لماذا تزعج «MeToo#» الخطاب السائد في مجتمعاتنا العربية؟

الصورة: Getty/Alain Pitton

تامر موافي
نشر في 2018/03/22

أثارت حملة «MeToo#»، التي تحولت مع الوقت إلى حركة عالمية، كثيرًا من النقاشات في الخارج. ومع انتقال الحملة نفسها إلى منطقتنا بصور مختلفة، انتقلت معها بعض هذه النقاشات، وإن اتخذت بالضرورة طابعها المحلي المختلف عن ذلك الذي كان لنظيرتها في الغرب.

ادعاءات التحرش

السؤال الأكثر رواجًا كان: «كيف يمكننا التعامل مع ادعاءات التعرض للتحرش أو الاغتصاب؟».

هذه الصياغة الإشكالية في حد ذاتها تكشف كثيرًا عن حقيقة الخطاب السائد في النقاش. فقبل أي شيء آخر تجعل هذه الصياغة من «الادعاءات» المشكلة التي ينبغي علينا التعامل معها، وهي بذلك تكشف أن المزعج لأصحاب الخطاب السائد هو «الادعاءات»، وما تثيره من «فوضى»، وما تهدد به من عواقب وخيمة. ما تعنيه هذه الصياغة للسؤال أن المشكلة ستُحَل باختفاء «الادعاءات»، ليعود إلى تلك المساحة الصغيرة من المجال العام الذي ثارت فيه هذه الادعاءات هدوؤها المفتقد، ونعود إلى الانشغال بما هو «أهم».

جزء رئيسي من النقاشات، وهو أكثر أجزائها احتدامًا، كان في الواقع يدور حول «متى، وأين، وكيف تُطرَح الادعاءات؟». مرة أخرى، هذا يؤكد أن اهتمام أصحاب الخطاب السائد هو الادعاءات ذاتها، ولكنه يوضح كذلك أن هذا الخطاب السائد نفسه «دفاعي». إنه خطاب ذو انحياز، وهو منحاز ابتداءً إلى هؤلاء الذين تشير إليهم أصابع الاتهام. فهو ليس معنيًّا فقط بالتخلص من الادعاءات المثارة بالتعامل معها (بطريقة ما)، ولكنه مَعنيٌّ في اﻷساس بأن يُضيِّق مجال وجودها في اﻷصل، بأن يفرض قيودًا على المجالين الزمني والمكاني لظهورها، وعلى الصور التي يمكن لها أن تتخذها.

قد يقول قائل إن حملة «MeToo#» نفسها اعتمدت على أن يخرج النساء عن صمتهن، ويشرن بأصابع الاتهام إلى المعتدين عليهن، أي أن يصغن «ادعاءاتهن» وينشرنها في الفراغ العام. الحملة إذًا هي التي وضعت الادعاءات في مركز الاهتمام.

لا يتجاهل هذا القائل فقط ما تصرح به مشاركات في الحملة حول الهدف منها، بل يتجاهل عنوانها نفسه الذي لا يشير إلى الاتهام أو المتهمين، ولا يشير إلى الاعتداء أو المعتدين، ولا يتضمن فكرة الكشف أو الفضح، ولكنه باﻷساس يتعلق بالتكرار «أيضًا»، وبالذاتية «أنا». إنه تكثير للتجربة الذاتية حتى تصبح تجربة عامة وشاملة، في إشارة إلى نمط معيشي تتشاركه النساء جميعًا.

بعبارة أخرى: ما يحمله عنوان الحملة كرسالة هو تذكير بحقيقة أن التعرض للتحرش، للانتهاك، للاغتصاب، جزء من التجربة المعيشية لكل امرأة، إلى الحد الذي يشكل معه جزءًا من ذاتها، من رؤيتها لنفسها وللعالم، ولتفاعلها معه. إنها تجربة معيشة ليس التعرض للعدوان فيها واقعة عابرة قد تحدث لهذه المرأة دون تلك، وإنما حقيقة يومية، إن لم تحدث فعليًّا، فهي هاجس مستمر. وهي في وجودها المستمر في صورة توقع أو واقع، تسهم في تشكيل ممارسة كل امرأة لحياتها.

عنوان الحملة في بساطته الظاهرة يُكثَّف في كلمتين، وتحديدًا في التجاذب الناشئ بينهما، بين ذاتية التجربة، وعمومها. إشكالية رئيسية لقضايا النساء بصفة عامة، وهي إشكالية تكمن في تعاطي الخطاب السائد مع هذه القضايا. فهذا الخطاب يرفض التعميم بإصراره على التعامل مع «الادعاءات»، بمعنى التركيز على الحالات المنفردة المحددة، متجنبًا عمومية التجربة. وهو بتوصيفه للادعاءات على أنها اتهامات تشير إلى جرائم، يحاول القول بأنها، مثل أي نوع آخر من الجرائم، خروج عن المعتاد.

لكنه في نفس الوقت يرفض «الذاتية» حتى في تعامله مع الحالات المنفردة، مطالبًا بالموضوعية. ويقصد بها عادة المعايير العامة للحكم على أي حالة بأنها تمثل اعتداءً ينبغي تجريمه. ويرفض بإصرار شديد أن تكون التجربة الذاتية، أي الحكم الذاتي النابع عن الشعور، لمن وقع عليها الاعتداء هي الفيصل في اعتباره اعتداء.

اقرأ أيضًا: «صيد المتحرشين»: هل تمتلك النساء حق الشكوى حقًّا؟

عمومية انتهاك المرأة

الصورة: James McNellis

يمكننا في الواقع أن نعيد جميع جوانب مواجهة الخطاب السائد لحملة «MeToo#» إلى أحد هذين الجانبين:

  1. تجنب التعميم
  2. رفض الاعتراف بالتجربة الذاتية

في الحالة اﻷولى، يعني الاعتراف بعمومية الانتهاك واستمراريته أن مصدره صلب البنية الاجتماعية وممارساتها الاعتيادية، وليس هامشها اﻹجرامي الذي تمثله الممارسات الخارجة عن المعايير الحاكمة.

بمعنى آخر، تشير عمومية الانتهاك بإصبع الاتهام مباشرة إلى المعايير الحاكمة للسلوك المقبول في المجتمع. وهي بذلك لا تطالب ضمنيًّا بأقل من مراجعة شاملة لهذه المعايير، وليست هذه مهمة سهلة بأي حال، وبخاصة إذا ما أدركنا أن ذواتنا منتج للمعايير الحاكمة للسلوك السائدة في مجتمعاتنا، فأن توضع هذه المعايير موضع المُساءلة يعني مُساءلة ذواتنا نفسها.

المعايير (Norms) هي ما يحدد ما هو طبيعي (Normal)، ومعنى أن يتصرف أيٌّ منَّا بشكل طبيعي أن يتوافق سلوكه مع المعايير. ولا يمكن ﻷيٍّ منا أن يفصل بين كينونته كشخص «طبيعي» وسلوكياته «الطبيعية»، فهذه السلوكيات هي ما يشكل ذاته.

قد يبدو ما سبق مبالغة، لكن بإمكاننا أن نراه واضحًا في المناقشات التفصيلية التي ثارت حول سلوكيات وممارسات اعتبرها الرجال (وكثير من النساء أيضًا) «مبادرة» ضرورية لن تكون أي علاقة بين رجل وامرأة ممكنة دونها، في حين اعتبرتها مشاركات في الحملة «اقتحامًا وانتهاكًا يهدد شعورهن باﻷمان».

ليست «المبادرة» من جانب الرجل تحديدًا وحصرًا ضرورية ﻷي علاقة «طبيعية»، ولكنها ضرورية في اﻷساس، بحسب الثقافة السائدة، ﻷن يكون الرجل رجلًا. وضعُ المبادرة موضع التساؤل، وتحريرها لتصبح غير مرتبطة بالرجل حصرًا، يضع مفهوم الرجولة السائد نفسه موضع تساؤل، وينذر بتحرير موقع الرجل ودوره في العلاقة من ارتباطه بالذكر حصرًا.

يعيدنا هذا إلى الجانب اﻵخر للمشكلة، وهو الذاتية، فأحكام المشاركات على تلك السلوكيات التي اعتبرها الخطاب السائد، مبادرة طبيعية، حوكمت بدعوى «ذاتيتها»، أو حتى اعتُرف بها في هذه الحدود. بمعنى أن المشكلة نُقِلَت لتكون هؤلاء النساء مسؤولات عنها، كونهن حالات «شاذة» عما هو طبيعي، ربما بسبب ظروف نشأة صعبة أو تجارب سابقة قاسية، شوَّهت قدرتهن على تقبل «مبادرات» الجنس اﻵخر «الطبيعية».

هذه بالضبط النتيجة المريحة التي يقود إليها التركيز على «الادعاءات»، فكل ادعاء يمكن التخلص منه على حدة بإقصائه إلى صندوق التجربة الذاتية. وما يرفضه الخطاب السائد تحديدًا هو «عمومية الذاتي»، بمعنى أوضح: المرفوض رسالة «MeToo#» التي تقول إننا أمام واقع عام تشكله التجارب الذاتية.

ليس هناك انفصال بين العمومية وذاتية كل تجربة على حدة. المطلوب هو احترام كل تجربة ذاتية، والاعتراف بها في إطار من الاعتراف بواقع عام ينتج كل هذه التجارب.

اقرأ أيضًا: «#أنا_أيضًا» والشمولية الجديدة: النسوية المعاصرة على طريق القدس

مُساءلة آليات الضبط

الصورة: Voice of America

المعايير السائدة للمجتمع تنزع الخصائص الذاتية الفردية، وتنشئ بدلًا منها ذواتًا جمعية نمطية، تعمل بشكل منهجي على إقصاء أي تجربة ذاتية لا يمكن قولبتها.

مشكلة الخطاب السائد الحقيقية أنه أمام خطاب نسوي لا يتحدى المعايير السائدة فحسب، وإنما يدفع في اتجاه مُساءلة المعيارية ذاتها، وهو بذلك يدخل في تناقض مع اﻵليات المختلفة التي ينظم بها مجتمعنا سلوكيات أفراده، فهو أولًا يرفض تقديم تفرقة حادة وبسيطة بين الصواب والخطأ التي تتطلبها آلية التشريع القانوني. وهو لا يقدم معايير واضحة يمكن ﻵليات الضبط أن تعمل عليها. وأخيرًا يرفض هذا الخطاب تهميش أيٍّ من التجارب الذاتية للنساء، وبذلك يرفض أيضًا الانصياع لما يمكن تسميته بآلية الأمن، التي تقوم على التسليم بأن نسبة ما من الخروج على المعايير ينبغي قبولها، ما دامت تكلفة التعامل معها أكبر مما يمكن أن تحدثه من ضرر.

الآليات الثلاثة المشار إليها بشكل بالغ التبسيط في الفقرة السابقة هي ما أسماها الفيسلوف الفرنسي ميشيل فوكو «تكنولوجيات السلطة في المجتمع الحديث». وعجزُ المعايير السائدة حاليًّا عن الاستجابة لتحدي الخطاب النسوي لها، بأن تقدم حماية مقبولة للنساء في مواجهة الانتهاك اليومي لهن، هو عجز بنيوي أصيل فيها.

هذه الآليات تعمل على البشر فقط من خلال تشييئهم، بمعنى أن تنزع عنهم الخصائص الذاتية الفردية لهم، وتنشئ بدلًا منها ذواتًا جمعية نمطية. وهي بذلك تخلق فردية مصبوبة في قوالب مُصنَّعة سلفًا، ولذلك تعمل بشكل منهجي على إقصاء صوت أي تجربة ذاتية لا يمكن قولبتها أو «عقلنتها»، فتنفيها إلى مساحات الخارج عن القانون، غير المنضبط بالمعايير، الشاذ عن المتوسط الإحصائي، مساحة اللاعقل، أو ببساطة: «الجنون».

في وجه «MeToo#»، استُخدِمت الآليات الثلاثة، اتُّهِمَت مشارِكات في الحملة بخرق القانون من خلال ارتكاب جرائم التشهير والابتزاز، وبُذِلت محاولات لضبط خطاب الحملة وتحجيمه بحصر وجوده الزمني والمكاني، فدعاوى المشاركات إما متأخرة أكثر من اللازم لو تناولت وقائع قديمة، وإما مبكرة أكثر من اللازم لأن المجتمع ليس مستعدًّا للتعاطي معها بعد، وهي خارج المكان المناسب الذي قد يكون ساحات المحاكم لا شبكات التواصل الاجتماعي، أو قد يكون الخاص وليس العام. وأخيرًا، استُخدِمَت ذاتية التجربة للنفي إلى الشذوذ الإحصائي.

ليس المجتمع مستعدًّا بعدُ للتعامل مع خطاب نسوي يستخدم سلاح الفضح، ويحث النساء على الخروج إلى الفراغ العام بتجاربهن الذاتية. ولن يكون مستعدًا لذلك أبدًا لو لم يستمر هذا الخطاب في دفعه إلى اكتشاف عواره وعجز آلياته، وتورطها في إعادة إنتاج القمع. لا يمكننا أن ننتظر أن تغير حملة مثل «MeToo#» العالم في مستقبل قريب، لكنها دون شك تدفع إلى بقعة الضوء عناصر مهمة مما راكمته الحركة النسوية على طول تاريخها من خبرات تتحدى البنى الاجتماعية السائدة.

ما زال الطريق نحو عالم آمن للنساء طويلًا، وتَحفُّه صعوبات أكبر مما كانت النسويات الأوائل يتصورنه، والأهم أن هذا العالم لا يمكن للنسويات الوصول إليه بمفردهن. وعلى كلٍّ منا أن يسأل نفسه إن كان موقف الحياد الموضوعي حيال نضالات النساء ليس في حقيقته انحيازًا للدفاع عن المنظومة الذكورية بالضرورة.


هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.

مواضيع مشابهة