إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

حديث دون كلام: من ينتصر في سباق اللغة والتكنولوجيا؟

الصورة: Getty/Barcroft Media

يعتمد تطور الجنس البشري على التواصل بين أفراده، والتعامل في مجموعات من فردين أو أكثر. كثرة الاتصال بيننا تطور وتوسع حدود المعرفة وتبادل وجهات النظر حول مختلف أمور الحياة، بدايةً من أفضل طريقة لاصطياد غزالة برمح في يد الانسان البدائي، حتى الجدل بين إيلون ماسك مؤسس «Space X»، ومارك زوكربيرغ مؤسس فيسبوك، حول ما إذا كان الذكاء الصناعي خطرًا على البشرية أم لا.

عندما ترغب في أن تتصل بشخص يعيش في مدينة أخرى في نفس البلد، يمكنك أن تفعل في أقل من خمس ثوانٍ، ستُخرج هاتفك من جيبك وتُجري مكالمة، وستتمكن حينها من التحدث إليه بكل وضوح. ولكي تجعل الاتصال أكثر قربًا وتتفاعل مع الطرف الآخر بشكل عملي، يمكنكما إجراء مكالمة فيديو، فتتمكنان من رؤية بعضكما وكأنكما معًا.

فكر معي: كيف ستكون الحياة لو كنا لا نزال نتواصل بالحمام الزاجل، أو نستخدم البريد الذي قد يستغرق أسابيع وأكثر للوصول؟

بالتأكيد هذه فكرة غير منطقية ولن يتقبلها عقلك، والسبب أنك اعتدت نمط حياة معين تتحرك فيه بسرعة. فكي تصل إلى مكان في مدينتك، لن تستغرق لتنتقل إلى هناك عبر مترو الأنفاق أكثر من ساعة أو اثنتين، ولكي تسافر إلى قارة أخرى، لن يكلفك هذا سوى بضع ساعات وربما يومين أو ثلاثة على أقصى تقدير، بينما كانت تلك المسافات تستغرق قديمًا أسابيع وشهور طويلة.

سهولة التنقل جعلتك تعتاد أن تتواصل مع العالم من حولك بشكل أسرع، بينما نرى طبيعة العالم الذي نعيش فيه الآن ومستوى التطور الذي وصلنا إليه يلقي بظلال ثقيلة على اتصالك بكل من يعيشون حولك، فالإنترنت تصل سرعاته أحيانًا إلى «تيرابايت» (1024 غيغابايت)، وأصبحنا على أعتاب استخدام تقنيات الجيل الخامس من خدمات الهاتف المحمول، وزراعة شرائح لتبادل الأفكار في أدمغتنا أصبحت حقيقة في طريقها إلى النضج.

إذًا..

كيف تؤثر أدوات «الاتصال» في أساليب «التواصل»؟

تحولت طريقة الكتابة من أجل تقليل عدد الأحرف في الكلمة الواحدة، فجملة مثل «How are you» صارت «hw r u»، لتكون طريقة الكتابة أكثر سرعة وتركيزًا.

عندما تتحدث إلى صديقك وجهًا لوجه، تستخدم تعبيرات وجهك ولغة جسدك إلى جانب التعبيرات اللفظية، لتعبِّر عن المعاني التي ترغب في إيصالها إلى صديقك، وكذلك تستخدم نبرة صوتك وحدته ودرجة ارتفاعه، وهذا يختلف تمامًا عن تواصلك معه في مكالمة هاتفية عبر هاتف منزلك، حيث البيئة المحيطة بك هادئة وتساعدك على التركيز في الحديث، وتمنحك فرصة للتحكم بمهارة وهدوء في ردود أفعالك ونبرة صوتك وكلماتك التي تنطقها، فوجهك وحركة جسدك لا يكونان جزءًا من عملية التواصل.

أسلوبك في الحديث عبر الهاتف المحمول يختلف عن طريقتك حين تُجري مكالمة فيديو عبر هاتفك، وكذلك يتباين مع طريقة الحوار الذي تجريه عبر خدمة سكايب على جهاز كمبيوتر شخصي، وكل ذلك يعكس ما طرأ على لغتنا اللفظية والحركية التي نستخدمها في التواصل مع الآخرين.

خلقت الرسائل النصية (SMS)، بظهورها منذ ربع قرن، أسلوبًا مختلفًا للتواصل، فمحدودية عدد حروف الرسالة عند 160 فقط للغات اللاتينية، و70 للغة العربية، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة إرسال رسالة واحدة في نهايات تسعينيات القرن الماضي، كل ذلك انعكس على طبيعة اللغة التي يستخدمها الناس، فاتجه الناس مضطرين إلى اختزال أكبر كمٍّ من المعاني في أقل عدد حروف.

بالتالي تغيرت طريقة الكتابة، فالناطقون بالإنجليزية مثلًا غيروا كلمة «You» إلى حرف «U»، و«Love» إلى «Luv»، فصارت جملة مثل «How are you»، كانت مكونة من 11 حرفًا بالمسافات، لا تتجاوز ستة أحرف فقط: «hw r u»، وجملة «Oh my God» تحولت إلى «OMG»، وهكذا أصبحت طريقة الكتابة أكثر سرعة وتركيزًا.

هذا العائق نفسه، أي محدودية الحروف المتاحة للكتابة، كان الميزة الرئيسية عند تويتر، فعلى مدار سنوات طويلة كان رقم «140 حرفًا» علامة مميزة للشبكة، مما وضع التواصل بين المستخدمين في إطار سريع ومركز، لذلك عُرف تويتر بأنه منصة إخبارية أكثر منه منصة اجتماعية، ولذلك أسهمت خطوة زيادة عدد حروف التغريدة إلى 280 في تغيير شكل وطبيعة التواصل على المنصة بطريقة اجتماعية أكثر، وفتحت المجال أمام الناس للتعبير عن أفكارهم بشكل أكثر حرية ودون تحمل عبء نفاد الأحرف.

ومع انتشار تطبيقات التراسل الفوري والتشات، وتخطي تطبيق واتساب حاجز 60 مليار رسالة متبادلة بين المستخدمين يوميًّا، ليصل إلى ثلاثة أضعاف معدل الرسائل النصية، بدأت لغة جديدة في الظهور هي «الوجوه التعبيرية» (Emojis) كي تلائم روح عصرنا الحالي، الذي تخطى مفهوم «السرعة» وصار «عصر اللحظة».

وهكذا، بدأ أفراد «الجيل X» (بين 16 و24 عامًا) و«الجيل Z» (بين 8 و15 عامًا) يطورون أسلوب تواصلهم معًا، ليتخلوا تمامًا عن فكرة استخدام الحروف والكلمات التقليدية، ويتجهون إلى استخدام طريقة جديدة تضيف شيئًا من الخصوصية على محادثاتهم.

قريبًا، نتواصل دون كلام

تتطور تقنياتنا يومًا بعد يوم، ويسعى الباحثون باستمرار نحو جعل التواصل بين البشر عمليًّا وآنيًّا أكثر، ويريدون تبادل المعاني والأفكار بشكل دقيق دون تشويش بأي طريقة من البيئة المحيطة بعملية الاتصال: مباشرةً من مخك إلى مخ الطرف الآخر.

ليس هذا فيلم خيال علمي آخر، فقد بدأ العلماء يفكرون في اختراق المخ واستخدامه لإرسال فكرة أو معنًى معين مباشرةً إلى مخ شخص آخر، دون حاجة إلى التحدث أو الكتابة.

هذا تمامًا ما فعله ثلاثة قرود في تجربة بحثية أجرتها جامعة ديوك الأمريكية، إذ فصل العلماء كل قرد وحده في غرفة وأوصلوا أدمغتهم جميعًا عن طريق كمبيوتر، ومُنح كل واحد منهم تحكمًا جزئيًّا في «يد» افتراضية تظهر على شاشة أمامه.

لم ينجح أيٌّ من القرود في تحريك اليد كما هو مطلوب نحو كرة افتراضية، بينما حين عملوا معًا، تمكنوا من مزامنة نشاطهم الدماغي وتحريك اليد.

الباحثون في جامعة واشنطن أجروا الاختبار ذاته على البشر، فوضعوا اثنين من المتطوعين في مكانين معزولين بينهما أكثر من كيلومتر، وأوصلا مخّيهما عن طريق الإنترنت، ثم وجهوا إلى أحدهما 20 سؤالًا وطلبوا منه أن يجيب بـ«نعم» أو«لا».

هدف التجربة كان أن يتلقى الطرف الآخر إشارات مخية بإجابات الأسئلة، والنتيجة كانت صحيحة بنسبة 72%.

أما باحثو جامعة هارفارد فأجروا تجربة مختلفة، إذ تمكنوا من نقل كلمة تحية مثل «hola» بالإسبانية و«ciao» بالإيطالية، والاثنتان تعنيان «مرحبًا»، بين شخصين أحدهما في فرنسا والآخر في الهند.

فكّر المتطوع الأول في الكلمتين جيدًا وهو يرتدي على رأسه جهاز قراءة الموجات الدماغية المتصل بالإنترنت، وبعدها بدقائق، شاهد الآخر، الذي تخترق جمجمته أقطاب متصلة بمخه، أضواء خاطفة أمام عينيه تعبِّر عن الرسالة التي استقبلها، لكنه لم يسمعها أو يرى الكلمات بشكل صريح.

قريبًا، ربما تتغير طريقة التواصل بيننا بفعل التكنولوجيا، ربما تختفي الاتصالات المكتوبة والمسموعة والمقروءة، لكن ربما تتغير اللغة من جديد وتتمكن من مجاراة التطور، فالناظر إلى لغتنا الحالية منذ مئة عام «فقط» سيرى بالتأكيد فارقًا كبيرًا.