المنظومة

عن جحا وبنيه: كيف سخر العرب من حكامهم؟

تمثال جحا في مدينة بخارى في أوزبكستان - الصورة: Faqscl

لطالما كان التاريخ المسرحي والفني في المنطقة العربية مسرحًا للمواطن قبل أن يكون مسرحًا للدولة، وتعبيرًا عن آهات الفرد حتى لو كانت توجعًا من الدولة.

أحد أبرز شخصيات ذلك التاريخ كانت جحا، الذكي الأحمق الأب الروحي للسخرية من السلطة عن طريق خفة الظل والطرافة.

جحا: الأب المؤسس للدهاء الأحمق

ذُكِر جحا في كثير من كتب التراث العربي، وتحير الباحثون في نسبه، فلم يتبين له رأي قاطع. شاع عنه أنه ولد في الأناضول وكان مثقفًا ذكيًّا وعاصر «تيمورلنك». لكن الباحث عبد الستار أحمد فراج، في كتابه «أخبار جحا»، استخلص من كتب التراث أن كنيته «أبو الغصن». واختُلف في اسمه، فمنهم من قال نوح، ومنهم من قال «دجين».

ولد في منتصف القرن الأول الهجري وعاش حتى منتصف القرن الثاني، وأدرك ثورة أبي مسلم الخرساني، ومات في زمن الخليفة المهدي، وانتقلت نوادره إلى تركيا عن طريق الرواية، فلم تظهر شخصية الخوجة نصر الدين الرومي أو «جحا التركي» إلا في القرن السابع أو الثامن الهجري، وعلى الرغم من ذلك، فإن له قبرًا شهيرًا في أكشهير شمال غرب مدينة قونية التركية.

بغض النظر عن نسبه الحقيقي أو ترجماته المختلفة في كتب التراث، فإننا لا ننكر أن جحا أسطورة كبيرة يُنسب إليه كل فعل ينطوي على حماقة أو كل موقف يبرز فيه الحيلة والمكر، ولا ريب أنه صاحب تأثير كبير في وعي العرب جميعهم، وخصوصًا الفنانين منهم، فقد أصبح رمزًا لكل صعلوك يتحدى السلطة ويقف في وجه الحكام والطغاة والمستبدين والمستغلين وتجار أحلام الشعوب، بالحيلة والمكر والدهاء لا بالقوة أو بالعنف.

في كتاب «نوادر جحا الكبرى»، يقول الأستاذ درويش جويدي في مقدمته:

«ما من أمة تمر بظروف متشابهة لما تمر به أمم أخرى، إلا وظهر شخص يتمتع بصفات جحا الهزلية الهازئة الضاحكة الذكية، في حال تعرضها لنكبات سياسية، كتولي حاكم ظالم أو مستعمر غاشم لا يرحم، فهنا نرى أمثال هذا النوع من الرجال يلجأ إلى الحيلة معبرًا عن أحاسيس الأمة».

انطلاقًا من هنا، ظل جحا يلوح في الأفق لكل كاتب أو فنان لينسج على منواله شخصية جديدة تتميز بنفس ما تميز به صاحب هذه الشخصية الأسطورية التي امتازت بالحكمة والمكر والدهاء، متخفية في ثوب الغباء والحماقة، فخرج علينا عدد من الشخصيات الفنية التي استطاعت أن تحفر عميقًا في وجداننا العربي كواحد من رموز مآسينا، وتنفيس حي عن الكبت الذي نعانيه من الفساد والاستبداد، واستطاع المسرح أن يصنع شخصيات حية تقف في وجه المستبد والطاغية، لا بطلًا شعبيًّا، وإنما صعلوك خفيف الظل استطاع أن يُحرج المستبدين، ويعريهم أمام أنفسهم وأمام الشعب بخفة ظله وحيلته، ولم تبخل السينما أو التلفزيون كذلك بأمثال جحا، لكن ظل المسرح الأكثر تأثيرًا.

كاسك يا وطن: «طوشة» في رأس السلطة

حتى إن لم يكن مقصودًا، شخصية جحا حاضرة وبقوة عند رسم شخصية غوار الطوشة في مسرحية كاسك يا وطن.

كتب محمد الماغوط  «كاسك يا وطن» مباشرة للمسرح عام 1979، وأدى دريد لحام شخصيته الشهيرة «غوار الطوشة» الذي هو عبارة عن صعلوك يحاول أن يعيش بحماقته وتهوره، لكنه يثير المتاعب دائمًا بمكره ودهائه المتواريين. غوار في كاسك يا وطن أقرب ما يكون إلى جحا، صعلوك يصطدم بالسلطة ويقاسي التعذيب. لكنه بدلًا من أن يكون حزينًا نجده يسخر حتى من التعذيب، فعندما يصعقونه بالكهرباء يضحك، ويبدو هذا في ظاهره حماقة، إلا إنهم حين يسألونه عن سبب ضحكه يقول: «الكهربا وصلت لقفايا وما وصلت للضيعة عندنا».

ملابس غوار أيضًا تدل على صعلكته: معطفه الطويل وطربوشه المقلوب ونظارته الكبيرة، تمامًا مثل الصورة النمطية لجحا الصعلوك الأحمق، شديد الذكاء في الوقت ذاته.

لوازم جحا هنا ليست في رسم شخصيته فحسب، بل اشتُقَّت من جحا شخصيات إلى جواره، مثل زوجته التي كانت ملازمة له في معظم نوادره. كانت أيضًا زوجة غوار مثل زوجة جحا تمامًا، تتعجب من تصرفاته التي يتمادى في ممارستها حتى تخرج عن حدود المعقول إلى السخرية من نفسه ومن الأوضاع الحالية بشكل عام. إذ يأتي لزوجته بطعام على هيئة جرائد مما تمتلئ بوعود الازدهار الاقتصادي والحياة الرغدة التي تنتظر المواطنين. حتى إن لم يكن مقصودًا، لكن ولو في اللاوعي، شخصية جحا حاضرة وبقوة عند رسم شخصية غوار في هذه المسرحية.

قد يعجبك أيضًا: لِمَ علينا، دائمًا وأبدًا، أن نقاوم؟

سُمعة: جحا الأردني الساخط الساخر

كثير منا لا يعرف اسم الممثل الأردني الكبير موسى حجازين، لكنه يعرف «سُمعة» عامل المقهى البسيط والأحمق والجريء في الوقت ذاته. ومثلما خرجت شخصية غوار من مسلسل «مقالب غوار» تمامًا، خرجت شخصية سُمعة من مسلسل «حارة أبو عواد» لتسطر واحدة من أهم روائع المسرح العربي: «مواطن حسب الطلب» التي ألفها وأخرجها محمد الشواقفة عام 1997. سُمعة الذي يظل طوال المسرحية يسخر من السلطة والحكومة والإرهاب الذي تمارسه ضد مواطنيها، لا يخشى أن يقف في وجه وزير ما ليقول له بمنتهى الجرأة والشجاعة التي تصل إلى البجاحة: «اسمع، أنا مقبلشي من أي عرص شبعان ينصحني أصبر على الجوع»، هذه الجملة التي رددها شباب الربيع العربي، ومعظمهم لا يعرفون مصدرها.

شخصية سمعة مغرقة في بساطتها، وفي نفس الوقت في وعيها بالأوضاع الراهنة. شخص متدني المستوى الثقافي والتعليمي، يعمل «قهوجي»، ولا يريد من حياته سوى الخبز وحبة الفلافل، إلا أنه برؤيته وإدراكه للدنيا من حوله يستطيع كتابة المقالات للمثقفين والتعبير عما يجيش في صدور الشعوب أكثر من النخبة، ولديه سلاح وحيد لفعل ذلك: السخرية. السخرية اللاذعة حد المرارة.

«جحا المصري»: إنهم يحلبون البقرة

الكاتب يسري الجندي الشغوف بالحكايات الشعبية والتاريخية، كتب للتلفزيون والسينما أعمالًا مهمة، مثل «السيرة الهلالية» و«سعد اليتيم». كتب أيضًا «جحا المصري» في المسلسل الذي أخرجه مجدي أبو عميرة، عام 2002، كأسطورة في وجدان الشعب العربي.

هنا جحا مجرد طحَّان فقير يصطدم بالسلطة رغمًا عنه، ولا يستطيع وضع لسانه داخل فمه، بل يجده دائمًا يتحدث ليبوح بالمحظور، فلا يتورع عن أن يقول للوالي، دون أن يعرف أنه الوالي، إن الولاة في بلادنا يحلبون البقرة (البلاد) بالتناوب، وكلما أتى والٍ جديد حلب البقرة وغادر. وينقل وجهة نظره إلى السلطان (دون أن يعرف أنه السلطان أيضًا) أن الناس في بلاد تركب الأفيال يحكمون مع الحاكم، مثيرًا اندهاش السلطان رغم بداهة ما يقول جحا بالنسبة إليه.

قد يهمك أيضًا: هل يملك الفن ألا يكون سياسيًّا؟

أدى شخصية جحا الفنان يحيى الفخراني، في المسلسل التلفزيوني الذي عُرض عام 2002. يسري الجندي الذي كان يبحث دائمًا قبل الكتابة في شخصية جحا المصري، ينقل التعبير المعاصر للسخط على الأنظمة المستبدة والفاسدة.

«بهلول»: حسن الشاطر العاطل الحالم

أول من سُمي باسم «بهلول»، كان بهلول بن عمرو الصيرفي الذي عاش في عهد هارون الرشيد، وكان بمثابة جحا حقيقي.

للسينما نصيب أيضًا. في بداية التعاون الفني المثمر في ما أُطلق عليه «خماسية التسعينيات» بين عادل إمام والمؤلف وحيد حامد والمخرج شريف عرفة، جاء الفيلم الأول ليؤسس للمشروع بأكمله، وليكون عنوانه «اللعب مع الكبار» الذي أُنتج عام 1991، تيمة الأعمال التالية في الخماسية. شخصية «الشاطر حسن» العصرية هنا مجرد عاطل وفاشل ومحبَط، لكنه وطني غيور على بلده، يحاول أن يحارب الفساد عن طريق الحلم، فيوهم رجال الأمن بأنه يحلم بالجرائم قبل وقوعها.

رغم ما يبدو على حسن من إيجابية وبطولة، فإنه ساخر حد العدمية. يتميز بخفة الظل والذكاء والحنكة رغم ما يجب عليه أن تكون شخصيته، والشق الثاني من اسمه «بهلول» يشير إلى اصطلاح الناس على أنه الشخص المهرج أو المجنون أو المعتوه أو الأحمق.

يوضح كتاب «عقلاء المجانين»، لابن حبيب النيسابوري، أن أول من سُمي بهذا الاسم كان بهلول بن عمرو الصيرفي الذي عاش في عهد هارون الرشيد، وكان بمثابة جحا حقيقي.

بهلول هنا مجرد جحا جديد، لكن لا تضعه الظروف في مواجهة السلطة، بل يذهب إليها بمحض إرادته ليصطدم معها. لا تكون النهاية دائمًا مجنونة أو خفيفة الظل كعادة قصص جحا، بل يمكن أن تكون واقعية مريرة، وكئيبة أيضًا، لمن أراد بمحض إرادته أن يدخل عش الدبابير.

حجا: أسماء متعددة وروح واحدة

استؤنست شخصية جحا فنيًّا حتى أصبحت العروض والأعمال تعبر عن هوى السلطة ومزاجها.

لو دققنا جيدًا في أسماء الشخصيات التي استلهمت جحا بمهارة، لن نجد بينها: سيف ولا صارم ولا حازم ولا جابر ولا فارس ولا ليث ولا عز الدولة. فبدايةً من جحا، ونهاية بباقي الشخصيات، هي أسماء تحقير، وربما تهكم من أصحابها.

فسُمعة تدليل (أو تصغير) من إسماعيل، وكذلك غوار الطوشة، لقب يدل على ما تفعله الشخصية من إثارة الضوضاء والجلبة فحسب. وهو ما تفعله أيضًا كل الشخصيات المشار إليها سلفًا، وملابسها كلها تدل على أنها بسيطة، بل حقيرة أيضًا.

إنها شخصيات متناغمة كليًّا مع واقعها ووظائفها ومكانتها في الحياة. هم فقط لم يفعلوا شيئًا سوى الهمهمة بكلمة الحق، بكشف الزيف وإزالة الستار عن الحقيقة. إن الجلبة التي تصنعها هذه الشخصيات لا تتحملها مسامع السلطة المرهفة التي لا تحب أن تسمع سوى التطبيل والمديح، ولا يطربها إلا المحاباة والتملق وأغاني الكذب والنفاق. أما أن يقول أحدهم كلمة حق واحدة عن الفساد والاستبداد، فهذا ما يقلقها ويقض مضاجعها، حتى إذا كانت كلمة الحق هذه في صورة سخرية حمقاء أو مزحة رعناء.

هكذا عاشت شخصية جحا حتى الآن. لكن يبدو أنها استؤنست فنيًّا حتى أصبحت العروض والأعمال تعبر عن هوى السلطة ومزاجها، وإن كانت الموضوعات التي تتناولها نبيلة في جوهرها. لكن إذا كانت الأعمال الفنية، سواء المسرحية أو التلفزيونية أو السينمائية، قد تلاشت، إلا إنها ما زالت تعيش بيننا في كل شخص بسيط يستخدم السخرية وخفة الظل للوقوف في وجه السلطة الغاشمة، السلطة التي يجن جنونها من أجل مزحة بسيطة، أو كما عبر صلاح جاهين في رباعيته الشهيرة:

أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جرس

جلجلت بيه صحيوا الخدم والحرس

أنا المهرج.. قمتوا ليه؟ خفتوا ليه؟

لا في إيدي سيف ولا تحت مني فرس

عجبي


هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.

, , , , , ,