فكر فيها

حاول مرة أخرى: معضلات قد تدفعك إلى إعادة التفكير في أخلاقك

الصورة: Getty/Rafa Elias

ألن يكون من الرائع لو استطعنا معرفة الأمر الصائب دائمًا كي نفعله؟ أن تكون خياراتنا والتزاماتنا مرسومة بالأبيض والأسود فقط؟ بالتأكيد، لكن الحياة مليئة بالمناطق الرمادية للأسف، وتواجهنا أحيانًا حالات تبدو فيها جميع الخيارات إشكالية من الناحية الأخلاقية، وتكشف لنا أن معظم الناس ليسوا خيِّرين تمامًا ولا أشرارًا تمامًا.

يظن كثير من الناس أن المعضلات الاخلاقية أمور غريبة تهم الفلاسفة فقط، لكن الضوء سُلِّط على هذه الأمور النظرية في الآونة الأخيرة بسبب بعض الجدالات، مثل الجدل القائم حاليًّا بشأن السيارات دون سائق، التي تمثل مأزقًا كبيرًا عندما يتعلق الأمر بموضوع السلامة.

تُبرمَج هذه المركبات المستقلة بمجموعة من قواعد الأمان، وليس من الصعب تخيل موقف تتعارض فيه هذه القواعد بعضها مع بعض. فلنفترض مثلًا أن السيارة على وشك الاصطدام بشخص في الشارع، وإذا حاوَلَتْ تجنبه ستسبب الضرر لسائقها، فكيف يجب برمجتها في هذه الحالة؟ هل تقدم حياة سائقها على حياة الرجل السائر، أم العكس؟

ليست هذه المعضلة مجردة أو نظرية، بل أصبحت مُلِحَّة لأن السيارات دون سائق لم تعد أمرًا خياليًّا كما كانت في الماضي.

نقدم لك هنا ثلاث معضلات أخرى (اثنتان نظريتان، والثالثة حدث حقيقي)، ستجعلك على الأرجح تعيد النظر في بعض قِيَمك.

إشكالية الطفل الغريق

الصورة: Max Pixel

تصور أن طريقك إلى العمل يمر ببحيرة صغيرة، ولحظت في صباح أحد الأيام أن طفلًا سقط فيها وعلى وشك الغرق، وأنت شخص قوي وطويل القامة، ممَّا يعني أن باستطاعتك مد يدك وإخراجه بسهوله، لكن ثيابك ستتسخ، ممَّا سيضطرك للعودة إلى المنزل وتبديلها، ومن ثَمَّ ستتأخر عن اجتماع مهم، وسيُخصم من راتبك.

في هذه الحالة، هل عليك التزام أخلاقي بإنقاذ الطفل؟ غالبًا سترد بالإيجاب، ويبدو أن هذا الرد هو الجواب الشائع فعلًا، إذ يذكر الفيلسوف الأسترالي «بيتر سنغر» أن طلابه أجابوا بالإجماع أن عليهم واجبًا أخلاقيًّا لإنقاذ الطفل عندما سألهم عن هذا السيناريو.

حسنٌ، لنعقد المسألة قليلًا. لنفترض الآن أن هناك أشخاصًا آخرين يسيرون في الطريق، وباستطاعة أيٍّ منهم إنقاذ الطفل، لكنهم لا ينقذونه. هل يعني هذا أنك لم تعد مُلزمًا بإنقاذ الطفل؟ وهل يهم إذا لم يكن هذا الطفل هو أول طفل غريق تمر به في حياتك؟ وهل يهم إذا حدث هذا كله في دولة أجنبية؟

اقرأ أيضًا: شهود أكثر.. فرص نجاة أقل: كيف تنجو بحياتك من الجهل الجمعي؟

يجيب معظم الناس هذه الأسئلة بالنفي، ووفقًا لسنغر، يعني هذا أن عليك (مثلما ذكرت بنفسك) التزام أخلاقي لإنقاذ أطفال يموتون إذا كانت تكلفة ذلك ضئيلة عليك، ممَّا يعني، بحسب سنغر كذلك، أنك مُلزم بالتبرع للجمعيات الخيرية ووكالات المعونة التي تعمل على إنقاذ أطفال يعانون من مجاعات أو حروب،  لأنها تنقذ أطفالًا من الموت ولا تكلفك كثيرًا، وأنت ملزم بفعل ذلك فورًا، لأن التأخير ربما يعني موت أطفال لم يكونوا ليموتوا لولاك.

مع ذلك، لا يعتقد معظم الناس أنهم ملزمون بالتبرع للجمعيات الخيرية، فلماذا، وكيف، يحلون هذا التناقض؟

أُحْجِية الجرَّاح

الصورة: Derrick C. Goode

يرى معظم الناس أن قتل خمسة أشخاص أكثر سوءًا بكثير من قتل شخص واحد، في حال إذا تحتَّم عليهم الاختيار بين الأمرين، ويظهر هذا بوضوح في مشكلة القطار الشهيرة.

هل يجوز أخلاقيًّا قتل شاب واحد لإنقاذ خمسة أشخاص؟

الآن، لنفكر في الموقف الخيالي التالي: أنت طبيب جراحة وسمَّمت خمسة من مرضاك عن عمد، لأنك عرفت أنهم وضعوا اسمك في وصاياهم كمستحق للميراث، فخطر ببالك أن تحقنهم بمادة كيميائية سامة لقتلهم، لكنك ندمت الآن، وتود لو أن بإمكانك إنقاذهم، وإلا فإنك ستكون قاتلًا.

تعمل المادة الكيميائية التي استخدمتها خلال فترة زمنية طويلة نسبيًّا، وتؤثر في الأشخاص بطُرق مختلفة، ممَّا يعني أنك ستنتهي إلى وضع تحتاج فيه إلى خمسة أعضاء مختلفة لإنقاذ حياتهم: رئتين وكليتين وقلب.

في هذه الأثناء، تصادف وجود شاب في المستشفى من أجل إجراء فحص روتيني، واتضح أنه بصحة جيدة ولديه بالضبط نوع الدم المناسب لضمان نجاح العمليات إذا نقلتَ أعضاءه إلى المرضى الخمس المُسمَّمين.

يجب عليك فقط تقطيع أوصال الشاب وتوزيع أجزائه على المرضى، لكن طبعًا بافتراض أن:

  1. الشاب لم يوافق على التخلي عن حياته مقابل إنقاذ الآخرين
  2. لا توجد طريقة ولا وقت لإنقاذ الخمسة إلا في حالة واحدة فقط، هي نقل أعضاء الشاب الآن
  3. لن يعرف أحد مطلقًا ما فعلته

هل يجوز لك أخلاقيًّا قتل الشاب ونقل أعضائه؟ وهل تجعل هذه الحقائق الثلاثة من تقطيع الشاب وتوزيعه على من يحتاجونها أمرًا جائزًا أخلاقيًّا؟

بالنسبة إلى معظم الناس، لا يبدو هذا جائزًا على الإطلاق، مع أننا اتفقنا أن قتل شخص واحد أفضل تقريبًا من قتل خمسة، وبعدم قتل الشاب، ستكون قد قتلت خمسة أشخاص بدلًا من واحد.

كيف تُحل هذه الأحجية إذًا؟ هل عليك قتل خمسة أشخاص رغم أنك لن توافق على ذلك عادةً؟ أم عليك قتل الشاب البريء، وهو شيء لن توافق عليه كذلك؟

الطبيبة التي قتلت جميع الأطفال

الصورة: United States Holocaust Memorial Museum

ربما كانت الأمثلة السابقة نظرية للغاية، لكن المثال المقبل سيريك كيف يسير الأمر في الحياة الواقعية.

في أواخر صيف 1942، كانت «أدينا بلادي شفيغر»، وعمرها 22 عامًا، طبيبة في مستشفى الأطفال في الغيتو اليهودي بمدينة وارسو البولندية، ولم يكن هذا الصيف بالتحديد عاديًّا، فقبل نحو 18 شهرًا، أغلق النازيون بوابات الغيتو، وعملت شفيغر لمدة عام على الأقل في ظروف بشعة، إذ امتلأ المستشفى بالأطفال الذين يموتون جراء المجاعة والسُّل.

تتحدث الطبيبة في مذكراتها عن «هياكل عظمية تتضور جوعًا»، تلعق حواف أوعية الحساء المسكوب على الأرض، وتتحدث كذلك عن محاولات الالتزام بالمبادئ في ظل الفوضى الأخلاقية المُطلقَة. وفي أغسطس عام 1942، أصبح الاستمرار مستحيلًا، إذ بدأ الألمان جمع اليهود وتكديسهم في شاحنات للماشية لإرسالهم إلى «معسكرات الموت»، ولم يكن المستشفى عندئذ مستشفًى، فلم تكن هناك «أجنحة للأطفال، بل فقط مرضى وجرحى ومحتضرون في كل مكان».

قالت الطبيبة شفيغر للأطفال قبل إعطائهم المورفين القاتل: «هذا الدواء سيجعل آلامكم تختفي» وبعد فترة عادت إلى غرفهم فوجدتهم غارقين في النوم.

جاءت اللحظة القاطعة في حياة شفيغر بوصول الألمان إلى المستشفى وبدئهم عملية الإغلاق. تحكي الطبيبة أن إحدى الممرضات توسلت إليها لإنهاء حياة والدتها المسنة، وقالت لها: «لا أستطيع فِعل هذا بنفسي، أتوسل إليكِ، أرجوكِ، لا أريدهم أن يطلقوا عليها النار في السرير، وهي غير قادرة على المشي».

قررت شفيغر في تلك اللحظة صرف المورفين للمرضى، فبدأت أولًا بعائلات موظفي المستشفى، ثم ذهبت إلى القسم الذي يضم أصغر الأطفال الرضع، وأعطتهم واحدًا تلو الآخر جرعة قاتلة من المورفين.

تقول عن هذه اللحظة في مذكراتها: «انحنيت حينئذ، مثلما كنت أنحني قبل ذلك على هذه الأسِرَّة الصغيرة، في العامين السابقين من العمل الحقيقي في المستشفى، وسكبت الدواء الأخير في أفواه الأطفال الضئيلة. ومن الطابق السفلي كنت أسمع الصراخ، لأن الألمان وصلوا بالفعل وبدؤوا نقل المرضى من العنابر إلى شاحنات الماشية».

قالت شفيغر للأطفال الأكبر سنًّا إن «هذا الدواء سيجعل آلامكم تختفي، وعليكم فقط أن تستلقوا على أسِرَّتكم، فرقد الأطفال، وبعد فترة لم أدرك طولها تحديدًا، عُدت إلى غرفهم لأجدهم غارقين في النوم».

حصدت أدينا شفيغر حياة مرضاها الصغار كفصل أخير رأته جزءًا من واجبها في رعايتهم، كي تجنبهم الموت الشنيع والمؤكد على أيدي النازيين. لكن الأطفال والرضع لم يوافقوا على قتلهم بالتأكيد، والمسألة هنا هي ما إذا كانت الطبيبة شفيغر قد فعلت الصواب أم لا. هل تعتقد أن شفيغر امتلكت مبررات أخلاقية كافية لقتل مرضاها في سبيل إنقاذهم من مصيرهم على يد النازيين؟ ماذا كنت لتفعل لو أنك مكانها؟

, , , , ,