عالمنا

هل ينحاز فيسبوك لإسرائيل ضد الفلسطينيين حقًّا؟

الصورة: Getty/Anadolu Agency

تواجه حسابات الفلسطينيين وصفحاتهم على فيسبوك حملة شرسة من الحظر والإغلاق بدعوى التحريض على الإرهاب والعنف. تلك الحملة بلغت ذروتها بعد اغتيال أحمد جرار، إذ رأت المنصة الاجتماعية أن كل من ينشر صوره «يساند شخصية إرهابية، ولا يجب وجوده على فيسبوك».

ينقل موقع «صدى سوشال»، المهتم بأرشفة انتهاكات فيسبوك ضد المحتوى الفلسطيني، حظر مئة صفحة على خلفية تصفية جرار، وحذف صفحة الناشط علي السمان بعد نشره رثاءً لجرار، وكذلك صفحات أسرته، وصفحة شبكة «النورس» الإخبارية، وصفحة مجلة «إشراقات»، وصفحة «محبي الشهيد أبو عمار»، وصفحات أخرى.

إياد الرفاعي، مؤسس صفحة صدى سوشال، قال لـ«منشور» إن فيسبوك أكد أن سبب غلق تلك الصفحات أنها «تساند شخصيات إرهابية، ومن غير المستحب وجودها». أما غالب أبو شاكر، مؤسس صفحة «حكاية شهيد» التي حُذِفت أكثر من مرة، فيرى أن «فيسبوك يتعامل مع الشهداء باعتبارهم شخصيات إرهابية يجب حذف من يتناول سيرتهم».

إسرائيل على فيسبوك: تحريض واضح؟

الصورة: حملة

هناك مئات الصفحات الإسرائيلية التي تحرض بشكل كبير ضد الفلسطينيين، لكن فيسبوك لم يتخذ أي إجراءات حيالها.

في الثامن من مارس 2018، نظم عدد من الصحفيين الفلسطينيين وقفة احتجاجية أمام مقر الأمم المتحدة في غزة رفضًا لسياسات فيسبوك ضد المحتوى الفلسطيني، سواء بالحذف أو بحظر صفحات عدد من الناشطين وحساباتهم، ورأوا أن ذلك يأتي ضمن سياسة التمييز التي تتبعها إدارة فيسبوك بتحريض مباشر من الحكومة الإسرائيلية.

يوضح صالح المصري، رئيس لجنة دعم الصحفيين في قطاع غزة، أن «إدارة فيسبوك تمارس تمييزًا واضحًا ضد المحتوى الفلسطيني، فهي لا تتبع السياسات المعمول بها قبل حذف أي صفحات للنشطاء الفلسطينيين، مثل التنبيه أو الرد لبيان أسباب الحذف، التي تكون أحيانًا غير منطقية، وفي أحيان أخرى لا تجيب على رسائل الاستفسار عن أسباب الحذف».

لكن هل هناك معاملة بالمثل؟

الصورة: حملة

يؤكد المصري لـ«منشور» أن هناك مئات الصفحات الإسرائيلية التي تحرض بشكل كبير ضد الفلسطينيين، لكن إدارة فيسبوك لم تتخذ أي إجراءات حيالها.

التحريض الواضح ضد المحتوى الفلسطيني أكده كذلك الناشط عامر أبو عرفة، الذي أرسل بلاغًا إلى فيسبوك عقب نشر إحدى الصفحات الإسرائيلية صورة قتيلة فلسطينية عارية تمامًا عقب إطلاق نار عليها، وكان الرد أن «الصورة لا تخالف سياسة فيسبوك، لكن سيتم وضع شارة +18 عليها».

المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي «حملة» يوضح أن 82% من الخطاب العنيف ضد الفلسطينيين موجود داخل صفحات إسرائيلية على فيسبوك.

هناك صفحات ومجموعات إسرائيلية يمينية تمارس السخرية والتحريض ضد الفلسطينيين على مدار العام، وفقًا لـ«حملة»، بينما يحظر فيسبوك بالتزامن مع ذلك ويغلق عشرات الحسابات والصفحات الفلسطينية.

وأشار المركز إلى أنه في عام 2017 نُشِرت 445 ألف دعوة إسرائيلية لممارسة العنف وتحريض عنصري وشتائم ضد الفلسطينيين، بمعدل منشور تحريضي كل 71 ثانية، وكتب 50 ألف متصفح منشورًا عنيفًا ضد الفلسطينيين، إضافة إلى أن واحدًا من أصل تسعة منشورات عن العرب تحتوي على شتيمة أو دعوة لممارسة العنف ضد الفلسطينيين، وشكلت مدينة القدس المحتلة محور الخطاب العنيف، وكان نصيبها 50 ألف شتيمة.

أسباب الحظر والحذف

«توقفت عن نشر صور ملثمين.. ربما تكون خطوة إلى الوراء».

«حكاية شهيد» من الصفحات التي حُظرت أكثر من مرة رغم أنها لا تقدم أي تحريض، حسبما يشدد مؤسسها شاكر أبو غالب: «حُذفت الصفحة 13 مرة، وفي إحدى المرات كان عدد المعجبين 35 ألفًا تقريبًا، ومرة أخرى كان 16 ألفًا، وفي كل مرة نجد الصفحة اختفت دون سابق إنذار، ويُغلَق حساب الأدمن الرئيسي، وتُحظر حسابات المحررين، ولا نستقبل ردودًا على استفساراتنا في حالة مراسلتهم».

يوضح أبو غالب لـ«منشور» أنه «ببساطة، عندما يحذفونها ننشئ صفحة أخرى، لأن الشعب الفلسطيني مجتمع فيسبوكي في الأساس».

«مش هيك» صفحة فلسطينية ساخرة نالت نصيب الأسد في عدد مرات الحظر، فقد بدأنا في مراسلتها، وقبل إتمام المحادثة حُظِرت من جديد للمرة الثامنة، لتعلن الصفحة عبر إنستغرام عن صفحة تاسعة.

لم يسلم المدون الفلسطيني علي خالد من الحذف، فقد تعرَّض حسابه الشخصي للإغلاق، وكان يضم 80 ألف متابع، وحُذفت صفحته «علي قراقع» التي ضمت 235 ألفًا.

فبعد نشره صور ملثمين من كتائب المقاومة، رأى فيسبوك أن ما ينشره محتوى تحريضي: «الحذف كان يحدث يوميًّا لمدة ثلاثة أيام متواصلة، وبشكل مكثف، وكأن هناك شخصًا متفرغًا لي تمامًا. هذه حملة ممنهجة بشكل غير طبيعي، وأنا مهدد بالحذف في أي وقت. توقفت عن نشر صور ملثمين مؤقتًا، وأنوي التعامل مع المنشورات وصياغتها بطريقة لا تؤدي إلى حذفها في النهاية، وإيصال المعنى المطلوب، ربما هي خطوة إلى الوراء».

استهداف الصحفيين الفلسطينيين

الصورة: صدى سوشال

الصحفي الفلسطيني عامر أبو عرفة تعرض حسابه للحظر أكثر من مرة، رغم أن عمله يقتضي نشر الصور، وتكون مصحوبة بخبر في الغالب، إلا أنه عندما خاطب فيسبوك بشأن ذلك لم يرد أحد عليه.

يظن أبو عرفة أن سياسة تمييز المحتوى الفلسطيني تعود إلى اتفاقات مبرمة مع إسرائيل، حتى أن «موظفة سابقة في حكومة الاحتلال تعمل الآن مسؤولة عن سياسات فيسبوك».

«منشورات المقاومة تتعرض للحذف لأنها تحتوي على صور مجاهدين، أو أسلحة وصواريخ، وبعض صور فعاليات ضد الاحتلال، وكل ثلاثة أشهر تقريبًا يتكرر الحذف بشكل ممنهج. إعلام المقاومة مستهدَف بشكل خاص، وكل ذلك ناتج عن التواطؤ بين فيسبوك والاحتلال»، وفقًا للصحفي محمد الزعانين، الذي حُذف حسابه دون أن يتلقى ردًّا من فيسبوك.

يوضح الزعانين لـ«منشور» أن هناك مميزات لا يمنحها فيسبوك للصفحات الفلسطينية، مثل العلامة الزرقاء الخاصة بتوثيق الحساب أو الصفحة، وفقدنا كثيرًا من صفحات منصات إعلامية وحسابات صحفيين ونشطاء، وهي سياسة مُتَّبَعة منذ 2015، حتى أننا عندما نريد التواصل مع فيسبوك نفعل ذلك عبر أصدقاء من خارج غزة، لأن رسائلنا الإلكترونية لا نتلقى ردودًا عليها».

خط مفتوح بين الكنيست وفيسبوك

حصار على الأرض.. حصار على الإنترنت

 وفق تقرير لجنة العلوم والتكنولوجيا في الكنيست الإسرائيلي، أرسلت النيابة العامة إلى فيسبوك ما يقرب من 12 ألف نداء لحذف محتويات ومنشورات في 2017، استجاب لـ85% منها.

وبحسب التقرير ذاته، عُقد اجتماع داخل الكنيست بمبادرة العضو «رفيتال سويد» في أعقاب نشر عدد من الفلسطينيين صورة جرار على صفحاتهم الخاصة، ما اعتبرته لجنة الكنيست إرهابًا واضحًا، وطالبت فيسبوك بمنع تكرار ذلك، وحمَّلتها مسؤولية نشر الصورة، وشددت على إزالة ما أسمته «محتويات إرهابية».

كان الرد الأكثر غرابة من فيسبوك أن كل ما يُنشر يمر بمرحلة مراقبة، لكن في حالة نشر صور جرار وقع خطأ: «نعلم أنه يمكن أن نفعل أكثر من هذا، ونبذل جهودًا عبر وسائلنا التكنولوجية لمواجهة تلك الأمور».

قد يهمك أيضًا: تستطيع أن تصنع السلام إذا اقتنعت أنك قد تكون الشرير

حملات تصعيد فلسطينية

الصورة: صدى سوشال

في تقرير عن استخدام الفلسطينيين وسائل التواصل الاجتماعي عام 2017، احتل فيسبوك المرتبة الأولى بنسبة وصلت إلى 80%، ثم يوتيوب بنسبة 70%، ما يعني أهمية هذين الموقعين عند الفلسطينيين مقارنةً بالشبكات الاجتماعية الأخرى.

صفحة «صدى سوشال» عمل شبابي تطوعي يهدف إلى توثيق ما وصفوه بـ«السياسة التمييزية» ضد المحتوى الفلسطيني، وإصدار بيانات دورية عن عدد الصفحات والحسابات التي أُغلِقت أو حُذِفت.

منسق الصفحة إياد الرفاعي يوضح أنهم يحاولون أرشفة انتهاكات فيسبوك ضد المحتوى الفلسطيني: «نتواصل مع إدارته لمعرفة أسباب الحذف أو الحظر، وتأتي في مجملها بسبب نشر أخبار أو منشورات تحريضية، على حد زعمهم».

أطلق النشطاء الفلسطينيون هاشتاغ «FBfightsPalestine#» للتصعيد ضد فيسبوك، ووصل عدد المغردين عليه إلى 50 مليون شخص، بحسب الرفاعي، الذي يشرح لـ«منشور» أن «هناك خطوات تصعيدية قريبًا، منها وقف النشر على فيسبوك، وتنظيم وقفات احتجاجية أمام مكاتب الموقع في نيويورك وتل أبيب، ودعوات لإيقاف الإعلانات الممولة».

يُعوِّل صالح المصري، رئيس لجنة دعم الصحفيين في قطاع غزة، على تلك الحملات، التي تُحدث حراكًا كبيرًا في الشارع الفلسطيني ينتج عنه حراك وتفاعل في الشارع العربي: «أصدقاء القضية الفلسطينية عربيًّا وعالميًّا ربما يقاطعون صفحات فيسبوك ويتجهون إلى منصات أخرى، إذا ظل الموقع يتعامل بهذا التمييز ضد المحتوى الفلسطيني».

تجاهُل عربي «افتراضي»

عدَّل فيسبوك خريطة القدس لتشمل الأحياء الاستيطانية التي أنشأها الاحتلال بعد 1967.

أحمد بركات، خبير السوشيال ميديا، يرى أن العرب يتعاملون بشكل غير ممنهج في ما يخص دعم القضية الفلسطينية: «لا بد من الإبلاغ بشكل مكثف عن الانتهاكات التمييزية التي تُمارَس من اليهود على صفحات فيسبوك، فالإبلاغات مكثفة من طرف واحد فقط: إسرائيل».

تتفق معه هناء الرملي، خبيرة التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي، وتضيف أن الحذف والحظر يحدث نتيجة «الإبلاغات التي تصل إلى إدارة فيسبوك بشكل منظم وعلى كل منشور، سواء كان خبرًا أو صورة أو مقطع فيديو، وتدَّعي أنه يدعو إلى الكراهية والعنف والعنصرية، بينما يكون التبليغ من جانب الفلسطينيين بشكل فردي»، وتقترح صياغة المنشورات بطريقة ذكية، تحمل المضمون والهدف دون التقليل من قيمة المنشور والقضية.  

اقرأ أيضًا: 10 سنوات من الانقسام الفلسطيني: كيف يبدو مستقبل غزة مع الحصار؟

فيسبوك يعترف: نحذف منشورات النشطاء

الصورة: صدى سوشال

اعترفت إدارة فيسبوك بأنها حذفت منشورات نشطاء وصحفيين فلسطينيين بطلب من الحكومة الإسرائيلية، واعترفت كذلك بأنها تغض الطرف عن منشورات تحريضية ضد الفلسطينيين.

ووسط صمت عربي، عدَّل فيسبوك خريطة مدينة القدس لتشمل الأحياء الاستيطانية التي أنشأها الاحتلال بعد 1967، وذلك بعد تلقيها «شكاوى» من مستوطنين يهود، لتتوسع ميادين الحروب التي يواجهها الفلسطينيون، فلم تعد مقصورة على الحصار والتضييق على الأرض، بل انتقلت إلى العالم الافتراضي أيضًا.

, , , , , , ,