إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

لماذا تُشعرنا النقطة في نهاية الرسائل بأن كاتبها غاضب؟

الصورة: osecours

اعتمادنا على الهواتف الذكية في التواصل مع الآخرين ربما يمتد أثره إلى قواعد استخدام علامات الترقيم. ففي الرسائل النصية التي نتبادلها عبر واتساب وغيره من التطبيقات، لم يعد استخدام «النقطة» عصريًّا في نظر بعض الناس، بينما يرى آخرون أن استخدامها يعبر عن الغضب أو الفتور.

صارت اللغة المكتوبة أكثر مرونة، وهناك قواعد أسلوبية تخص تبادل الرسائل النصية دون غيرها. وليس التغيير الذي طرأ على استخدام النقطة سوى مثال على هذا التغيير، الذي يفتح الباب أمام فرص جديدة للتفاعل عبر اللغة المكتوبة.

فكما أن لنا أسلوبًا في الكلام يختلف تبعًا لاختلاف المواقف، فإن لنا أساليب في الكتابة تختلف باختلاف السياق، وهذا ما يستكشفه مقال نُشِرَ على موقع «Quartz».

لا داعي للنقطة في حديثنا الموصول

رغم أن استخدام النقطة في رسالة نصية ما زال يعني نهاية الجملة المكتوبة، فإن كثيرًا من الأشخاص يحذفونها من رسائلهم، وبخاصة لو كانت الرسالة مكونة من جملة واحدة. هذا النزوع إلى ترك النقطة أثَّر في فهمنا لاستخدامها.

ولأن تبادل الرسائل النصية حوار يتضمن أخذًا وردًّا، فإننا نستخدم أدوات لحشو النصوص المكتوبة مثلما نفعل في حديثنا الطبيعي.

وفقًا لـ«مارك ليبرمان»، أستاذ اللغويات، فالنقطة تعني نهاية أكيدة، وكأن مستخدمها يقول لمن يحاوره: «هذا كلام ختامي. هذه نهاية المناقشة»، لذا قد يبدو استخدام النقطة علامة على الغضب أو الفتور على أفضل تقدير.

في عام 2016، اختبر عالم النفس «دانيل غونراغ» فهم الأشخاص لرسائل نصية مكونة من جملة واحدة في آخرها نقطة. رأى المشاركون أن الجمل التي انتهت بنقطة كانت أقل صدقًا من الجمل المفتوحة نهايتها. عندما أُجري نفس الاختبار على جمل مكتوبة بخط اليد، لم يكن لاستخدام النقطة تأثير في فهم المشاركين للرسائل.

تقول كاتبة المقال إنه في دراسة أجراها اللغويان «ناومي بارون» و«ريتش لينغ» عام 2007، وجدا أن الرسائل النصية التي تحوي عدة جمل كثيرًا ما تتضمن علامات ترقيم لتوضيح أين نتنهي الجملة، بينما احتوت 29% فقط من الجمل على علامة ترقيم في آخر الرسالة.

رأى الباحثان أن سبب الحذف في نهاية الرسالة يرجع إلى تزامن عملية إرسال الرسالة مع وضع عملية الترقيم النهائية.

قد يهمك أيضًا: من ينتصر في سباق اللغة والتكنولوجيا؟

للبريد الرسمي لغة، ولواتساب لغة

تُرى، لماذا شعر المشاركون في الاختبار السابق بأن النقطة في آخر الكلام توحي «بعدم الصدق» دون غيره من المشاعر؟

قد يرجع السبب إلى ما اعتبره اللغوي «جون غامبرز» تغييرًا يحدث في أسلوب كلامنا تبعًا للمكان الذي نوجد فيه، والشخص الذي نكلمه، وكيفية تواصلنا، أو ما أسماه «التناوب اللغوي تبعًا للموقف».

تخيل الطريقة التي تتحدث بها في مقابلة عمل مقارنةً بالطريقة التي تتحدث بها على المقهى مع أصدقائك. بالطبع ستجد أنك تستخدم مستوى رسميًّا من اللغة في المقابلة، بينما تتحدث على سجيتك مع الأصحاب. لو تحدثت مع أصدقائك بنفس أسلوبك في المقابلة ستبدو متكلِّفا وباردًا.

تناول العلماء عملية التناوب اللغوي في الحديث بالبحث، لأن اللغة الملفوظة بطبيعة الحال تُستخدم في مواقف رسمية وغير رسمية على حد سواء. ففي الماضي كان يُرى أن اللغة المكتوبة ذات طابع رسمي، لارتباطها بالكتب والوثائق المكتوبة.

أعطت الرسائل النصية ووسائل التواصل الاجتماعي الناس فرصة لاستخدام اللغة غير الرسمية في الكتابة، ما أظهر تباينًا في الأساليب.

استخدام النقطة مثال على التناوب اللغوي تبعًا للموقف، فعندما تستخدم النقطة تصير اللغة رسمية أكثر من اللازم. فإذا أنهيت جملتك بنقطة سيراها المتلقي غير صادقة أو غير مناسبة، مثلما يكون الحال لو استخدمت لغة رسمية في مكان يتسم بالتلقائية كالمقهى.

قد يعجبك أيضًا: الاستخدام الطيب لـ«واتساب»

أظهِر صدقك في رسائلك

مثال آخر على تغير اللغة في سياقات الكتابة غير الرسمية هو تكرار الأحرف. فقد لاحظت أستاذة التواصل «إريكا داريكس» أن تكرار الأحرف أو علامات الترقيم يضفي حِدَّة على الرسالة، مثل أن تقول«لاااااااا». هذه الطريقة في الكتابة تُظهر أريحية أكبر.

استخدام اللغة الرسمية قد يُضعف مصداقية رسالة اعتذار، فكي توصل الرسالة المرغوبة ينبغي أن تعرف الأسلوب المناسب.

عالمة اللغويات «ديبورا تانن» ترى أن استخدام علامات تعجب كثيرة يوحي بالصدق في الرسائل النصية. وهذا مثال:

«نادية، أنا آسف جدًّا جدًّا جدًّا! اعتقدتُ أنكِ في التاكسي خلفنا، ثم فوجئت بأنك غير موجودة!!!!! أشعر بضيق شديييييييد»

تلفت الكاتبة انتباهنا إلى عدم وجود نقطة في آخر الرسالة، فاستخدامها سيُمرِّر شعورًا بعدم المصداقية يتعارض مع الاعتذار. بدلًا من ذلك لجأ كاتب الرسالة إلى تكرار الحروف الصوتية، إضافةً إلى استخدامه خمس علامات تعجب في نهاية إحدى الجمل.

الآن، تخيل نفس الجملة من غير تلك الإضافات:

«نادية، أنا آسف جدًّا. اعتقدت أنك في التاكسي خلفنا، ثم فوجئت بأنك غير موجودة. أشعر بضيق شديد».

هل تبدو باردة ورسمية جدًّا، وربما غير صادقة؟

هذه النسخة الأكثر الرسمية تبدو كرسالة بريد إلكتروني مرسَل إلى زميل، وليس رسالة بين صديقين أراد أحدهما الاعتذار إلى الآخر عن حادثة، وفق تحليل الباحثين.

قد يكون هذا غير متوقع، لكن استخدام اللغة الرسمية ربما يُضعف مصداقية رسالة الاعتذار، فكي توصل الرسالة المرغوبة ينبغي أن تعرف الأسلوب المناسب. لهذا قد تبدو رسائل بعضنا فاترة أو منزوعة المشاعر، فقد اعتادوا الكتابة بأسلوب رسمي لا يناسب الأجواء غير الرسمية.

هل تُضعف الرسائل النصية مهاراتنا في الكتابة؟

يتجدد النقاش حول ما إن كان استخدام الرسائل النصية، أو استخدام لغة غير رسمية بشكل مبالَغ فيه، يفسد قدرتنا على الكتابة بأسلوب جيد.

غير أن أبحاثًا سابقة تناولت تغيير الشخص لأسلوبه في اللغة المنطوقة أظهرت أن هذا التحول دليل على «الكفاءة الاجتماعية»، وأنه يؤكد إحساس الفرد بالهوية أو الانتماء إلى مجتمع بعينه. ويُعد تغيير الطفل أسلوب كلامه مؤشرًا على تمتعه بقدرات ذهنية كبيرة.

إضافة إلى ذلك، فإن دراسة جديدة تُظهر أن استخدام أسلوب الرسائل النصية (textese) الأكثر مرونة وأريحية لا يرتبط إلا قليلًا بدرجات الشخص في اختبارات الهجاء والقراءة وحصيلة المفردات.

دراسة أخرى أجرتها جامعة كاليفورنيا وضحت أن الطلاب قليلًا ما استخدموا أسلوب الكتابة الخاص بالرسائل النصية في كتابة الرسائل الرسمية التي كلفهم بها أساتذتهم. وتدعم هذه النتيجة ما توصلت إليه دراسة وجدت أن استخدام أسلوب الرسائل النصية ارتبط بالحصول على درجات أعلى في اختبارات «الذكاء اللفظي» (Verbal Reasoning). وترى الدراسة أن الأطفال «استطاعوا التحول من شكل لغوي إلى آخر حسبما رأوه مناسبًا».

تُظهر تلك الدراسات أن مستخدمي اللغة غير الرسمية بشكل متكرر يمكنهم تغيير شكل اللغة المستخدَمة بسهولة، فيعرفون أن عليهم استخدام النقطة في نهاية كل جملة في الكتابة الرسمية.

بدلًا من الهجوم على الأشكال المختلفة للكتابة أو احتقارها، علينا أن نستوعب هذا التغيير وقدرة مستخدمي اللغة على التلوُّن، لأن هذا الاستيعاب سيطور مهارات التواصل في السياقات المختلفة. ولعل استخدام النقطة في ختام الجمل واحد من تلك الدروس التي ينبغي عدم إغفالها.