كيف تشكِّلنا الحرب؟

عرب وإنجليز في الحرب الباردة: من خلق «الأصالة» العربية؟

شاب يحمل مصحفًا أمام شرطي بريطاني في لندن - الصورة: Getty/Sion Touhig

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر ديسمبر «كيف تشكِّلنا الحرب؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


 «الاستعمار خَلق الحداثة والدولة الحداثية العربية». هذا طرح منتشر بشدة في كثير من أوساط المثقفين العرب على اختلاف أجيالهم وتياراتهم الفكرية، حتى كاد يصبح إحدى المُسلّمات الفكرية التي ينطلق منها جانب كبير من الجدل الثقافي العربي. وقد تعزز في أيامنا مع انتشار أفكار تيار «ما بعد الكولونيالية»، بشكل متأخر في الوسط العربي، مما جعل أدبيات الإسلاميين واليساريين المعاصرين تبدو متشابهة إلى درجة مدهشة.

يقوم هذا الطرح على سردية متسقة تتخيل وجود وضع تاريخي عربي أصيل قبل الاستعمار، كانت الأراضي العربية والإسلامية فيه تعيش وفقًا لأسلوبها الخاص في تنظيم الحياة، وتسيِّر أمورها ضمن إطارها الأخلاقي والهوياتي المميز، قبل أن تأتي الكولونيالية بجيوشها الغازية لتدمر النمط الاجتماعي والثقافي للمنطقة، وتفرض التحديث على الناس، وتشيِّد الدولة الحديثة القمعية بجيوشها وأجهزتها ودساتيرها وعلمانيتها.

ما نعانيه اليوم، وفق هذا التصور، هو مما جناه علينا هذا التحديث القمعي.

لا يبدو أن هذه الحكاية تستند إلى أساس تاريخي متين، فهي تقوم على نظرة أُحادية لا تأخذ بعين الاعتبار تنوع الجهات الفاعلة والقوى المحلية والدولية والفئات الاجتماعية، التي لعبت دورًا أساسيًّا في العملية التاريخية لنشأة الحداثة والدولة العربية منذ بدايات القرن التاسع عشر، وهي العملية التي استمرت حتى زمن الحرب الباردة، حين أصبحت قضايا التحديث مرتبطة بصراعات اجتماعية وطبقية ودولية أكبر.

لن نحاول هنا رسم صورة تاريخية شاملة لأحداث ذلك الزمن، بل سنطرح عدة أسئلة عن فكرة «الأصالة» والهوية العربية الإسلامية، وكيفية تطورها في سياقات الحرب الباردة، التي لعبت، كما سنرى في ما بعد، دورًا كبيرًا في خلق «أصالتنا».

الست والجنرال: في هجاء الأنغلوساكسون

شارل ديغول - الصورة: Imperial War Museums

يروي بعض العجائز في سوريا، ممن عاصرن فترة الاحتلال الفرنسي، حكايات طريفة عن الجنرال «شارل ديغول». فعند زيارته سوريا ولبنان عام 1942، بوصفة زعيمًا لحكومة «فرنسا الحرة»، خرجت مظاهرات حاشدة في عدة مدن سورية تطالب بالاستقلال وتأسيس حكومة محلية منتخبة. بعض هذه المظاهرات هتفت بالشعار الشعبي الشهير: «ديغول خبِّر دولتك: باريس مربط خيلنا»، في إشارة إلى ماضي علاقات العرب مع الفرنسيين، والغزوات العربية الإسلامية على الأراضي الفرنسية.

دفع هذا ديغول إلى التساؤل بحيرة، ربما بوحي من ذكرى انتصار القائد الفرنجي «شارل مارتل» على العرب في معركة «بواتييه» (بلاط الشهداء): «متى كانت باريس مربطًا لخيول العرب؟».

أدت سياسات ديغول الإيحابية لإعطاء مقولة «باريس مربط خيلنا» معنًى جديدًا، بما أن فرنسا باتت تلعب دورًا مهمًّا في دعم التيار القومي العربي.

هذه الحكاية غير تاريخية ولا يمكن توثيقها، لكنها تعكس جزءًا من الخيال الشعبي عن العلاقة الملتبسة والمتذبذبة مع فرنسا في فترة التحرر الوطني العربية.

لاحقًا، انتهج هذا الرئيس الفرنسي ما يُعرف بـ«سياسة ديغول العربية»، التي تمثلت في اعترافه بحق العرب في تقرير المصير، وتفاوضه مع الثوار الجزائريين لأجل الاستقلال، وعلاقته المميزة بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، ودعمه لحركة عدم الانحياز، وإدانته للحرب الإسرائيلية عام 1967، وإيقافه صفقات التسليح الفرنسية-الإسرائيلية بعد الحرب.

الأهم من كل هذا انتهاجه سياسةً مستقلةً نسبيًّا عن الولايات المتحدة الأمريكية، بسحب فرنسا من حلف شمال الأطلنطي، وتراجعه عن استضافة بلاده مقر الحلف، وإدانته الواضحة لحرب فيتنام، والعمل مع الصين وعدة دول أخرى لإيجاد محور دولي بعيد نسبيًّا عن هيمنة السوفييت والأمريكان.

في تلك الفترة بدأ يظهر في الأدبيات اليسارية الفرنسية تعبير «الإمبريالية الأنغلوساكسونية»، الذي استخدمه مفكرون كبار مثل «لوي ألتوسير» للدلالة على السياسات الأمريكية، والخضوع البريطاني الكامل لهذه السياسات، وتشكيل هذين الطرفين ما عُرف بـ«الاستعمار الجديد»، في مقابل السياسة الفرنسية الأكثر انسجامًا مع حركات التحرر الوطني، على الأقل في آسيا والعالم العربي.

هذا التقليد الديغولي استمر حتى قرننا هذا، عندما لعبت فرنسا في عهد جاك شيراك دورًا أساسيًّا في معارضة الحرب على العراق عام 2003، ما أدى إلى تقوية الظاهرة التي تُعرف باسم «French Bashing»، أي تعنيف الفرنسيين والثقافة الفرانكفونية في بعض الصحف والأدبيات الناطقة بالإنجليزية.

لا يزال هذا مستمرًّا حتى اليوم لدى كل قضية جدلية تعالجها هذه الصحافة في ما يتعلق بفرنسا، مثل أحداث «شارلي إيبدو»، وقرار بعض البلديات الفرنسية حظر البوركيني.

في المنطقة العربية، أدت سياسات ديغول الإيجابية إلى إعطاء مقولة «باريس مربط خيلنا» معنًى جديدًا، بما أن فرنسا باتت تلعب دورًا مهمًّا في دعم التيار القومي العربي المعادي للهيمنة الأمريكية والبريطانية في المنطقة.

خاض المعسكر القومي والمعسكر المحافظ معارك فكرية وثقافية، وكانا خير تجسيد لروح الحرب الباردة الدائرة آنذاك.

عمليًّا، انقسمت السياسة العربية آنذاك إلى معسكرين:

1. معسكر «قومي تحرري» بقيادة جمال عبد الناصر، سرعان ما بات أكثر راديكاليةً بعد هزيمة يونيو 1967، واعتناق «حركة القوميين العرب» للفكر الماركسي المتأثر بالماوية، وهي الحركة التي لعبت دورًا كبيرًا في تطوير المقاومة الفلسطينية وثورات منطقة الخليج العربي واليمن.

هذا المعسكر كان على علاقة ممتازة بالاتحاد السوفييتي والصين وفرنسا، وكان لا يدعو فقط إلى تحرير «الأرض» من الاستعمار، بل إلى «تثوير» كل مناحي الحياة العربية، وتحقيق «التقدم» لتجاوز آثار الهزيمة، وكذلك تجاوز المهادنة الاجتماعية والميل الإسلامي الذي تميزت به الناصرية.

لم يكن «القوميون» مجرد تيار نخبوي، بل كان لهم دعم شعبي جارف في كل العالم العربي، نظرًا لشعبية شخصية عبد الناصر، والميل إلى تقديس المقاومة الفلسطينية وثورات التحرر ورموزها بين فئات واسعة.

2. المعسكر المحافظ، أو تيار «الأصالة»، الذي تكون أساسًا من مشيخات الخليج المرتبطة بالاستعمار البريطاني، وعدة ممالك محافظة كالأردن والمغرب، بالإضافة إلى العراق في الخمسينيات قبل انقلاب عبد الكريم قاسم. هذا المعسكر رفع شعارات الدين والعادات والتقاليد العربية، لكنه رغم هذا لم يتمتع بشعبية كبيرة، ولطالما عانى قادته من ثورات وانتفاضات شعبية وأعمال مقاومة مسلحة.

خاض المعسكران عديدًا من المعارك الفكرية والثقافية، بالإضافة إلى الحروب العسكرية، وكانا خير تجسيد لروح الحرب الباردة الدائرة آنذاك. ولعل أطرف هذه المعارك كانت حول دوران الأرض حول الشمس، الفكرة التي أنكرها المفتي السعودي عبد العزيز بن باز، ما أثار غضب المؤسسات الثقافية في مصر عبد الناصر.

ورغم لعب مصر وعدد من الدول العربية دورًا مهمًّا في عملية «تصفية آثار الاستعمار الفرنسي» في المغرب العربي، بإرسال أساتذة لغة عربية إلى الجزائر لإنجاح عملية «إعادة التعريب، والتخلص من الفَرْنَسة»، فإن فرنسا لم تنل أبدًا آنذاك نصيبًا من الكراهية مماثلًا لما نالته بريطانيا وأمريكا.

ولعل زيارة السيدة أم كلثوم إلى فرنسا بعد حرب 67 لإقامة حفلات للجاليات العربية هناك، دعمًا للمجهود الحربي، من أهم الدلائل على هذا. تلك الزيارة ختمتها «الست»، الممثل الثقافي الأهم آنذاك للناصرية والدولة المصرية، ببرقية إلى الجنرال ديغول تقول فيها: «لقد حللت بفرنسا العظيمة، أردتُ أن أحيّي فيكم وقوفكم مع العدالة وإلى جانب السلام». ما سبق كان عن «فرنسا العظيمة»، لكن ماذا عن «بريطانيا العظمى»؟

«الوصاية المزدوجة»: لورد لوغارد وفلسفة الاستعمار البريطاني

فريدريك لوغارد وزوجته - الصورة: Arnold Wright

يمكننا أن نعرف الكثير عن فلسفة الاستعمار البريطاني بالاطلاع على أعمال المستكشف والقائد البريطاني اللورد «فريدريك لوغارد». فهذا المسؤول الاستعماري الذي حكم هونغ كونغ ونيجيريا، وخدم في مختلف أرجاء الإمبراطورية «التي لا تغيب عنها الشمس»، كان المُنظِّر الأساسي للكولونيالية البريطانية. ويعدُّ كتابه «الوصاية المزدوجة في إفريقيا الاستوائية البريطانية» إنجيل الحكام الاستعماريين البريطانيين، وكتالوج الحكم الذي حاولوا تطبيقه في كل مكان.

رأى اللورد لوغارد أن الحكم الاستعماري المباشر شديد التكلفة وقليل الفاعلية، وسيؤدي حتمًا إلى خسائر بشرية ومادية هائلة للجيوش البريطانية لدى اصطدامها بالسكان المحليين، والحل هو اللجوء إلى «السيادة غير المباشرة» و«الوصاية المزدوجة»، التي تقوم على الاعتماد على قادة محليين تقليديين محافظين، يكونون هم وكلاء الحكم البريطاني.

المهمة الأساسية لهؤلاء القادة هي جمع الضرائب وتوفير الموارد التي تحتاجها بريطانيا، على أن يعامِلوا رعاياهم وفق النموذج الأكثر تقليديةً لـ«ثقافات الشعوب البربرية» التي يديرونها.

عمومًا، كان للورد لوغارد موقف متشكك من المثقفين المنحدرين من الشعوب المستعمَرة الذين درسوا في جامعات غربية أو مدارس وطنية، فهؤلاء لا يصلحون للحكم وغير مؤهلين لخدمة الاستعمار، حتى لو تمتعوا بشعبية واسعة في صفوف السكان المحليين.

بناءً على هذا، أعاد لوغارد بعث التقاليد المحلية حيثما حل، واعتمد دومًا على الزعامات القبلية والدينية، حتى لو اصطدمت سياساته بمقاومة سكان المستعمرات. عملية «صناعة الأصالة» هذه وصلت إلى حد فرضه أحكام الشريعة الإسلامية على سكان شمال نيجيريا من المسلمين، بل وحتى المسيحيين، وإعادة إحياء الزعامات التقليدية لقبائل «الهوسا» و«الفولاني»، مؤسسًا للانقسام الكبير بين شمال وجنوب البلاد، الأمر الذي لا تزال نيجيريا تعاني منه حتى الآن.

هكذا، يجب على الشعوب المستعمَرة أن تخضع لوصايتين:

  1. وصاية الإنجليز الذين يثبِّتون موقع هذه الشعوب في النظام الدولى الاستعماري
  2. وصاية التقاليد المحلية «الأصيلة»، التي تؤمِّن استقرار بِنَى الهيمنة التي يعيشونها، وسلطة وكلاء الاستعمار المحليين

ربما يكون كثيرًا مما نظنه من صلب «خصوصياتنا» هو عملية «إعادة إنتاج» استعمارية بريطانية.

كانت منطقة الخليج العربي نموذجًا لتطبيق مبادئ فريدريك لوغارد، بخلق زعامات محلية تخدم البريطانيين، وتركها تدير الشؤون بما يتفق مع العرف والدين.

يمكننا هنا أن نلاحظ الفرق بين فلسفة الاستعمار البريطاني ونظيرتها الفرنسية، فعلى الرغم من الجرائم الكبرى التي ارتكبها الفرنسيون، فهم عملوا على وصل مستعمراتهم بالمركز، إلى درجة اعتبار مستعمرات مثل الجزائر وكورسيكا وغويانا جزءًا من الأرض الفرنسية، وحرصوا على إنتاج فئات محلية مثقفة عوّلوا عليها في إدارة المجتمعات المستعمَرة.

هذه الفئات هي من قاوم الاحتلال الفرنسي لاحقًا وحقق الاستقلال، في تصديق لتحليل كارل ماركس عن الدور المزدوج للاستعمار: فهو يدمر البِنى التقليدية لأغراضه الاستعمارية، وينشئ فئات حديثة ستكون هي من يحفر قبره.

يكفي في هذا السياق أن نعرف أن جانبًا مهمًّا من الحركة الوطنية الجزائرية، التي حققت الاستقلال في ما بعد، نشأت بين المثقفين والعمال والطلاب المهاجرين إلى فرنسا. وأهم مثال على ذلك تنظيم «نجم شمال إفريقيا»، الذي أسسه مصالي الحاج، وكان من أولى القوى السياسية الجزائرية التي طالبت بالاستقلال.

بالنسبة إلى الورد لوغارد كان هذا خطأً كارثيًّا، فالمثقفون المحليون، مثلهم مثل المثقفين الأوروبيين، يدرسون «مبادئ فاسدة» في الجامعات، قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاستعماري المحافظ.

في كل الأحوال، علينا أن لا نشيطن اللورد لوغارد، لأننه لعب دورًا كبيرًا في محاربة تجارة العبيد (وليس حيازتهم)، وعَدّ ذلك من أهم مسؤوليات الاستعمار البريطاني، وألغى بعض العادات البدائية، كالأضحيات البشرية والعقوبات البدنية القاسية.

منطقة الخليج العربي كانت نموذجًا مثاليًّا لتطبيق مبادئ اللورد، إذ دُعِمَت، بل وخُلقت، زعامات محلية محافظة مهمتها الأساسية خدمة مصالح البريطانيين في المسالك البحرية المهمة في الخليج العربي، في حين تُركت لها إدارة شؤون عبيدها والسكان المحليين بما يتفق مع العرف والدين.

أدى هذا إلى توطيد أكثر نظامين تخَلفًا على الصعيد العالمي: نظام سلاطين عمان من آل البو سعيد، ونظام الأئمة الزيديين في شمال اليمن، فضلًا عن محاولة البريطانيين تأسيس دولة في جنوب اليمن باسم «اتحاد إمارات الجنوب العربي» من المشايخ القَبلية المحلية، تسير على نهج الدولتين المذكورتين، لكن الوضع تغير بفضل سلسلة من الثورات.

«الخليج الهادر»: يد الله تحطم الشيوعية

قد يكون من المشروع التساؤل: لماذا لا يَعتبر نقّاد الحداثة المعاصرون كلًّا من السلطان سعيد بن تيمور في عمان والإمام أحمد بن يحيى في اليمن من رموزهم؟ فقد حمى هذان الرجلان الصالحان بلديهما بصلابة من كل تأثيرات الحداثة، بكل ما تحمله من «اغتراب» و«قمعية» و«هيمنة» و«تدمير للإطار الأخلاقي»، لدرجة أن أشياء بسيطة كالراديو كانت من المكروهات.

عاش رعايا ابن تيور وابن يحيى ضمن تنظيمات تقليدية متوارَثة منذ العصور الوسطى، بما فيها من تطبيقٍ لأحكام الشريعة الإسلامية، وأحكام الجزية بحق «الذميين»، ونظام رِق تراثي لم ينغِّص عليه إلا منع البريطانيين تجارة العبيد، مع السماح فقط بامتلاكهم.

بتأثيرٍ من الناصرية والمد القومي، اندلعت ثورات في اليمن الشمالي والجنوب العربي، تطالب بإنهاء الهيمنة الاستعمارية ودخول عصر الحداثة.

في مناطق شاسعة من اليمن وعمان حتى منتصف ستينيات القرن العشرين، لم تكن هناك مدرسة أو مستشفى أو طريق ممهد، أو أيٌّ من هذه الهرطقات الحداثية، بل إن الكاتب العماني محمد الشحري يقول إن السلطان بن تيمور كان يمنع الناس من ارتداء النظارات الطبية أو لبس النعال.

ربما كان هذا الفردوس «القروسطي» ما قبل الحداثي يفتقر إلى أمر أساسي لكي يكون متطابقًا مع حكاية «الحداثة القمعية»، أنه لم يكن في تناقض مع الاستعمار، بل على العكس تمامًا، هذه الأنظمة كانت مدعومة بشكل كامل من البريطانيين، وعندما ثار أبناء المنطقة لكي ينالوا أبسط حقوقهم، واجهوا مقاومة شرسة من المستعمِرين، الذين حموا وكلاءهم المحليين حتى آخر لحظة.

على العكس من أسطورة «الحداثة العربية صنيعة الاستعمار»، كان السكان المحليون في ثورات الخليج العربي يقاتلون لأجل التحديث، في حين كان الاستعمار يبذل الغالي والنفيس لأجل بقاء «الأصالة».

بتأثيرٍ من الناصرية والمد القومي، اندلعت الثورات في اليمن الشمالي و«الجنوب العربي» (عدن وحضرموت ومحيطهما) وظفار والجبل الأخضر في عمان منذ بداية الستينيات، وكانت المطالب الأساسية إنهاء الهيمنة الاستعمارية ودخول عصر الحداثة.

تطورت الأمور في اليمن الجنوبي وظفار بعدما اعتنقت حركة القوميين العرب الفكر الماركسي ومبدأ الكفاح المسلح، المستمد من الماوية والحركات اليسارية في أمريكا الجنوبية والمقاومة الفلسطينية، وتأسست «الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل»، تدعو إلى تحريرِ كامل الخليج العربي من سلطة مشايخه، وكان لها فروع في عدد من الدول الخليجية، خصوصًا البحرين، حيث لعبت دورًا محوريًّا في الحركة النقابية هناك.

لم تكن الصورة وردية دائمًا، فقد طغت الرومانسية الثورية على الجبهة لدرجة لم تعد قادرة فيها على تقدير موازين القوى، إضافةً إلى أنها ارتكبت أخطاء استراتيجية قاتلة، عندما امتنعت عن السيطرة على مدينة صلالة عاصمة إقليم ظفار، بدعوى أنها لا تريد التخلي عن هدفها الاستراتيجي بتحرير كامل الخليج العربي، والتحول إلى مجرد حركة انفصالية محلية.

فضلًا عن هذا، لم تكن تلك الحركات أفضل نموذج للديمقراطية، فقد عرف اليمن الجنوبي تحت السلطة الاشتراكية حكم الحزب الواحد وكثيرًا من القمع، وكذلك صراعات الدموية بين مختلف أجنحة الحكم، راح ضحيتها عديد من المدنيين، وإن كان الحال فيه اجتماعيًّا وثقافيًّا أفضل بمراحل من اليمن الشمالي. وربما لو انتصرت الثورة في ظفار وعمان لعرفت البلاد نموذجًا مشابهًا لنموذج جنوب اليمن.

رغم كل هذا، يُسجّل لهذه الثورات، خصوصًا ثورة ظفار، أنها انتشلت الناس من ظروف البؤس والتخلف والبدائية، وهي من أدخل أول مضخة مياه وأول لقاح طبي وأول مدرسة إلى مناطق محرومة من كل شيء، فضلًا عن دورها المشرِّف في القضاء على العبودية والممارسات القَبلية غير الإنسانية، والإسهام في تطوير أوضاع النساء وتحريرهن من أعراف اجتماعية مرعبة.

هنا كان لا بد لـ«يد الله» أن تتدخل، وتعبير «يد الله» هذا مأخوذ من منشور بريطاني كان يوزّع في عمان إبان حرب ظفار، صوّر فيه البريطانيون المعركة كجهاد إسلامي مقدس ستحطم فيه يد الله الشيوعية.

هذا البعث للقيم الجهادية الإسلامية لم يكن مقتصرًا على عمان والخليج العربي، بل كان مشروعًا عالميًّا امتد من إندونيسيا شرقًا حتى الجاليات الإسلامية في قلب الغرب: لا بد أن يعود المسلمون إلى «أصالتهم» كي لا يقعوا في غواية الشيوعية، كما حدث مع العمانيين واليمنيين والإندونيسيين وغيرهم من الشعوب «الإسلامية».

«يد الله» انتصرت بالطبع، وإن كانت امتدت في بعض الأحيان، خصوصًا بعد انتهاء الحرب الباردة، لتضرب الجهة التي صنعتها.

ما بعد الحرب الباردة: لورد لوغارد ما يزال هنا

«اقطعوا رأس كل من يسيء إلى النبي» - الصورة: Jamie Kennedy

تُنسب فكرة «التعددية الثقافية» عادةً إلى التطور الاجتماعي والثقافي الحاصل منذ السبعينيات في كندا وأستراليا وغيرها من المجتمعات المستقبِلة للمهاجرين، ويتم التنظير لها من قبل عديد من المفكرين الناطقين بالإنجليزية، ولعل أشهرهم الكندي «تشارلز تايلور».

لهذه الفكرة كثير من التعريفات، المتعارضة أحيانًا، والتجارب التطبيقية المتنوعة. لكن من المهم أن نميِّز بين الـ«multiculture» (التعددية الثقافية) كظاهرة اعتيادية لم يخلُ مجتمع منها عبر التاريخ، التي لا تشير بالضرورة إلى الهويات الدينية والعرقية المكرسة، وبين الـ«multiculturalism» (أيديولوجيا التعددية الثقافية)، التي تقوم حُكمًا على سياسات الهوية بوصفها أسلوبًا لإدارة الحياة الاجتماعية، ولها تأثيرات قانونية ومؤسساتية واسعة.

الفكرة الأساسية التي تُبنى عليها أيديولوجيا التعددية الثقافية هي نسبية الحقيقة، فما هو صالح للأبيض ليس بالضرورة صالحًا للأسود، وما هو أخلاقي عند المسلم قد يكون لا أخلاقيًّا لدى المسيحي. فكرة «الإنسان الكوني» التي بُنىَ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تبدو متعارضة بشكل واضح مع «التعددية الثقافية»، مهما حاول أنصارها الالتفاف حول هذا التعارض.

النسبية الثقافية والحكم بمعيار الهوية ظاهرة متأصلة في الحكم الاستعماري البريطاني مثلما رأينا، فما هو صالح للإنجليز لا يمكن أن يكون صالحًا لـ«الشعوب البربرية»، ولكل جماعة مستعمَرة ثقافتها التي يحترمها الاحتلال. ربما كان علينا، إذا أردنا أن نتتبع جذور «التعددية الثقافية»، أن لا نعود إلى تشارلز تايلور، بل إلى اللورد فريدريك لوغارد.

تقوم «التعددية» البريطانية، كما تظهر لدى لوغارد وخلفائه، على عمليتين: الأولى تصنيف البشر على أُسس هوياتية معاد تصنيعها فوقيًّا، والثانية إنتاج فئات «محلية» تطابق التصور الأكثر محافظةً لهذه الهويات.

الضبط الاجتماعي عبر التصنيف الهوياتي، الذي كان أساسيًّا لاستقرار الحكم الاستعماري، عاد أساسيًّا من جديد في زمن العولمة بعد اضمحلال دور الدولة الوطنية.

إنتاج هذه الفئات كان مزدهرًا إبان الحرب الباردة، لدرجة أُطلق فيها على لندن لقب «لندستان»، بعد أن صارت عاصمة الجهاد العالمي. اليوم، تحذر جهات أمنية في الاتحاد الأوروبي من أن بريطانيا تملك العدد الأكبر من المتطرفين الإسلاميين بين الدول الأوروبية.

لكن الأمر لا يقتصر على الجهاديين، فهؤلاء رأس جبل الجليد فقط، والنقطة الأساسية هي الامتداد الكبير لبنية تحتية متكاملة للتطرف الديني: مساجد ومدارس دينية ممولة حكوميًّا، دعاة وخطباء كراهية ينالون تعويض البطالة المعتاد من الدولة، والأهم، محاكم إسلامية في مجال الأحوال الشخصية تعمل بشكل شرعي بمباركة الحكومة البريطانية، ما يذكرنا بتطبيق الشريعة في شمال نيجيريا في عهد لوغارد.

كل هذه الشبكة الضخمة من المتطرفين تعتبر ممثلًا للهوية الثقافية الإسلامية التي يجب احترامها، أما «المسلمون» المعارضون لتسلطها والمتضررون منها، فيتكفل اليساريون الليبراليون الجدد بتشويه سمعتهم ونبذهم بوصفهم «كارهين لذاتهم».

لم تنشأ هذه الشبكة بشكل عفوي بوصفها مفرَزًا طبيعيًّا لـ«المسلمين» البريطانيين، بل تضافرت لإنشائها جهود تنظيمات سياسية وأنظمة حكم وأجهزة مخابرات غربية وشرقية طيلة عقود الحرب الباردة. وبعد أن انتهت وظيفتها السياسية والتعبوية مع انتهاء هذه الحرب، باتت لها وظائف أخرى في يومنا هذا.

الضبط الاجتماعي عبر التصنيف الهوياتي المحافظ، الذي كان أساسيًّا لاستقرار الحكم الاستعماري في زمن «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس»، عاد أساسيًّا من جديد في زمن إمبراطورية العولمة، بعد اضمحلال دور الدولة الوطنية.

بالطبع تظهر هنا وهناك أصوات خجولة تندد بممارسات قمعية غير مقبولة تجد تبريراتها في مبدأ «التعددية الثقافية»، مثل التقارير التي ظهرت في بريطانيا عن معاملة غير إنسانية للنساء في بعض «المجتمعات الإسلامية» في المملكة، تشمل ممارسة العنف الجسدي بحقهن، وحبسهن في المنازل، بل حتى حرمانهن من تعلم اللغة الإنجليزية.

إلا أن كل هذا لا يمكن أن يؤثر في المبدأ الأساسي الذي أرساه اللورد لوغارد، فاحترام «الثقافات» هو الأهم. هكذا نرى شبكة «بي بي سي»، التي من المفترض أنها ذات ميل يساري، تحتفي بالنقاب والمنتقبات، فهذا الزي الذي يرمز في أغلب الأحيان إلى الممارسات الاجتماعية الظالمة بحق النساء، بات في عرف صحفيِّي الشبكة رمزًا للتعددية الليبرالية.

مسكينٌ هو السلطان سعيد بن تيمور، فقد عاش في الزمن الخطأ. لو كان حيًّا في أيامنا، التي عاد فيها تقديس «الأصالة» على النمط الأنغلوساكسوني، فلربما استطاع أن يرسل بعض عبيده إلى «بي بي سي»، ليتحدثوا عن روعة العبودية وكيف أنهم عبيد «عن قناعة».