يهمني الإنسان

تاريخ من الأذى: هل يتحيز الطب ضد النساء؟

الصورة: Getty/Michele Constantini

تخيل أنك تسير في الطريق لتجد أحدهم يسقط على الأرض لا يتنفس، لا بد أن الإجراء الذي يطرأ على ذهنك هو ضرورة عمل إنعاش قلبي. لكن ماذا لو كان هذا الشخص امرأة؟

وفقًا لإحدى الدراسات، لن تكون تلك المرأة محظوظة، فالنساء أقل حظًّا من الرجال في الحصول على إنعاش قلبي.

عنصرية الألم

كان الزواج في العصور القديمة العلاج الذي يوصف للمرأة التي تعاني اضطرابات نفسية. وفي يومنا هذا إذا اشتكت النساء من الألم، فإن نسبة أن يُكتَب لهن مهدئات أكبر من نظرائهن الرجال الذين يوصف لهم مسكنات للألم، وفقًا لدراسة علمية تعزي هذه النتائج إلى «التاريخ الطويل المترسخ داخل ثقافتنا عن قدرات النساء المحدودة في الإقناع والتفكير»فالرجال يصفون أعراضهم بشكل واضح وبطريقة متطلبة، بينما المرأة لا تعطي وصفًا واضحًا لأعراضها، مثلما تكون أكثر رفضًا للإجراءات الجذرية، مثل العمليات.

في كتابها «Heal Me: In Search of a Cure» توثق «جوليا باكلي» تجربتها في تأخر علاج ألمها منذ سن المراهقة، فتقول: «تحتاج النساء إلى أن يَكُن أكثر إلحاحًا، ولا يبالغن في توقير الأطباء كثيرًا، فهم ليسوا معصومين من الخطأ».

قد يعود هذا إلى الاعتقاد الراسخ بأن النساء أكثر شكوى، وأن منشأ أعراضهن عاطفي أكثر منه جسدي، لذلك يَلقى الرجال رعاية أكبر من النساء، بينما توصف للنساء أدوية نفسية على نحو أكبر.

عندما يأتي رجل وامرأة إلى المستشفى يعانيان مرضًا ما، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية أو الباركنسون أو الدرن، فإن نسبة تقديم رعاية صحية شاملة للمرأة مثل الرجل أقل بكثير، رغم أنها  تعاني الأعراض ذاتها.

في اختبارات العقاقير: النساء أفضل جدًّا

الصورة: Russell Lee

في سبعينيات القرن الماضي، منعت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مشاركة النساء في التجارب المبكرة للأدوية خوفًا من تأثيرها في ما بعد على الأجنة، إلا أنه في الوقت نفسه مُنِعن من المشاركة في التجارب القائمة على الملاحظة فقط، حتى عام 1993 حين أصدر الكونغرس قانونًا يقضي بضرورة إشراك النساء في التجارب السريرية التي يمولها معهد الصحة القومي.

في عام 1994، أصدر المعهد القومي للصحة الأمريكي قرارًا بأن تشمل نتائج الدراسات تحليلًا للنتائج على أساس الجنس، إلا أن تمثيل النساء ما زال قليلًا، إذ إن بعضًا من هذه الدراسات يسمح لعدد قليل من النساء بالمشاركة لإثبات أن الدراسة لا تشمل تحيزًا ضد الجنسين، مثلما أن هذه الدراسات لا تقدم في المعتاد تفسيرًا للنتائج على أساس الفروقات بين الجنسين، بسبب العدد القليل من النساء أو الرجال المشاركين في الدراسة.

قد يهمك أيضًا: الإنسان والمرض: من ينتصر في النهاية؟

مفاهيم مغلوطة وملايين الأقراص من دون داعٍ

لا يُشخَّص الرجال في العادة بالاكتئاب، حتى مع موافقة أعراضهم مع أعراض الاكتئاب، وهذا مثال على التحيز بين الجنسين.

يُعرَف الاكتئاب عالميًّا بأنه مرض يصيب النساء أكثر من الرجال، إلا أن هذه المعلومة تدعو للشك، وبخاصة بعدما نعرف أنها بُنِيَت على افتراض أطباء علم النفس آنذاك فقط.

في أبحاثهم السريرية التي تمت منذ الخمسينات وحتى الثمانينات، كان معظم المشاركين من النساء، وأُقصِيَ الرجال من هذه الدراسات، ما دعم فرضية أن النساء أكثر إصابة من الرجال.

كذلك، لا يُشخَّص الرجال في العادة بالاكتئاب، حتى مع موافقة أعراضهم للأعراض المذكورة عن الاكتئاب. فالمفاهيم المسبقة عند الأطباء النفسيين تعد مثالًا واضحًا على التحيز بين الجنسين في تفسير النتائج والأعراض.

قد يعجبك أيضًا: تمامًا، دائمًا، أبدًا: اللغة تكشف اكتئابك

إضافة إلى ذلك، سيطرت الأفكار النمطية على بعض الاكتشافات العلمية، فقد اعتقد العلماء أن الهرمونات التي تُستخرَج من الخصيتين والمبيضين ترتبط بالذكورة والأنوثة، إلا أن الأبحاث العلمية في الوقت الحالي ترى الأندروجين والإستروجين هرمونات نمو توجد لدى الرجال والنساء، لكن ما زالت تُعرَف في الأدبيات العلمية كهرمونات جنسية.

في الطب: شكاوى النساء غير مسموعة

يعاني كثير من النساء من أجل أخذ معانتهن على محمل الجد، فتذهب برفقة أحد ذويها من الذكور، ليخبر الطبيب بأعراضها على أمل أن يسمع منه ما لن يسمعه منها.

يصيب مرض بطانة الرحم واحدة من كل 10 نساء، إلا أنه يستغرق من سبع إلى ثماني سنوات للتشخيص، لذلك أوصى المعهد الوطني للصحة والرعاية في بريطانيا بالإصغاء لشكاوى النساء لتسريع التشخيص.

ومع أن ثلثي الذين يبلغ أعمارهم 80 سنة من النساء، إلا أنهن في ما يتعلق بالخرف يتلقين علاجًا أسوأ من الرجال، ويتعاطين أدوية أكثر ضررًا، ويحصلن على رعاية صحية أقل.

على الجانب الآخر، ربما لاحظتِ معاناتك من التعب الشديد، فتذهبين إلى الطبيب، لكنه يخبركِ بأنه مجرد إرهاق لا أكثر، وسيزول بقسط وافر من النوم. لكن ما تشعرين به يمكن أن يكون عرَضًا من أشهر أعراض أمراض المناعة الذاتية، لكن عادةً ما يحدث إغفاله لدى النساء، فيرسلهن الأطباء إلى المنزل دون علاج.

يعاني كثير من النساء من أجل أخذ معانتهن على محمل الجد، لذا من الغريب والمحزن، لكنه الشائع أيضًا، أن تذهب النساء برفقة أحد ذويها من الذكور، كأخيها أو زوجها، كي يخبر الطبيب بأعراضها على أمل أن يسمع منه ما لن يسمعه منها. ومع السخافة البادية للفكرة، إلا أن الطبيب يهتم بأعراضهن على نحو أفضل، وتتغير خطتهن العلاجية وفقًا لذلك.

أكاديميًّا: النساء أقدر، لكن أقل جرأةً

الصورة: jarmoluk

في الميدان الأكاديمي يهيمن التحيز الجنسي، فمجالات من التي يُفتَرض أن تسيطر عليها النساء، مثل أمراض النساء والتوليد، لا تشغل منصب رؤساء الأقسام فيها سوى 22% فقط من النساء، رغم أنهن يشكلن نحو 83% من أطباء هذا التخصص.

لا يُعزَى هذا إلى نقص مؤهلاتهن، بل إن يحصلن على رواتب أقل من نظرائهن، فرواتبهن تقل بنحو 91 ألف دولار عن نظرائهن الرجال في المجال ذاته، ولا يتمتعن بفرص الترقية ذاتها. لكن رغبة النساء في أن يصبحن مساوين للرجال ربما تجعلهن دون قصد يلغين أنوثتهن، ويكرسن لهذه الفكرة.

لكن وفقًا للدراسات، تعد أنوثتهن نقطة قوة في صالحهن، إذ تشير إلى أنه يمكن إنقاذ حياة نحو 32 ألف شخص سنويًّا فقط لو قدم الأطباء الرجال الرعاية الصحية ذاتها التي يقدمنها للنساء.

اختلاف بيولوجي

رغم التقدم العلمي، ما زال كثير من النساء يعالَجن على نحو غير صحيح، ويدفعن ثمن المفاهيم العلمية الخاطئة.

تختلف النساء بيولوجيًّا عن الرجال، ما يعني أنه يمكن أن تختلف أعراض الأمراض لديهن مقارنةً بالرجال، وبشكل يمكن أن يؤثر على فعالية الرعاية الصحية المقدمة لهن، فنسبة الدهون في الجسم والهرمونات ومستويات الإنزيمات تؤثر في عملية استقلاب العقاقير، لكن الأدوية تصنع بحجم واحد للجميع.

ولأن النساء أقل وزنًا من الرجال في العادة، فهذا يعني أنهن يتناولن جرعات زائدة من الأدوية دون داعٍ. فالطب لا يرى المرأة سوى «رجل جسده ضئيل»، وبما أن جرعات الدواء تُعطَى حسب وزن الجسم، فهذا يعني أن كثيرًا من النساء توصف لهن جرعات زائدة عن حاجتهن.

على سبيل المثال، ثبت أن أعراض النوبة القلبية عند النساء تختلف عن الرجال، ويطلقون عليها «أعراضًا لانموذجية»، مثل آلام الرقبة والغثيان والتعب والدوار. فعندما تصاب إحداهن بنوبة قلبية يبحث الأطباء عن «الأعراض الرجالية»، لأن التجارب السريرية التي أجريت لدراسة النوبة القلبية على مدار 35 عامًا كانت بشكل أساسي على الرجال، ما يعني أن عددًا من النساء يُرسَلن إلى المنزل وهن يعانين من أعراض النوبة القلبية. أما في حالة إدخالها إلى المستشفى، فقد تتأخر لفترة أطول من الرجال حتى تحصل على تخطيط كهربي للقلب أو أي اختبارات تشخيصية أخرى.

في عصرنا هذا، رغم التقدم العلمي البادي، ما زال كثير من النساء يعالَجن على نحو خطأ، ويدفعن ثمن المفاهيم العلمية الخاطئة والزج بهن في اختبارات عقاقير مبهمة، فهل نشهد في المستقبل القريب تغيرًا لموقف الطب من النساء؟