بيزنس إز بيزنس

المدرسة النمساوية: ربما لا نكون أفضل اقتصاديي العالم

الصورة: Mike Beales

لم يكن خبر فوز «ريتشارد ثيلر» (وهو ليس محور حديثنا هذاأستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو، بجائزة نوبل للاقتصاد في عام 2017 صادمًا بالنسبة إلي، ولا لـ«ديفيد هارفي» الذي سبق وأن شكك في مقابلة سابقة له، وكذلك في كتابه «الليبرالية الجديدة: موجز تاريخي»، في المعايير التي تقوم عليها اللجنة القائمة على الجائزة في منحها للفائزين، كونها تختلف تمامًا عن بقية الجوائز من حيث تمويل المكافأة الممنوحة، فهي ممولة بالكامل من البنك المركزي السويدي والبنك الوطني في السويد، وتُمنَح للاقتصاديين الذين يجمِّلون ويعقلنون النظام الرأسمالي.

لكن منح هذه الجائزة لثيلر أثار فيَّ الحاجة إلى العودة لفهم مدرسة رائدة في الاقتصاد السلوكي (حصل ثيلر على نوبل إثر إسهام قدمه في هذا المجال) سبق وأن تمرد ثيلر عليها دون أن يخرج عن المبادئ الأساسية التي وضعتها: «المدرسة النمساوية في الاقتصاد». 

أُطلِقَ لقب المدرسة النمساوية للاقتصاد، لأول مرة، في القرن التاسع عشر على مجموعة من الاقتصاديين الذين شذوا عن الكلاسيكيات الاقتصادية والمناهج الألمانية تحديدًا، والتي كانت تتسيَّد على مجالات العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية حينها.

ربما يُفهَم من التسمية أن المدرسة مؤسسة أو كيان فعلي، إلا أنها تشير بشكل مجرد إلى مجموعة من الاقتصاديين الذين عاشوا في فيينا آنذاك، ومنهم من عمل في جامعة فيينا، مثل «بوهم بافريك» و«كارل منجر»، وهما من شكَّل الموجة الأولى لهذه المدرسة، أما بالنسبة إلى الموجة الثانية للمدرسة، فكان على رأسها «فرانك فيتر» و«كارل منجر» (الابنو«لودفيغ فون ميزس» في بدايات القرن العشرين، تلتها موجة من المعاصرين مثل «فريدريك فون هايك».

القيمة لا تكمن في الأشياء، بل في العقول

سوق شعبي في اليمن - الصورة: Rod Waddington

القيمة لا تكمن في الأشياء، بل في عقول طرفي عملية الشراء

لفهم الاقتصاد السلوكي من منظور المدرسة النمساوية علينا بدايةً الإشارة إلى مبادئها الأساسية من أجل أن نكون أكثر إدراكًا لمنطلقاتها:

  1. ترفض المدرسة النمساوية التدخل الحكومي بجميع أشكاله، لأنه لن يشكل إلا عائقًا لطرفي عملية الشراء/البيع،  وأن التحكم في الحد الأدنى للأجور من شأنه أن يجعل عددًا من أصحاب العمل مترددين بشأن توظيف العمال، الذين يحتاجون العمل بشكل أكبر من حاجة صاحب العمل
  2. التضخم سيئ في جميع الأحوال. فعملية التحكم في العرض النقدي من الجانب الحكومي لتوفير السيولة قد تخلق فجوة بين القيمة (المشتري) والسعر (البائع)، ما سيؤدي إلى عزوف المستهلك عن الشراء، أو رفع السعر على يد البائع، وهذا سيتسبب حتمًا في انتكاسة اقتصادية لها عواقب وخيمة، مثل ارتفاع معدلات البطالة
  3. هذا محور حديثنا، أن القيمة لا تكمن في الأشياء، بل في عقول طرفي عملية الشراء،  أي أننا لو جئنا بمجموعة من السلع الأساسية (ماء ودقيق مثلًاوافترضنا أنها تعادل ما قيمته وحدة واحدة من القيمة الافتراضية عند شخص ذي دخل مرتفع، نجد أنها بالنسبة إلى شخص آخر أكثر فقرًا نسبيًّا تساوي وحدتين من القيمة الافتراضية التي في رؤوسنا، وقد تصل إلى 50 أو 100 ضعف القيمة عند شخص يعيش في إحدى الدول الإفريقية الفقيرة. يقول ميزس إن الإنتاج بالجملة لمنتج حديث شائع قد يجعله جذابًا من الناحية المادية للمستهلكين الفقراء، غير أنه سيجعل الأغنياء الحريصين على أناقتهم يهجرونه، ويسعون وراء شيء آخر أكثر خصوصية

إن أساتذة علم الاقتصاد (الكلي بشكل خاص) أصبحوا، من وجهة نظر المدرسة النمساوية، يتعاملون مع النظريات والدراسات الاقتصادية كما يتعامل علماء العلوم الطبيعية. وهنا يكمن الإشكال، فالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء تتعامل مع جميع جزيئات المادة وذراتها على نحو سواء، فيكون التعامل مع ذرة الكربون (C) الموجودة في شرق آسيا على نحو سواء مع مثيلتها في وسط إفريقيا، فتلك الذرات لا تملك خيارات واحتمالات واسعة كتلك التي يملكها العقل البشري.

وقد تطرق «كارل بوبر» في مقال سنة 1963، تحت عنوان «العلم كتزييف»، إلى فكرة قريبة في نقد النظريات الماركسية والتحليل النفسي لفرويد تحديدًا، إذ أراد آنذاك توضيح الفروقات بين النظريات العلمية والنظريات الحياتية/الاجتماعية.

في رأي بوبر، لا يمكن نقض هذه النظريات (أي الماركسية والفرويديةفهي لا تعتمد على التجربة أو الملاحظة إلا في آفاق ضيقة لا تعطي انطباعًا شاملًا يسمح بتكوين قاعدة علمية متينة، وقد تختلف النتائج والتحليلات في حال تكرار التجربة مع اختلاف الظروف.

بينما يرى بوبر أن التجارب العلمية تقوم على الحسابات والتنبؤات والملاحظة أولًا، ثم تنتقل بعدها من الوعاء النظري إلى العملي لاختبار صحة الفرضيات التي تقوم عليها، وهو ما تعجز عنه النظريات الاجتماعية.

قد يكون كارل بوبر محقًّا إلى حدٍّ ما، إلا أن هذا الاختلاف بين العلوم الطبيعية والعلوم الحياتية لا يعني إلقاء اللوم على النظريات تلك وأصحابها، بل إن التفريق بين تلك العلوم مسؤولية تقع على عاتق العالِم أولًا والمتلقي ثانيًا.

من غير الممكن التعامل مع النظريات الحياتية، بما فيها الاقتصادية منها، بنفس طريقة التعامل مع العلوم الطبيعية.

لو نظرنا إلى قوانين الجدل في النظرية الماركسية، فإن قانون نفي النفي يتيح المجال لنقض/تطوير النظرية الماركسية حسب الاختلافات التي تطرأ باختلاف مسبباتها وعواملها، إضافةً إلى كون الحقيقة المطلقة لا توجد فعليًّا إلا في أبواب ضيقة في الرياضيات.

إن ما قام به فرويد وماركس يختلف تمامًا عما قام به سبينوزا في القرن السابع عشر على سبيل المثال، فعندما وضع سبينوزا كتاب «علم الأخلاق» على الطريقة الإقليدية (نسبةً إلى إقليدس) في وضع جدول للعناصر، ومحاولة برهنتها، كان يحاول طرح تلك الأفكار على أنها يقينية، وأنه من غير الممكن التشكيك فيها كما يحدث في العلوم الطبيعية.

يتضح من ذلك أن التمييز بين العلوم الطبيعية ومبادئ البحث العلمي والعلوم الإنسانية التي لا تعتمد على التجربة يعد إشكالًا تعرض له كثيرون على مدى التاريخ. مِن غير الممكن التعامل مع النظريات الحياتية، بما فيها الاقتصادية منها، بنفس طريقة التعامل مع العلوم الطبيعية.  إن العقل البشري يمتاز بالوعي والإدراك عن بقية الأشياء في الكون، إضافة إلى التمايز في العقول لدى البشر بينهم باختلاف رغباتهم وحاجاتهم وبيئاتهم التي نشؤوا فيها، ما يجعل التعامل معهم على أنهم نفس النمط أمرًا غير منطقي. 

ليس أفضل اقتصادي في العالم

بورصة ساو باولو - الصورة: reynermedia

عندما نحسب معدلات التضخم ومتوسط الأسعار في النماذج والمؤشرات الاقتصادية، فإننا لا نحدد بالضرورة القيم الفردية لدى المستهلكين، ودوافعهم الشخصية التي أدت إلى إقبالهم على شراء تلك السلع. فعندما يحصل موظف في مكتب البريد على راتبه الشهري يبادل جزءًا من العائد النقدي لشراء الحليب عوضًا عن شراء السجائر مثلًا.

قد تكون عملية المبادلة مشمولة ضمن معادلات الاقتصاديين لدراسة ارتفاع سعر الحليب، فتُهمَل الأسباب والدوافع الحقيقية وراء عملية المبادلة تلك. هل أقلع ذلك الشخص عن التدخين لأسباب دينية؟ أم بعد ملاحظة الحملات التوعوية لأضرار التدخين؟ أم أن شراء السجائر لا يتناسب مع النمط الغذائي لذلك الشخص؟

كذلك بالنسبة إلى من يختار شراء السجائر بدلًا من الحليب، فلا يمكن للسعر أن يعكس مقدار الرضا أو السعادة الذي يضفيه تدخين علبة واحدة من الدخان. إن الآلاف أو الملايين من عمليات التبادل اليومية تتجاهلها مؤشرات الأسعار والسلع من خلال دمج الرغبات والتفضيلات الفردية لملايين الناس، وافتراض أن دخل الفرد، دون النظر إلى العوامل الأخلاقية والاجتماعية، هو العامل الوحيد المتحكم بنزعته الشرائية

ما قدمته المدرسة النمساوية في الاقتصاد، من فهم لمبادئ العلوم الطبيعية وأساسياتها مقارنةً بعلم الاقتصاد، لا يمكن فصله بتاتًا عن المحاولات المماثلة في فهم الإنسان ككائن أخلاقي من الفلاسفة وأساتذة المنطق. فامتلاك الإنسان للعقل يحتم عليه أن يفكر، بالمعنى العميق، تفكيرًا عقلانيًّا، وذلك مما أتاحته اللغة للإنسان من خصائص (مثل الإزاحة الزمانية والمكانية والخاصية الانعكاسيةوهذا يميزه عن التفكير عند بقية الكائنات الحية.

على الاقتصاديين جميعًا محاولة فهم السلوك الإنساني والعوامل النفسية للمستهلك التي تؤثر على قراراته كفرد عادي، لا على أنه «أفضل اقتصادي في العالم».

ما يترتب على التفكير بهذا الشكل المختلف هو وجود الخيار الذي متى ما وُجِدَ وُجِدَت الأخلاق، وهي منظومة يختلف فهمها تمامًا باختلاف البيئات والثقافات التي يعيش فيها الإنسان، مما يجعل إهمال هذا الامتياز الخاص بالإنسان في علم الاقتصاد أمرًا غير منطقي. 

عبر محاولاتنا لفهم السلوك الفردي والمحرك الغريزي للطبيعة البشرية، تجدر الإشارة إلى أن ذلك لا يعني أن الإنسان يستخدم أدواته في التفكير العقلاني على الدوام، فهناك إشارات وأدلة واضحة تدل على أن الإنسان يتصرف تصرفات غير عقلانية وعشوائية، أي لا يمكننا حتى التنبؤ بها.

في مقابلة أجريت عام 2015، تحدث ريتشارد ثيلر مع «هال فارين» عن بعض الأمثلة التي تؤكد هذا السلوك غير العقلاني من بعض الأفراد على مستوى واسع، وكان من أبرز تلك الأمثلة ذلك المتعلق بشركة تحمل الرمز «CUBA» في بورصة «ناسداك»، ولا علاقة للشركة بدولة كوبا، وكانت أسهم الشركة تُتداول أقل من القيمة المستحقة للأصول التي تقبع تحت إدارتها بـ15%، إلا أن قيمة السهم ارتفعت إلى 70% أعلى من قيمة الأصول المدارة فور إعلان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما رفع الحظر على التبادل التجاري مع كوبا في ديسمبر 2014، ذلك رغم أن القرار لا يؤثر على الحالة المالية للشركة بتاتًا.

على الاقتصاديين جميعًا محاولة فهم السلوك الإنساني والعوامل النفسية للمستهلك التي تؤثر على قراراته كفرد عادي، لا على أنه «أفضل اقتصادي في العالم»، كما يقول ريتشارد ثيلر، إشارةً إلى أن الدراسات الاقتصادية دائمًا ما تفترض أن قرارات المستهلك الفردية هي الخيار المالي الأمثل من الخيارات المتاحة.


هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.