تعتقد؟

سيكولوجيا الاختيار: ما أجمل الطريق الذي لم نمشِ فيه

الصورة: qimono

ربما سمعتَ مرةً أو أكثر هذا المثل الشعبي الشهير: «إذا أردت أن تحيِّره، فخيِّره». هذا التعبير بريء المظهر يحمل بُعد نظر ودلالة قوية في مجال علم النفس. فالحيرة ترتبط دائمًا بالاختيار، والوصفة سهلة: خيارات مختلفة وكثيرة يتحول فيها سؤال بسيط مثل «ماذا نشاهد مساء اليوم؟» إلى معضلة تستغرق عدة ساعات من التفكير.

شبكة «نتفليكس» وحدها تقدم أكثر من خمسة آلاف إجابة عن هذا السؤال.

في كتابه الشهير «صدمة المستقبل»، يصوغ المفكر والكاتب الأمريكي «ألفين توفلر» للمرة الأولى مصطلح «فرط الاختيارات»، ويصفه بأنه عملية إدراكية يعاني فيها الأفراد من صعوبة تكوين رأي أو تحديد قرار عندما يكون أمامهم أكثر من اختيار مناسب. تتحول وفرة الاختيارات، وهو أمر يُفترَض به أن يكون إيجابيًّا، إلى نقمة تجعل المرء مرتبكًا وعاجزًا عن اتخاذ أي قرار من أي نوع.

الشلل التحليلي

يشرح عالم النفس «باري شوارتز»، في كتابه «The Paradox of Choice» (معضلة الاختيار)، لماذا أصبح فعل الاختيار، حتى وإن كان لشيء بسيط مثل مشاهدة فيلم ما، فعلًا صعبًا، ويُشعرك دائمًا بالحصار وقلة الحيلة.

تذهب إلى أحد المراكز التجارية راغبًا في شراء بنطال جينز عادي، فتجد عشرات الاختيارات المتاحة أو المئات، لكل اختيار ميزة تجعلك تضيفه إلى قائمة مشترياتك، ثم عيبٌ آخر يجعلك تلغيه من القائمة. ثم بالطبع هنالك مسألة المقارنة بين مميزات كل نوع، والمقارنة بين عيوب كل واحد. 

الشلل التحليلي، أو «Analysis Paralysis»، حالة عامة من العجز عن اتخاذ أي قرار بسبب الاختيارات الأكثر من اللازم، أو بسبب العجز عن تفضيل واحد من وسط عدة خيارات.

هل كنت تعلم أن بإمكانك طلب أكثر من 80 ألف مشروب مختلف من «ستاربكس»؟

حسب موقعهم الرسمي، توفر الشركة العالمية هذا الخيار لعملائها. بإمكان كل عميل أن «يصنع قهوته بنفسه»، وأن يختار مشروبًا مفضلًا يلائم ذوقه، يلائمه بأدق التفاصيل الممكنة وكل التباديل والتوافيق. لكل هذه الاحتمالات، تصل إلى هذا الرقم غير المفهوم.

تخيَّل لو قرر شخص ما أن يجرِّب كل هذه الأنواع ليقرر أي مشروب يفضِّل وبأي مقادير. تخيل حتى لو استطاع أن يجرِّب 80 ألف مشروب مختلف المكونات. هل سيمكنه عندما يصل إلى المشروب رقم 80 ألف أن يتذكر كيف كان طعم المشروب رقم 749 مثلاً؟ إضافةً إلى ذلك، هل بإمكانه أن يقارن بين كل هذه الأنواع ليصل إلى ما يرغب فيه؟

تبدو فكرة الاختيار تحديًا حقيقيًّا يُجهد من يختار. وبحسب دراسة أجريت في جامعة كورنيل الأمريكية، يعتقد الناس أنهم يتخذون نحو 15 قرارًا يوميًّا يتعلق بطعامهم، بينما في الحقيقة نتخذ ما يقرب من 221 اختيارًا.

لكن، لماذا نعجز عن الاختيار؟

لقطة من فيلم «The Matrix» - الصورة: Warner Bros.

«أين سنأكل؟»، يسألك صديقك وأنتما تجلسان في أحد المولات الكبيرة، وتتمنى لو لم يكن لديك معدة من الأصل، لأن هذا أهون عليك من أن تختار. لماذا لا يختار هو؟

نقع في بعض الأخطاء أو نسلك الطرق المختصرة خلال اتخاذنا القرارات, وربما يؤدي بنا هذا في النهاية إلى الشلل التحليلي، حتى خلال اختياراتنا اليومية الصغيرة كمكان للأكل.

يمكن حصر هذه الأخطاء في ثلاثة انحيازات تلقائية تقع فيها أدمغتنا:

يدفعنا هذا الانحياز إلى أن نرفض أي تغيير في واقعنا بسبب تعاملنا معه كنقطة ارتكاز مستقرة، وبالتالي يصبح أي خروج عنها، حتى وإن كان في سبيل نتيجة أفضل، خطأً يجب تفاديه.

بعضنا يتبع هذا الانحياز حتى في اختياره لطعامه، فيرفض تجربة مطاعم جديدة، ويصر دائمًا على نفس الطلب (وربما حتى المشروب ذاته) من نفس المطعم، فهو نقطة ارتكاز معدته، ولا يصح أن يزعزع ارتكازًا مهمًّا كهذا. 

  • «Omission Bias»: الانحياز إلى عدم الاختيار

الخيار الأفضل هو الذي لا يتطلب أي مشاركة أو جهد.

مثلًا، يختار بعض الأهالي ألا يعطوا أطفالهم التطعيمات اللازمة خوفًا من أن تتسبب في مشكلات طبية، رغم أن نسبة موت الأطفال دون تلك التطعيمات أعلى بكثير من نسبة موتهم بعدها، لكن منعهم من التطعيمات هو الاختيار الذي لا يتطلب مشاركة أو مسؤولية.

في حال مرض الطفل بسبب التطعيم، ربما يُلام الآباء على اختيارهم، لكن كيف يُلام أحدهم على شيء لم يفعله؟

مثال آخر: خلال التسجيل في عدد من المواقع تجد الرسالة الآتية: «Please send updates to my email»، وبجانبها مربع اختياري منقور بالفعل. تعتمد تلك المواقع على أن هذا الانحياز يجعل المستخدمين يتركون المربع كما هو، ما يصب في مصلحة الموقع.

  • «Reactance»: الدفاع عن الحرية

حاول أن تتذكر كم مرة رفضت الذهاب إلى مطعم معين لمجرد أن شخصًا آخر فرضه عليك أو سلبك فرصة اختيار أي أماكن أخرى، حتى وإن كنت في الأصل تريد أن تأكل هناك؟

إن كان هذا يبدو مألوفًا، فإن رد فعلك غرضه بالأساس أن تسترد حريتك، وأن تكون أكثر استقلاليةً من أن يسلبك أحد حقك في الاختيار، حتى وإن كان قرارًا صغيرًا، بل تافهًا.

لماذا يجعلنا الاختيار تعساء؟

الصورة: Pixabay

بالإضافة إلى ذلك الشلل التحليلي عند اتخاذ القرار، يحمل كثيرًا من الاختيارات احتمالات عواقب سلبية أخرى، أهمها ما يسميه الاقتصاديون «Opportunity Cost» (تكلفة الفرصة البديلة)، وهي ثمن/قيمة العرض الذي لم تختره والطريق التي لم تسلكها.

هل كان قرارًا سليمًا أن تتزوج الفتاة التي تحبها، وأن تتخلى عن حلم السفر؟ وهل كان في صالحك أن تترك الفتاة التي تحبها وتسافر؟

لن نعرف أبدًا أي اختيار كان صحيحًا، لكن المؤكد أننا دائمًا ننظر إلى كل الطرق التي لم نمشِ فيها ونسأل أنفسنا من وقت إلى آخر: كيف كانت الأمور ستتغير إذا تغير اختيارنا؟

كيف نختار؟

يقترح علماء النفس أن نتبع خطوتين حين نتخذ أي قرار:

  1. نقلص عدد الاحتمالات إلى ما يُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة. هذه الخطوة تجعل المقارنة بين أفضل الخيارات أسهل بالنسبة إلينا. الاستبعاد قد يكون خطوة أولى مناسبة. تقرر مثلًا أنك لا تريد أشياء بعينها، ثم تتحرك على هذا الأساس
  2. نفكر في جدوى كل احتمال لنجيب عن السؤال التالي: أي تلك الاختيارات أفضل؟ لكن رغم كل هذا، لا يزال بإمكاننا أن نجزم بأن اختيارنا هو الأفضل

يسعى البشر عمومًا إلى تجنُّب الأخطار وتقليل الخسارات. حين نقارن بين فرص مكسبنا أو خسارتنا، نميل إلى رؤية خسائرنا أكبر مما هي عليه وأوضح مقارنةً بمكاسبنا، حتى إذا كانت فرص الخسارة أو الفوز متساوية.

هناك هاجس يُدعى «عامل الوقت»: نميل إلى الاختيار الذي سيأخذ الوقت الأقل دائمًا، لرغبتنا في حصد ثمار اختياراتنا بسرعة، وبالتالي نصبح عرضةً لتجاهل أي معطيات ربما تتسبب في تأخرنا في حصدها، وعرضة أكبر للطيش أو الخطأ في اتخاذ القرار.

صار الاختيار مشقة يومية صعبة، خصوصًا وسط كمية الاختيارات الهائلة التي نواجهها كل لحظة في حياتنا. لكن الأمر الذي يساعدنا فعلًا أن نعرف أولًا الطريقة التي نختار بها، وعلى أي أساس نفعل ذلك، ثم ندرك أن هذا الاختيار يعني أننا نتخلى عن اختيارات أخرى، وأنه لا مهرب من هذا.

, ,