلة أو مخاوف أو أخطاء. إنها خاصية ديناميكية ناشئة عن التفاعل، ويمكن تدميرها في لحظة مع تنهيدة في توقيت سيئ. ومن دون السلوكيات التي تخلق مستوى ما من السلامة النفسية في المجموعة وتحافظ عليه، لا يؤدي الناس بشكل أفضل. وعندما لا يفعلون ذلك، تضيع قيمة التنوع المعرفي وقوته. وإضافة إلى ذلك، يبرز القلق ويسود السلوك الدفاعي.

كيف تتحقق السلامة النفسية إذًا في مجموعة متنوعة معرفيًّا؟

الفرق المتنوعة معرفيًّا ناجحة في حل المشكلات

على مدار 12 شهرًا، سأل الباحثان 150 شخصًا من كبار التنفيذيين من مختلف المنظمات في جميع أنحاء العالم لتقييم مؤسساتهم في ما يتعلق بالتنوع المعرفي والسلامة النفسية، ومدى اقتناعهم بأن منظمتهم قادرة على توقع التحديات والفرص والاستجابة لها، أي القدرة على التكيف.

يوضح الباحثان أنه ليس من المستغرب أن تكون القدرة على التكيف مترابطة للغاية بمستويات عالية من التنوع المعرفي والسلامة النفسية. وقد وصفا هذه المنظمات بـ«المنتِجة»، ووصفا المنظمات الأسوأ أداءً بـ«المعارضة» (تنوع عالٍ، وسلامة منخفضة)، و«المتحدة» (تنوع منخفض، وسلامة عالية)، و«الدفاعية» (منخفضة في كليهما).

تغيب عن المجموعات المنتجة الكلمات المرتبطة بالتحكم والقيود والمشاعر السلبية.

كذلك، طلب الباحثان من المديرين التنفيذيين اختيار خمس كلمات من قائمة تضم أكثر من 60 اسمًا، توضح أفضل وصف للسلوكيات والعواطف السائدة في مؤسستهم، لتحديد السلوكيات التي ترتبط بأفضل المجموعات وأكثرها أداءً، وقارنا الكلمات المختارة بمستويات الأمان النفسي والتنوع المعرفي.

في الفريق المنتِج نجد السلوكيات المرتبطة بالتعلم والتجارب والثقة، تسهل التفاعل عالي الجودة. ومن المثير للاهتمام أن «القوة» تظهر هنا أيضًا، مما يبدو للوهلة الأولى مفاجئًا. واستكشافًا لذلك، كان المشاركون يختارون التعبير الحازم والتحليل القوي للأفكار. لذلك يوضح الباحثان أن «القوة» ترتبط بالثقة للاستمرار في التعبير عن رأيك بالأمر. وتشجع البيئات الآمنة نفسيًّا على هذا النوع من الصراحة دون أن يُنظَر إليها على أنها عدوانية.

على النقيض من ذلك، وجد الباحثان في المجموعات الأخرى كلمات مرتبطة بالتحكم والقيود ومزيد من المشاعر السلبية أيضًا، وهذه السلوكيات غائبة بشكل واضح عن المجموعة المنتجة.

اقرأ أيضًا: المكتب المفتوح: لعنة أصابت الموظفين

الفضول دائمًا نقطة إيجابية

الصورة: Link Humans

يشير الباحثان إلى أننا بحاجة إلى أن نُكثر من الفضول والاستفسارات والتجريب والرعاية، ونتوقف عن التراتبية والتوجيهية والتحكم ومحاولة المواءمة. ويوضحان أنه مثلما من المهم وجود السلوكيات الإيجابية في المجموعة المنتجة، فمن الضروري أيضًا تلافي السلوكيات السلبية.

على سبيل المثال، السلوك الهرمي واحد من أكثر خمسة سلوكيات مهيمنة لنحو 40% من الوقت في المجموعات الأخرى غير المنتجة. ويشير الباحثان إلى استخدام نحو 15% من الوقت فقط في المجموعة المنتجة. لكن لا يرجع هذا إلى أن المنظمات في المجموعات المنتجة لها هيكل أكثر اتساقًا، فالتسلسل الهرمي هو حقيقة الحياة التنظيمية، مثلما يوضح الباحثان.

بينما نرى أن السيطرة تشغل نحو 33% من الوقت في المجموعات غير المنتجة، مقارنةً بـ10% فقط في المجموعات المنتجة. وكذلك نرى السلوك التوجيهي سائدًا لنحو 24% من الوقت في المجموعات غير المنتجة، مقارنةً بنسبة 5% فقط في المجموعات المنتجة.

يشير الباحثان إلى أن الفشل في بناء تفاعل عالي الجودة يؤدي إلى خسارة فائدة الحوار بين الأشخاص الذين يرون الأشياء بشكل مختلف. والنتيجة هي عدم وجود فهم عميق، وخيارات إبداعية أقل، وتقلص الالتزام بالعمل، وزيادة القلق والمقاومة، وخفض الروح المعنوية والرفاهية.

البيئة الآمنة نفسيًّا تشجع التنوع المعرفي، وتجمع العقول المختلفة في العمل على مدار الرحلة الصعبة والمضطربة لتنفيذ الاستراتيجية.

يختم الباحثان المقال بالإشارة إلى أن الكيفية التي يختار الناس بها التصرف تحدد نوعية التفاعل والثقافة الناشئة، فالقادة يحتاجون إلى التفكير، ليس فقط في كيفية التصرف، بل في كيفية عدم التصرف، وأهمية ذلك. إنهم بحاجة إلى قلقلة أنماط السلوك غير المفيدة وتعطيلها، والالتزام بتأسيس روتينات جديدة.

لإرساء الأرضية بهدف التنفيذ الناجح، يحتاج الجميع إلى تعزيز السلامة النفسية والحفاظ عليها، عن طريق الإيماءات والإجابات المستمرة. لا يستطيع الناس التعبير عن اختلافهم المعرفي إذا كان من غير الآمن فعل ذلك. إذا ركز القادة على تعزيز جودة التفاعل في فرقهم، سيتبع ذلك أداء الأعمال والرفاهية.