وجدنا عليه آباءنا

فلنتوقف عن إهدار العمر في كلية التجارة، ونبدأ حق ممارسة الجنس

الصورة: Faris knight

 (1)

لماذا نرى «بات مان» بطلًا خارقًا لمجرد أنه رجل غني، بينما نجيب ساويرس ليس خارقًا رغم أنه أغنى؟

ماذا كان يقصد الفنان محمود عبد العزيز عندما قال: «تعال تاني، في الدور التحتاني»؟ ولماذا سيأتي في الدور التحتاتي؟

وما الذي فعلاه عندما جاء له أول مرة؟

لماذا ارتدى المصريون الطربوش قرونًا؟ وما الذي حدث فجأة لنكتشف أنه لا معنى لوجود شيء أحمر أسطواني فوق رؤوسنا؟

لماذا يلتحق الملايين بكليات التجارة والحقوق إذا كنا بعدها سنقول لهم أن يلقوا بشهادتهم الدراسية على الأرض؟

كلها أسئلة دون إجابات .

(2)

سيخبرك بعضهم بأن عليك بالزواج المبكر، وآخرون سينصحونك بأن تخوض علاقات خارج إطار الزواج. الأمور بسيطة عند الطرفين، وأنت فقط لا تمارس الجنس لسبب غيبي لا يفهمونه.

«مش هينفع تشتغلوا بالشهادة بتاعتكم، اللي مش هيلاقي شغلانة في التخصص بتاعه ما يقفش، ويشتغل أي وظيفة لحد ما يلاقي شغل تاني بشهادته، بدلًا من الجلوس في المنزل أو الكافيهات».

جمال سرور، وزير القوى العاملة المصري، مناشدًا الشباب بالبحث عن وظائف أخرى بعيدة عن مجالهم. القاهرة،  ديسمبر 2015

(3)

أنتَ لم تلمس الجنس الآخر رغم أنك تقترب من 30 عامًا؟

سيقولون لك: الحل سهل. يبتسمون في وجهك بسماحة، ويخبرونك بأن عليك بالزواج المبكر، فـ«كل شيء موجود في الدين». وآخرون سيقولون لك بعصبية: الحل بسيط، فلنفعل مثل الغرب، ولنخض علاقات خارج إطار الزواج. الأمور بسيطة جدًّا عند الطرفين، وأنت فقط لا تمارس الجنس لسبب غيبي لا يفهمونه.

يخدعونك، الحقيقة أنك لن تفعل أبدًا.

عمرك يضيع، ونفس من ينصحونك سبق وأن ضاع عمرهم، تابع معي الرحلة.

(4)

«قاعد ليه؟ ما تقوم، البلد تتحرك، والناس بتدوَّر على عمالة».

«لا، أصل أنا معايا شهادة عليا ومش..».

«إيه يعني شهادة عليا؟ مبتشتغلش يعني..».

«لا، أصل أنت مش واخد بالك، أنا مقدرش اشتغل عامل في مصنع، أنا مكاني..».

«مكانك  في أي حته تأكِّلك عيش. يعني عاجبك منظرك ده؟ و لا تشوف لك شغلانة تكسِّبك».

إعلان بثته الدولة المصرية عام 2008، وينتهي الإعلان بـ:

«فيه واحد معه شهادة ركب القطر واشتغل، قوم واشتغل قبل القطر ما يفوتك».

(5)

يقولون تخرج في كليات الحقوق والتجارة ثم اعمل في غير تخصصك، دون أن يفسروا لك لِمَ تهدر سنوات في التعليم، ثم سنوات أخرى لتتعلم المطلوب في سوق العمل.

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري أن نسبة العاطلين من حَمَلة الشهادات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية 91.9%، من إجمالي العاطلين خلال الربع الأول من 2017.

هناك أشياء تؤدي بك إلى البطالة، وأولها شهادتك الدراسية.

نسبة العاطلين 40% بين حَمَلة المؤهلات الجامعية وما فوقها.

نعم، شهادتك الجامعية التي بذلت سنوات لأجلها تؤدي بك إلى ضياع مزيد من عمرك كعاطل.

اقرأ أيضًا: سجن العمل: كيف تحولت حياتنا إلى عبء لا يحتمل؟

ظل التعليم الجامعي المصري، منذ انطلاقه في أوائل القرن العشرين، وسيلة للارتقاء الطبقي، لأنه يضمن فرصة عمل عبر تدريس تخصصات المجتمع في حاجه إليها. في أواخر القرن العشرين أصبحت هناك كليات قمة، كالهندسة والصيدلة والطب واللغات، هي التي يحتاجها سوق العمل، بينما عشرات الكليات لا تؤدي إلى أي شيء على الإطلاق.

مرت السنوات ولا أحد يسأل سؤالًا غاية في البساطة: لِمَ التوسع في عدد المقبولين في كليات لا نحتاج لكل هذا الكم من خريجيها؟ أصبحت النكتة أن وراء كل حجر من الحجارة خريج تجارة.

يقولون: تخرج في هذه الكليات، ثم اعمل في غير تخصصك، دون أن يفسروا لك لِمَ ألحقوك بتخصص كهذا أصلًا، إن كانت سوق العمل لا تحتاجه. لِمَ تهدر سنوات في التعليم الجامعي، ثم سنوات أخرى لتتعلم المطلوب في سوق العمل؟ إذا كانت سوق العمل مشبعة بالمحاسبين والمحامين، حتى إن المتخرجين بالفعل لا يجدون عملًا، فلِمَ نضيف إلى طابور العاطلين فردًا جديدًا؟

(6)

الفرد الجديد هذه المرة هو أنت.

يجعلونك تنفق نصف عمرك في التعليم والنصف الآخر في نسيان ما تعلمته.

البديهي أن كل جامعة تدرس كل عام حاجة المجتمع المستقبلية، وتخطط لما يحتاجه بعد أربع سنوات من كل تخصص، لكن «البديهي» لا يحدث.

إجمالي خريجي العلوم الاجتماعية والأعمال التجارية والقانون 93.1 ألف خريج بنسبة 30.2% من خريجي مصر عام 2014، فهل تستوعب سوق العمل كل هؤلاء؟

يذبحون عمرك، يعلمون ما نعلمه، لكنهم تنقصهم الجرأة، وليس الإدراك.

لا توجد دولة تُخطط، والمدرج ممتلئ بالآلاف، والدراسة كتاب تافه شراؤه جزء من راتب الأستاذ الجامعي، ولا يوجد بحث ذاتي أو طالب يعتمد على نفسه في تحصيل المعلومة.

لا تعليم ولا عمل، مجرد إهدار منظم لحياتك.

(7)

لا يمكنك الهرب، أنت محبوس هنا.

لو قررت العمل خلال دراستك بالكلية، فشهادتك تعادل محو الأمية في سوق العمل، فأبسط المهن تشترط مؤهلًا جامعيًّا حتى وإن لم يكن له أي علاقة بطبيعة العمل.

مراحل التعليم غير منتهية، والثانوية العامة لا تؤهل لعمل محدد، ويقنعونك بأن عليك الحصول على بكالوريوس «خدمة اجتماعية» لتتمكن من العمل مندوب مبيعات.

إذا اخترت إدارة محل مثلًا، فلا أحد يدربك كيف تتعامل مع العملاء أو التجار، ليتهموك في سوق العمل بانعدام الكفاءة والجهل رغم أنك، للمفارقة، أهدرت سنوات عمرك كلها في التعليم.

(8)

إدراكك أنك تدرس هراءً لا علاقة له بحاجة سوق العمل يُفقدك الحافز، وبمرور الوقت تفقد الرغبة في الدراسة.

نظام تعليم مصمم للتفرغ له.

كل تفاصيله تجبرك على ألا تعمل خلال الدراسة أو تستقل بنفسك: مواعيد الحضور، اختيارات المواد، كل شيء.

لسنوات أنت سجين مسار تعليمي متخلف باعتباره وسيلتك الوحيدة للترقي الطبقي.

ثمن غالٍ تدفعه، عمرك نفسه، والأسوأ أنه لا ترقي طبقيًّا في نهاية الرحلة.

التعلم عمل إيجابي، لا يحدث إلا في ظل رغبتك في التلقي. وإدراكك أنك تدرس هراءً لا علاقة له بحاجة سوق العمل، يُفقدك الحافز، وبمرور الوقت تفقد الرغبة في الدراسة.

لحظتها سيخبرونك بأنك فاشل، وسيعاقبونك بإبقائك سنوات إضافية.

(9)

تتصور أن بإمكانك أن تدرس ما تشاء لتعمل به؟

حتى هذه لا. يفرضون عليك التخصص عبر مكتب التنسيق، لا يهم حاجة سوق العمل، ولا تصورك لمجال تفوقك المهني.

طلبة الثانوية العامة عام 1962 في مصر أول الخاضعين لمكتب تنسيق القبول في الجامعات. يقال لك إن هذا يحقق المساواة لأن النظام فاسد، وعليك أن تتحمل نتيجة فسادهم.

لا أحد يهتم بأن تختار الكليات طلابها عبر امتحان قدرات شبيه باختبارات الكليات العسكرية والرياضية أو الفنون الجميلة، أو وفقًا للمجموع في مواد بعينها مرتبطة بالتخصص الذي سيدرسه.

لماذا لا أحد يهتم؟ لأنهم لا يرونك مهمًّا أصلًا.

قد يعجبك أيضًا: أدبي أو علمي: هل علينا أن ندرس الفنون؟

(10)

أعلم ما تفكر فيه: العمل خلال الدراسة؟

صح؟

(11)

«هُمَّ الكبار لاقيين شغل أما نلاقي شغل لعيل عنده 20 سنة؟».

هذا ما يقال لك بسماجة يعقبها الـ«هههههه» الشهيرة، ليغلقوا آخر باب في وجهك. لكنك إضافةٌ إلى سوق العمل ولست اقتطاعًا من نصيب أحد.

سوق العمل لا يحتملك، تمامًا كما لا يحتمل الإناث لأنهن سيزاحمن الذكور، تمامًا كما لا يحتمل اللاجئين السوريين الذين يزاحمونا في لقمة عيشتنا.

سوق العمل (سبحان الله)  دومًا لا يحتمل العنصر الأضعف.

اقرأ أيضًا: عبودية القرن الواحد والعشرين: تجارة البشر لا تزال مربحة

(12)

يقول «مالكوم إكس»: الحق لا يُعطَى لمن يَسكت عنه. اصنع بعض الضجيج لتحصل على ما تريد.

يقال لك إنك مجرد عيل.

أنت عيل، ليس لأن عمرك 18 عامًا، أنت عيل فقط إن تركتهم يُعيِّلونك.

ما تراه ليس نظامًا تعليميًّا فاشلًا، هذا عمرك أنت.

حياتك تضيع، علمهم يولد الجهل، يكرهون العلم، ويحبون التعليم، ففكرتهم عن التعليم أن الكتاكيت تدخل من ناحية، وتقضي سنوات طويلة في مكان ما، ثم تخرج دجاجًا من الناحية الأخرى.

نظام تعليمي يعمل بمبدأ «فأغشيناهم فهم لا يبصرون»، يفرز أرواحًا باهتة كلون ستائر مكتب وزير التعليم.

القصة ليست مجرد نظام تعليمي متهالك، بل حقوقك الأساسية.

حق العمل مسلوب، وبالتالي حق الاستقلال المادي، وحق إشباع الحاجات الأساسية مسلوب كذلك.

نظام يعطل استقلالك بنفسك ليس نظامًا على الإطلاق، ولو انتهيت بحياة بائسة لأنك قلدتهم في فشلهم، فأنت تستحق هذه الحياة.

يقول الصديق «مالكوم إكس»: الحق لا يُعطَى لمن يَسكت عنه. اصنع بعض الضجيج لتحصل على ما تريد.

اجلس جنب أمك كما يريدون لك، لكن لا تتوقع أن تنال حقك في الاستقلال بحياتك.

عزيزي، ليس صحيحًا أن أحدًا لا يملك الحقيقة المطلقة، فمن ينفق عليك في المنزل يملكها، ومن يشترون لك ملابسك هم وحدهم من سيقررون لك متى تخلعها، فلا أحد ينفق على بغال تعاشر بعضها في بيته.

لا يوجد حل جماعي في الأفق، فلتصنع بعض الضجيج يا عزيزي.

اعتمد على نفسك مبكرًا. إن لم تنجُ بغيرك، انجُ بنفسك.


لمعرفة كيف استفحلت الأزمة الجنسية ومتى، اقرأ للكاتب: فلنتوقف عن الكذب على أنفسنا، ونبدأ حق ممارسة الجنس

, , , , , , , ,