عالمنا

مشاهد من 7 أيام أسقط فيها الأردنيون الحكومة

الصورة: مؤمن ملكاوي

كيف تتعامل مع الملفات الصوتية المرفقة: يمكنك الاستماع إلى كلام المتظاهرين عبر الضغط مباشرة على الاقتباسات (بين علامتي التنصيص) في الموضوع.


ما قبل العاصفة: أجواء هادئة، عشرات الكاميرات والصحفيين والمراسلين، ومؤتمر صحفي على الهواء مباشرة للإعلان عن تفاصيل مشروع قانون «ضريبة الدخل» المعدَّل لتوسيع شريحة المواطنين من دافعي الضرائب. وينتهي المؤتمر بمداعبة بين الناطق باسم الحكومة ووزير المالية للتخفيف من حدة الأوضاع، ومطالبته بتخصيص ميزانية حكومية لصرفها على الـ«إير كوندشننج» كي لا يشعر الوزراء بحرارة الصيف.

بعدها بأسبوعين تقريًبا يُعقد اجتماع آخر، ليس في دار رئاسة الوزراء، وإنما في مجمع النقابات المهنية. يجلس رئيس النقباء علي العبوس مع ممثلي النقابات المهنية، ويتناقشون قانون الضريبة، ويتفقون على رفضه. يعلنون عن إضراب شامل يوم الأربعاء 30 مايو احتجاجًا على مشروع القانون ومطالبة الحكومة بوقفه. ومن هنا بدأت الحكاية.

دعوات الإضراب حازت على قبول كبير من المواطنين الذين يرون أن تعديلات مشروع قانون ضريبة الدخل يمس مواطني الطبقة الوسطى والفقيرة، فقد نصت بنوده على أن يدفع الفرد الذي يبلغ راتبه الشهري 666 دينارًا أردنيًّا، أي بمعدل 939 دولارًا، و1333 دينارًا أردنيًّا، أي بمعدل 1880 دولارًا للعائلة الواحدة، في دولة يبلغ مستوى الفقر بها للعام 2018 20% وفقًا لإحصائيات رسمية تابعة لوزارة التعاون والتخطيط الدولي.

قبول المواطنين للمشاركة في الإضراب لم يكن بسبب قانون الضريبة فقط، فمنذ بداية 2018 اتخذت الحكومة الأردنية جملة من القرارات الاقتصادية التقشفية التي تهدف إلى الخروج من «عنق الزجاجة» كما صرح رئيس الوزراء هاني الملقي، في إحدى المقابلات التلفزيونية، بسبب عجز الموازنة التي أقرتها الحكومة للعام 2018، بعجز يقدر بنحو 1.243 مليار دينار (1.752 مليار دولار)، في حين بلغ صافي الدين العام للأردن نحو 27 مليار دينار تشكل نحو 95% من الناتج المحلي.

رَفعت الحكومة الدعم عن الخبز، وأخضعت 164 سلعة لضريبة المبيعات بنسبة 10%، وأخرى لـ4 و5%، منها الخضار والفاكهة واللحوم، إضافة إلى رفع أسعار المحروقات والكهرباء شهريًّا، وارتفعت معدلات البطالة في الأردن لتصل إلى 18.4%.

«البداية».. اليوم الأول الأربعاء 30 مايو

الصورة: مؤمن ملكاوي

شوارع فارغة من الحركة الشرائية، ومحلات مغلقة، علقت على أبوابها لافتات مكتوب عليها: «أُضرِب اليوم لأعيش غدًا.. لا لقانون الضريبة».

تظاهر آلاف المواطنين أمام مجمع النقابات المهنية في العاصمة عمان رفضًا لقانون الضريبة. ومع تزايد أعداد المحتجين تصاعدت وتيرة الهتافات من سحب قانون الضريبة إلى المطالبة بإسقاط الحكومة، وإعطائها مهلة أسبوعًا لسحب قانون الضريبة، وإلا تجديد الإضراب.

«معناش».. اليوم الثاني الخميس 31 مايو

لم تجد الحكومة الأردنية ردًّا على الإضراب إلا بقرار جديد برفع أسعار المحروقات والكهرباء، بنسبة 5% لشهر يونيو 2018، ما أشعل فتيل الاحتجاجات في الأردن كافة. كان رد الشعب سريعًا بتظاهر الآلاف من المواطنين في مختلف محافظات المملكة، وبالقرب من مبنى رئاسة الوزراء، في الدوار الرابع، رافعين شعارات توضح غضبهم من عدم اكتراث الحكومة للوضع الاقتصادي للمواطنين بقولهم «معناش».

حاولت الأجهزة الأمنية فض الاعتصام، لكن تزايد أعداد المتظاهرين دفع القوات الأمنية إلى الاكتفاء بتأمين مبنى رئاسة الوزراء، وترك الساحة للمتظاهرين حتى ساعات الفجر.

«قرارات ملكية».. اليوم الثالث الجمعة الأول من يونيو

صفاء الجريري - الصورة: مؤمن ملكاوي
الفقير يزداد فقرًا.. الغلاء في كل مكان. هلا جايين على عيد. كل المحلات والتجار وضعهم سيئ.

مع اشتداد وتيرة التظاهر وحِدَّتها، تدخَّل الملك، وأصدر قرارًا بوقف قرار رفع أسعار المحروقات والكهرباء، بشكل مؤقت، للتخفيف عن الناس في شهر رمضان.

توقعت الحكومة أن يهدأ الشارع، ويمتص قرار الإلغاء غضب المواطنين، ولكن المحتجين احتشدوا مجددًا بالآلاف أمام الدوار الرابع، وفي المحافظات الأخرى، واستمرت المسيرات.

صفاء الجريري، صيدلانية تعمل في إحدى شركات التأمين، وقفت بين الآلاف أمام الدوار الرابع تحمل لافتة مكتوب عليها: «ربحنا مباراة.. بس الدوري لسه شغال»، تعبيرًا عن رأيها في استمرار الاحتجاجات رغم إلغاء رفع أسعار المحروقات والكهرباء.

اقرأ أيضًا: إضراب الأردن من ضريبة الدخل وحتى إسقاط الحكومة

«مفاوضات فاشلة».. اليوم الرابع السبت الثاني من يونيو

أحمد الرواشدة - الصورة: مؤمن ملكاوي
كل سنة أو سنتين بنغير حكومة. وكله نفس الإشي. عشان هيك ما بدنا نغير حكومة. بدنا نغير نهج.

حاولت الحكومة التفاوض مع ممثلي النقابات المهنية حول مشروع قانون الضريبة، لكن الاجتماع الذي استمر لبضع ساعات انتهى بالفشل وإعلان النقابات المهنية أن دعوات الإضراب مستمرة حتى سحب القانون.

في قصر «الحسينية» اجتمع الملك عبدالله الثاني بمجلس السياسات الوطني الذي يشمل كبار الوزراء والشخصيات في الدولة الأردنية، ومن ضمنهم رئيس الوزراء، للتحاور بشأن الاحتجاجات الشعبية ومحاولة احتوائها. قائلًا: «ليس من العدل أن يتحمل المواطن وحده تداعيات الإصلاحات المالية، ولا تهاون مع التقصير في الأداء، خصوصًا في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين».

في المساء، استمرت الاحتجاجات في عدة مناطق بالمملكة، وبدأ يظهر بين صفوف المحتجين مشاركة أسر وعائلات كاملة تطالب بتعديل القوانين الاقتصادية، وإسقاط الحكومة، من بينهم أحمد الرواشدة الذي وقف حاملًا طفله على إحدى ذراعيه.

«الأمن الناعم».. اليوم الخامس الثالث من يونيو

الصورة: مؤمن ملكاوي

على غير العادة، عززت القوات الأمنية من وجودها بمحيط الدوار الرابع والطرق المؤدية إليه، وأغلقت الشارع الرئيسي الذي يجتمع فيه المتظاهرون يوميًّا حتى منتصفه، ما أعاد إلى ذاكرة عدد من المحتجين إطلاق مصطلح «الأمن الناعم»، على لسان مدير الأمن العام السابق، حسين المجالي، موضحًا أنه لحماية المواطنين، ومنع أي عمليات تخريبية، في أثناء المظاهرات التي خرجت عام 2012، بسبب ارتفاع الأسعار، وأُطِلق عليها «هَبَّة تشرين»، بعد أن فُضَّت الاحتجاجات، واعتُقِل عدد كبير من المحتجين وقتها. 

تدافعات واحتكاكات بسيطة، حصلت بين صفوف المحتجين وقوات الأمن، لكنها توقفت بعد أن ظهر مدير عام قوات الدرك بين المتظاهرين، قائلًا: «القوات الأمنية موجودة لحماية المواطنين، بشرط التظاهر بشكل سلمي».

رجل أمن يلقبه زملاؤه بـ«أبو سمرا» يمنع المحتجين من الاقتراب من الدوار الرابع ورئاسة الوزراء - الصورة: مؤمن ملكاوي

لينتهي اليوم بـزيارة سريعة لولي العهد الحسين إلى قوات الدرك بمحيط الدوار الرابع، لمطالبتهم بحماية المواطنين، وترك المساحة لهم بالتعبير عن رأيهم، واستدعاء رئيس الوزراء هاني الملقي إلى قصر «الحسينية».

«الشعب يقرر».. اليوم السادس الرابع من يونيو

ديما خرابشة - الصورة: مؤمن ملكاوي
لا يعني استقالة الحكومة التراجع عن المطالب. إزا ما نزلنا على الشارع مش هنقدر نوصل لحقوقنا.

أخبار عاجلة ترد باستقالة حكومة هاني الملقي، وتداول بعض المعلومات حول هوية رئيس الوزراء الجديد، وأن المرشح الأقرب هو وزير التربية والتعليم، عمر الرزاز. يتبعها تصريحات غير مسبوقة للملك عبدالله الثاني بمحاسبة المقصرين في أدائهم الحكومي، والتوعد بإقالة كل من لا يؤدي عمله على أكمل وجه.

لكن الأخبار لم توضح مصير قانون الضريبة، ما أدى إلى استمرار الاحتجاجات أمام الدوار الرابع وعدد من محافظات المملكة، والمطالبة بتغيير النهج الاقتصادي، وليس التغيير في الأسماء فقط.

الناشطة الحقوقية ديما خرابشة تؤكد أن حقوق الشارع يجب أن تُنتَزَع لتنتصر إلى كرامة الشعوب، وهذه الحقوق لن تأتي بالجلوس خلف المكاتب، أو على السوشيال ميديا، وإنما على الجميع الاستمرار بالنزول إلى الشارع والمطالبة بحقوقهم.

محمد الشرقي الخلايلة ومحمد خطار الخلايلة - الصورة: مؤمن ملكاوي
لا يعنينا استقالة شخص معين.. قانون الضريبة هذا بيمس الطبقة الكادحة والفقيرة والمتوسطة والحراثين.

محمد الشرقي الخلايلة، ومحمد خطار الخلايلة، ابنا عمومة، قَدِمَا من محافظة «الزرقاء» من عشيرة «بني حسن» الأردنية للمشاركة في احتجاجات الرابع، أحدهما عسكري متقاعد، والآخر يعمل في سلك التعليم ضمن وزارة التربية والتعليم.

«حكومة جديدة».. اليوم السابع الثلاثاء الخامس من يونيو

شادية طعاني - الصورة: مؤمن ملكاوي
بدنا حياة كريمة عشان نحمي البلد من اللي نهبوا البلد.. الشباب بضلوا سهرانين عشان يثبتوا للعالم كله إنّا موجودين.

أعلن الديوان الملكي رسميًّا بـتكليف عمر الرزاز، رئيسًا للوزراء، وتكليف الحكومة الحالية بتسيير أعمال البلاد، لحين تشكيل الحكومة الجديدة. بينما اجتمع أعضاء مجلس النقابات المهنية مطولًا للتشاور في تعليق دعوات الإضراب أو الاستمرار فيها، ليعلنوا عن استمرار دعوات الإضراب إلى حين سحب مشروع قانون ضريبة الدخل، ولتستمر الوقفات الشعبية في عدد من محافظات المملكة، والدوار الرابع، وتنضم إليهم شادية طعاني، موظفة في إحدى الشركات، والتي لم تمنعها إعاقتها من النزول إلى ساحات التظاهر.

«سحب القانون» اليوم الثامن والتاسع 6-7 من يونيو

الصورة: مؤمن ملكاوي

عدد من القطاعات النقابية أضربت عن العمل بشكل جزئي، محلات ومؤسسات شاركت أيضًا وفقًا لقرار مجلس النقباء باستمرار الإضراب. اعتصم المئات أمام مجمع النقابات المهنية في العاصمة عمَّان للمرة الثانية، وهتفوا عاليًا: «الشعب يريد سحب القانون».

بينما كانت تعلو الهتافات أكثر فأكثر، عمَّ هدوء عام بين الجماهير، بسبب تصريح رئيس مجلس النقباء، بـ«تعليق الإضراب، وإعطاء الحكومة مهلة». وهنا ساد غضب عارم بين الجماهير، وتغير هتافهم إلى «باعوها باعوها».

ليقرر المجلس عقد جلسة طارئة، للتشاور في الحدث، وبعد ساعات من الانتظار، خرج النقباء إلى الشارع، مصرحين بأنهم مستمرون حتى سحب القانون.

لم يهدأ الشارع ليلًا، وكانت الاحتجاجات في محيط الدوار الرابع في ليلته الثامنة، أكثر حدة مما سبق، بسقف أعلى من الهتافات التي تطالب برد سريع لسحب القانون، وإجراء تعديلات على القوانين الاقتصادية الأخرى التي أقرتها الحكومة منذ مطلع العام.

صباح اليوم السابع من يونيه، عقد رئيس الوزراء المكلف عمر الرزاز اجتماعاً مع رئيس مجلس النواب والأعيان، مصرحًا بأن «هناك توافقًا على سحب مشروع قانون ضريبة الدخل». تلاه اجتماع مع مجلس النقباء، أكد سحب القانون، و«مأسسة النهج الاقتصادي»، وإجراء حوار وطني اقتصادي حول القرارات الاقتصادية كافة.

رئيس الوزراء المكلف عمر الرزاز يتعهد بسحب قانون الضريبة

لم تشهد الأردن حراكًا سياسيًّا كهذا على صعيد شعبوي منذ اندثار «هبَّة تشرين» 2012، والتي لاحقتها لعنة الحراك لكثيرين ممن سعوا إلى التغيير، لكنه عاد، وتجدد في #إضراب_الأردن.

نفَّذ الشعب ما قاله الملك في أحد اجتماعاته مع طلبة الجامعة الأردنية: «اضغطوا انتوا من تحت حتى أضغط من فوق».

ضغط الشعب بالفعل من «تحت» ليتبقى في من يده القرار أن يضغط من «فوق».

يمكنك الاستماع إلى مزيد من الهتافات التي ترددت في الشوارع الأردنية عبر الضغط هنا.