حرف جر

غراميات منكسرة: اجتماع نيتشه وغسان كنفاني وبول إيلوار في قلب واحد

التصميم: منشور

يرسم «ميلان كونديرا»، في مجموعته القصصية «غراميات مرحة»، صورة هذا النوع من العلاقات. نجدها في مختلف أجزاء عمله الأدبي هشةً ولزجةً وساخرةً على غير عهدنا بها. كأن الكاتب يريد مع سبق الإصرار والترصد أن يطلق رصاصة الرحمة على خيال علاقات الحب الكثيفة والقوية، المبدعة للقيم والثوابت، ويُلبسها حُلَّتَه المعهودة وأفكاره العدمية التي صارت عنوان كتاباته البارز.

من الممكن أن نرى كونديرا مبالِغًا في وصف العلاقات العاطفية على هذا النحو من الهشاشة، خصوصًا إذا كنا ممن يبحرون الآن داخل بوتقة إعصار العشق العنيف، أو ممن يؤمنون بأفلاطونيته المطلقة.

في حين يواجهنا الواقع بأكثر من إثبات على مصداقية كونديرا، لا بشكل مطلق بالتأكيد، بل بالكيفية المتشابكة والمعقدة التي تحكم الفعل ورد الفعل البشري، ما يجعل الغراميات الواقعية تنافي تمامًا قصص «سندريلا» و«الأميرة النائمة»، فلا أمير يبحث عن حبيبته التي فرت منه بعد منتصف الليل، ولا فارس يخوض مغامرات لإيقاظ أميرة من أحلامها، الكل قتلى، أو جرحى على أقل تقدير، حينما يتعلق الأمر بالحب.

يقول الفيلسوف «سلافوي جيجيك»: «الحب شر».

غير أن القضية ليست بهذه السوداوية والتشاؤم. فالفيلسوف نفسه في المقطع نفسه يستعير العبارة العلمية القائلة بأن الأجسام توجد بفعل اختلال التوازن الكوني. ويقول إن الحب مثال ذلك الاختلال. وفقًا لذلك، فإن الجراح التي تخلفها الانكسارات العاطفية يمكن لها أن تولِّد مادة إبداعية، خصوصًا إذا تعلق الأمر بذوات مبدعة. أي ذوات تتمتع بحساسية روحية، وأدوات صياغة الوجود في أشكال جديدة، وأقصد هنا طائفة الأدباء والمثقفين.

عرفنا نيتشه عن طريق إرادة القوة، وغسان كنفاني من أدب المقاومة، وبول إيلوار من أشعاره. غير أننا لم نر الثلاثة انطلاقًا من علاقتهم بثلاث أخريات، لهن أثر عميق في حياتهم.

«لو أندريا سالومي» وغادة السمان و«غالا»، لكل منهن يد في صنع مفكرها وكاتبها وشاعرها، أو بالأحرى مآل غرامياتهن من له فضل ذلك الصنيع. غراميات منكسرة ودموية وحزينة تفصح لنا عن عوالم أخرى للتعرف إلى هذه الشخصيات، ومن أكثر زوايا حياتهم حميمية ننظر إلى المادة الإنسانية التي شكلت ذات كل واحد منهم.

قضية لو سالومي: الحب في فلسفة نيتشه

فريدريك نيتشه - الصورة: Royal Opera House

يعتقد نيتشه أن حالة العشق تستوجب نوعين من التعامل: توسيع زاوية النظر إلى الحب لتشمل فيض الآلام القاسية، أو الاستسلام للتوهمات الوردية الذاتية والخاطئة حول ماهيته.

مدينة سورينتي الإيطالية، ربيع 1877. فريدريك نيتشه يُودِع مخطوطًا صغيرًا بين يدي صديقته الكاتبة الألمانية «مالفيدا فون ميزنبورغ»، طالبًا رأيها في ما يحتويه من تأملات في موضوع الجنس الآخر. كان ذلك المخطوط جزءًا من كتابه «إنسان مفرط في إنسانيته». بعد المطالعة ستعيده مالفيدا إليه راجية منه عدم نشره، غير أن المخطوط نفسه سيكون بعدها في رحلته عبر البريد إلى مكتب الناشر.

في هذا الكتاب الذي نُشِرَ أول مرة سنة 1879 يخصص نيتشه فصلًا كاملًا لعرض تأملاته حول العلاقة مع المرأة، هذا الكائن الذي يرى فيه الفيلسوف الألماني عظمة فذة، وفي الوقت نفسه يقسو عليه كل القسوة. تأملات لا يفصل فيها بين الرغبة العاطفية المتقدة والجنس، مع إقامة الفرق بين الحب الذي يحمل رغبة في خلق وجود خاص به و«الفنتازمات» التافهة.

يخلص نيتشه إلى أن حالة العشق تستوجب نوعين من التعامل:

  1. توسيع زاوية النظر إلى الحب لتشمل فيض الآلام الحادة والقاسية
  2. الاستسلام للتوهمات الوردية الذاتية والخاطئة حول ماهيته.

فالحب في طرح نيتشه له ثلاثة تجليات:

  1. الارتباط الطبيعي والمأساوي بالأرض
  2. الانفصال عن الجماعة والتفرد
  3. حب الذات والعمل على تمجيد قوتها وعظمتها

هكذا يرسم نيتشه للحب صورة لا تختلف عن طبيعة فلسفته، فلسفة تتغنى بالقوة باعتبارها القيمة الوحيدة الفعالة في الواقع.

غير أن استحالة فصل هذا الموقف بالذات عن حياته العاطفية، التي يغلب عليها طابع الانكسار المأساوي، دفعت كثير من المهتمين بأعمال هذا الفيلسوف إلى الغوص فيها، مزيحين الستار عن حميميتها، وصولًا إلى استلهام أعمال أدبية من أطوارها، مثل الكاتب الأمريكي «إيرفن يالوم» وروايته «عندما بكى نيتشه».

مع لو سالومي، الشابة الروسية الحسناء، عرف نيتشه أكثر غرامياته مأساوية. فمنذ لقائه الأول بها في روما، الذي كان بترتيب من صديقته مالفيدا، أخذ يبني ارتباطه العاطفي بوجودها، بل ويرى فيها الروح السامية التي نحت معالمها بإزميل أفكاره.

أمر مثير أن نرى هذا الكهل التي توحي معالمه الجسمانية والفكرية بقوة لا تقهر، رجل بجمجمة ضخمة، شارب كث، نظرات فارغة باردة وقاسية، كما تظهر على الأقل في الصور، يتهادى كريشة في هواء العلاقات الاجتماعية العامية، ما يجعلنا نفكر: ألم يكن نيتشه متوهمًا الكمال؟ ألم يخطئ في تعليق آماله الفلسفية على لو سالومي كما أخطأ في تعليقها على «ريتشارد فاغنر» من قبل وخُدِعَ في النهاية بهما؟

أذهب في القول باستحالة الفصل بين نيتشه الإنسان والفيلسوف، فهناك مساحات تماهٍ بين الوجودَيْن، فنيتشه خصص متنًا كاملًا عن علاقته بفاغنر، هو «قضية فاغنر»، وخصص شذرات عديدة لحديثه عن مأساة حبيبته «لو»، نذكر منها مقولة: «إذا ما ذهبت إلى النساء، فلا تنس السوط»، التي أوردها في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، إلى أن انتهى باعتبارهما، أي فاغنر ولو سالوميه، مرضًا يقوِّض أركان الثقافة الألمانية، في تعميم لإحباطه الشخصي منهما.

لم تكن لو سالوميه لنيتشه وحده، بل كانت بشكل غريب ملهمة عظماء عصرها. «بول ري»، «فرويد»، «ريلكه». كلهم تنازعوا قلب سالوميه الجامحة التي رفضت بجبروت أنثوي عروض الزواج التي تقاطرت عليها، وكان أكثرها إغراء عرض فيلسوف القوة الذي انكسر حينها.

انتهت لو سالومي متزوجة من الدكتور «أندرياس»، الذي منحها الحرية في عيش غرامياتها حرة خارج إطار العائلة.

يُورِد «فليكس فارس»، مترجم كتاب «هكذا تكلم زرادشت» في نسخته العربية الأولى، حاشية تقول: «في إحدى حدائق لوزان، جلس نيتشه إلى السيدة لو سالوميه، وفي حديثه معها تملكه الصمت، فرأت دموعه تنهمر، وبدأ يقص عليها تاريخ تطوره الفكري».

هكذا ينقل مترجم الكتاب صورة رقيقة عن شخصية نيتشه، نفس الصورة التي نقلتها «لو» في كتاب «نيتشه»، الذي تقول عنه المفكرة الفرنسية «كاترين كليمون» إن «أول ما نجده عندما نقرأ بضع صفحات منه، بورتريه لافت عن الفيلسوف».

«هذا الفاتن البريء الذي طالما تلقَّى ضربات عاطفية متتالية هو أيضًا إنسان لا يكف عن وضع أقنعة على وجهه، قناع على قناع شبيه بشاربه الكث. وكل شيء فيه يأخذ مكانه: حركاته المحسوبة، لغته المتسربلة بأشكال من التعبير مختلفة، أشواقه التي طالتها رقة أنثوية لم يفت (لو) ملاحظتها، هي التي كانت أكثر رجولية منه بقدر ما كانت متقلبة الأطوار مقارنة به».

وبنفس الكيفية تحيلنا مراسلتهما إلى بورتريه العاشق الذي لا يتوانى عن حبه لها بالعبادة المأساوية والمؤلمة.

كان حب نيتشه للو سالوميه مستحيل الاستمرار رغم انتحاريته على الجانبين: الجانب النيتشاوي الذي منح الذات الحبيبة قدسية مشروعه الفكري، وجانب لو التي قدست الحياة حرة من دون إطار مؤسساتي.

انتهت لو سالومي متزوجة بالدكتور «أندرياس» الذي منحها الحرية في عيش غرامياتها حرة خارج إطار العائلة، وانتهى نيتشه متأوهًا في بيت جدته، غير قادر على الكلام، تنتابه نوبات ألم وصراخ من الأمراض التي أنهكت عظامه، والتي كان أشدها إيلامًا مرض يدعى «لو سالوميه»، إلى أن لفظ آخر أنفاسه سنة 1900.

قد يهمك أيضًا: هل تقتلنا كسرة القلب حقًّا؟

بول إيلوار وغالا: المرأة الخارقة

بول إيلوار - الصورة: Paul Éluard, lettres de jeunesse

في 1959، تلقت فرنسا صدمة قاسية بعد أن غيَّبَ الموت «بول إيلوار»، الذي كان أحد شعرائها العظماء. وكيف يسند جسد أمة طوله إن بقي من دون شاعر؟

كان إيلوار نبض فرنسا الحرة والحالمة خلال أحلك فتراتها ظلمة، هذا ما عبَّرت عنه صحفها في ذلك اليوم، متفقة على أن «رحيل بول إيلوار عن 57 عامًا يحرم فرنسا من شاعر كبير جدًّا، كان نتاجه في الوقت نفسه تجربة في الشعر والحياة».

اعتادت غالا أن تدعو إيلوار بـ«زوجي مدى الحياة»، واعتاد أن يخاطبها بذلك أيضًا.

من يطَّلع على سيرة إيلوار سيعرف عنه خاصيتين: حبه للحرية، وحبه لغالا أكثر. الحرية التي خصها بقصيدة تغنت بها أوروبا طويلًا إبان الحرب العالمية الثانية، وهي واقعة تحت نير الاجتياح النازي. وغالا، الفتاة الروسية التي عشقها وهي في سن 18، وكانت عذاباتها حبر شاعرنا الذي لا ينضب.

غالا، وهذا لقب صاغه بول إيلوار لاسم أصلي سلافي هو «هيلينا ديمتريفنا دياكونافا». التقيا أول مرة في 1912 بمدينة دافوس السويسرية، بعدما جمعهما العلاج من داء السل في المستشفى نفسه. مفتونة بمعرفته الواسعة وشاعريته الفياضة، التحقت به بعدها بأربع سنوات ليتم زواجهما في باريس، وتنجب منه ابنتهما الوحيدة «سيسيل».

دام عسل علاقتهما الفعلية أربع سنوات، بعدها ستبدأ مسيرة الآلام عندما اتخذت غالا عشيقًا هو الرسام الألماني «ماكس إرنست»، أحد الرواد الأوائل للاتجاه السيريالي. وستبدأ معها مسيرة أخرى، مسيرة الرسائل المتبادلة، رسائل تكشف أكثر طبيعة رباط الحب الجامح والغريب الذي كان بينهما. اعتادت غالا أن تدعو إيلوار بـ«زوجي مدى الحياة»، واعتاد أن يخاطبها بذلك أيضًا، إضافة إلى اعتصارات الألم التي كانت تنتابه عندما تجتاح مخيلته صورها وهي في حضن رجل آخر.

كانت أولى رسائله إليها تشرح كيف خاض معركة حبه الضارية، وكيف تورمت عينه بضربة «الخنزير ماكس» بحسب وصفه، وعلى حد قوله أنه لم يُرِد قتله كي لا يُحزن قلبها. ومن وقتها استمر إيلوار في مراسلتها، مطلقًا العنان للفيض الأدبي الأكثر مأساوية وشاعرية في آنٍ واحد.

كانت نكسة غالا على عاطفة الرجل الضربة الأكثر إيلامًا، لم تتفجر شجونها فقط في مراسلاتهما الغرامية، بل اضطرت شاعرنا إلى تحويل موضوع إبداعاته في انقلاب راديكالي يبدو بارزًا إذا ما تتبعنا مسيرته الإنتاجية.

كانت كتابات إيلوار الأولى ذات طابع ملتزم، في تلك الأوقات كانت المقاومة همه الوحيد في واقع كان يشتعل حربًا عالمية. حَمَّل شعره طموح الأبرياء، أمل المدنيين الذين عَوَّضوا الجنود في الخنادق، وفي أقبية باريس التي عادت عاصمة الآلام والحطام، وضرورة الكفاح بكل الأسلحة، وبخاصة الأسلحة الثقافية الأكثر فتكًا بالعدو.

يقول «لويس باروث» في كتابه «بول إيلوار» إن كل الذين شاركوا في حركة المقاومة لا يمكنهم أن ينسوا الإسهام المهم من جانب إيلوار. يقصد باروث هنا الجمع بين الأعمال الميدانية والثقافية المقاومة ضد الحرب وأسبابها، ذلك ما شكَّل فكرة إيلوار التي انخرطت في الممارسة اليسارية، ومثلت إحدى اللبنات الأولى للحركة السيريالية التي انبثقت من رماد الدادائية ذات الهدف الهدَّام للموروث البصري البورجوازي الأوروبي.

ألقت الأشجان التي ولَّدتها غالا بظلالها على فكر إيلوار، وكان ديوان «الوردة العمومية» مفجر هذه الأشجان، إذ يبين لويس باروث أن هذه القصائد لخصت في شكل جمالي كامل خبرة حياة لم تنقطع عن مضاعفاتها، ويوضح أن كل سمات العنف واللامبالاة والغامريات المشرقة التي طبعت أبياته الأولى تحولت إلى محاولة شاقة في استعادة صور بعيدة من خلال قصائد الوردة العمومية.

يقول باروث: «هناك وجه أحبَّه طويلًا يتقهقر إلى منطقة الظل، لكن شيئًا منه انطبع في ذاكرة الشاعر، شيء محسوس يزيد توالي السنين من حساسيته، ما يجعل الجو الروحي الذي كتب فيه قصائده تلك مشبعًا بقلق خفي وعذوبة مفعمة بالشفقة. ومع ذلك، لم تفقد صورة الشاعر ما يميزها من صدق وصواب، لكن الإضاءة التي تغمرها هي التي تغيرت».

إضاءة غالا تسيدت المشهد الشعري الذي رسمه إيلوار بالرغم من المسافة التي كانت تفصلهما، والتي كانت تزيد اتساعًا كلما قفزت من مغامرة غرامية إلى أخرى، جاعلة كل من قابلها يهذي باسمها، ابتداءً من «أندريه بروتون» الذي أسماها «المرأة الخالدة»، نهاية بـ«سلفادور دالي» الذي أسماها بدوره «المرأة الخارقة»، مرورًا بـ«رينيه شار» الذي أهداها قصائد عدة.

لكن ظلت مراسلات بول إليها شاهدًا أدبيًّا مثيرًا يرسم علاقة كان يقول فيها الشاعر ببراءة متناهية إنه لم يكن ليصنع هذا المجد الأدبي دونها، وتوثق عشيقة العظماء بها ضعف بول إيلوار في نظرها، ضعف يعادل ضعفها أمام البدخ والإباحية الفجة التي لم يكن قادرًا على تأمينها لها، والتي وجدتها في دالي، الذي أهدته عمرها إلى أن رحلت عن العالم في يونيو 1982.

قد يعجبك أيضًا: الحب غير المشروط: موجود فعلًا أم خرافة؟

غادة وغسان: بداية أدب مراسلات عربي؟

غلاف كتاب «رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان» - الصورة: دار الطليعة

«إنني أعود إليكِ مثلما يعود اليتيم إلى ملجأه الوحيد، وسأظل أعود: أعطيكِ رأسي المبتل لتجففيه بعد أن اختار الشقي أن يسير تحت المزاريب».

لم يكن تعرُّفي الأول إلى غادة السمان إلا من خلال هذا الاقتباس من رسائل غسان كنفاني إليها، الذي تلقيته بدوري في إحدى الرسائل منذ زمن مضى. كان ذلك الاقتباس من البراءة بما جعلني أغوص في عمق هذه الشواهد الأدبية الجميلة جدًّا، أسبر في أغوارها مواقع التَّماس المثيرة بين أضلاع الثالوث الذي طبع شخصية صاحب رواية «رجال في الشمس»، ثالوث المقاوم والأديب والعاشق في آنٍ واحد، كي أتبين أكثر شتاته داخل المفارقة الغريبة التي عاشها الأديب الفلسطيني، أو كما عبَّر عنها «إدمون شحادة» في روايته «الطريق إلى بيرزيت»: مفارقة الوطن الجسد، والوطن الجغرافيا.

تعرضت غادة لللوم نتيجة نشرها رسائل غسان، باعتبارها إفشاء خصوصية كان طرفها الأساسي يريد أن تظل طي قلبه وقلب معشوقته والورق.

تعرفت غادة، الفتاة الشامية ذات الطموح الأدبي الملحوظ، إلى غسان في ستينيات القرن العشرين في جامعة دمشق. كانت معرفة عابرة أول الأمر، إلى أن أخذت في التعمق لتغدو حبًّا عنيفًا وانتحاريًّا، أو على الأقل هذا ما تعطيه مراسلاتهما من انطباع. غير أن الانكسار ضرورة كانت مفروضة، ولأسباب عدة لم يكن لعلاقتهما أفق، مهما بدا من الروائي الشاب رغبة جامحة في الدفاع عن موقع الحبيب، وثورية في فتح جبهة مقاومة أخرى هذه المرة ضد العشاق الذين صاروا يحتلون قلب غادة بالتتابع.

سيموت غسان، كما كان يأمل، فداءً لقضيته الأم فلسطين، في بيروت سنة 1972 اغتالته مخابرات الاحتلال الإسرائيلي. وفي 1992، ستُنشَر مراسلته الغرامية في كتاب «رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان»، قدَّمت له غادة معللة نشرها تلك الرسائل بأنه «ليس فقط وفاء لعاطفة غابرة متجددة أبدًا نحوه، بل وفاء لرجل مبدع من بلادي اكتمل بالموت، لأنه كان أكثر صدقًا من أن يسمح له عدوه بالحياة والكتابة والاكتمال بالعطاء».

رغم محاولة الدفاع عن براءة ذلك الفعل الذي اكتسب ضجة في الرأي العام العربي لم تخمد إلى اليوم، تعرضت غادة لللوم نتيجة فعلها ذاك، باعتباره إفشاء خصوصية كان طرفها الأساسي يريد أن تظل طي قلبه وقلب معشوقته والورق. وذهب بعضهم إلى اتهامها بالعمالة والتشويش على القضية، خصوصًا أنها كانت تمر بذات المخاض الذي تَوَلَّد عنه اتفاق أوسلو، وفي أهون الحالات قيل إنها تسعى إلى الشهرة وراء اسم «عشيقة غسان كنفاني».

أمام كل هذه الهجمات العنيفة التي تلقتها غادة مقالًا تلو مقال ورسالة تلو رسالة، حتى تجاوز عدد المقالات والرسائل 110 حسب تعبيرها، أخذت في الدفاع عن نفسها بنبرة حادة، واصفةً ما وقع بأنه حملة «حسد هوجاء»، ومسمية أعداءها في ذلك النزال المكتوب «حراس الصمت». صمت أو كبت، هو قراءة غادة لما طالها في ذلك الآن، محوِّرَةً النقاش بذكاء إلى حوار حول «كسر التابوهات في المجتمع العربي»، معبرةً عن ذلك في مقالها المعنون «تطبيع العلاقات مع أدب المراسلات»، قائلة إن «هناك مبدأ لا أحيد عنه أيًّا ما يكون الثمن، وهو عدم إعدام أي نص إبداعي خوفًا من التابو، وتكفيني الحروب التي أحرقت كثيرًا من أوراقي حين أصابت قنبلة غرفة مكتبتي».

قالت إن فعلها ذاك كان ببساطة إسهامًا في تأسيس أدب المراسلات العربي، وهذا كل ما في الأمر، داعيةً إلى نسيان الأشخاص العابرين إلى الموت واحتضان النص.

هكذا تضعنا غادة أمام التباس كبير، خصوصًا أنها، بعد سنوات طويلة، أعقبت نشرها مراسلات غسان بنشر مراسلات الشاعر اللبناني أنسي الحاج، الذي لم يُفصح عن علاقته بها حتى لحلقة معارفه الضيقة.

يُفاجأ قارئ الكتابين بقضية غريبة، هي غياب غادة كذات مراسلة رغم حضورها كموضوع للرسائل، أي أنها نشرت الرسائل الموجهة إليها دون أن تنشر ردودها عليها. ومن هنا تضع غادة قارئها في دوامة حيرة ضبابية، وتدفعه إلى التساؤل حول مدى صدقها وبراءة مطامحها في تأسيس ما أسمته «أدب مراسلات عربي».

غير أنه، وما لا يمكن إغفاله في غرامياتها المنكسرة كما في غراميات كل ما سبق استعراضه من مثقفين، توجد قدرة خلاقة على الإبداع تبدو بجلاء من خلال أعمالهم، ودافعة جامحة إلى إنتاج الجمال والعظمة.