الأقل حظًّا

تموت بموت زوجها: حكايات ومآسي الأرملة العربية

الصورة: Getty\Lior Mizrahi

كأي فتاة في سنها بدأ الخُطَّاب يتوافدون للفوز بنور، فهي عشرينية جميلة من عائلة كبيرة يتمناها الجميع، لكنها لم تتمنَّ سواه. رفضت كل من تقدم إليها في انتظار حبيبها مصطفى، الذي تردد في التقدم إليها خوفًا من رفض أسرتها، لكنه فعلها أخيرًا.

وافقت نور على الفور، وتمت مراسم الزواج في أقل من عام، وجهَّزا معًا سكن الزوجية، رسما كل شبر فيه، اختارا كل أثاثه بعناية.

مرت الأيام وتزوجا، وبعد تسعة أشهر قَدِم ولي العهد، ابنهما الوحيد ياسين. كثرت الأعباء، أقنعته الزوجة المُحِبة أنه ربما لو سافر إلى الخارج يستطيع أن يوفر ما يضمن حياة كريمة. كان مترددًا، استمر في التأجيل عدة أيام حتى بعد حصوله على عقد، وفي النهاية كان لا بد أن يسافر. أحسَّت نور بضيق في صدرها، ودَّعته غير واعية بأنه الوداع الأخير.

حادث سير يُودي بحياة مصطفى خلال ذهابه إلى المطار، يفاجئها صوت على هاتفها المحمول: «صاحب هذا الهاتف مات».

هنا بدأت حياة جديدة شديدة القسوة، فهي الفتاة التي ترمَّلت وهي في عامها الثاني والعشرين: «بموته بدأت الحياة تتغير، لم يعد لي مطلق الحرية، لا يجب أن أخرج من منزلي إلا بإذن والده أو والدته، مصروفي الشخصي ومصروف ابني يجب أن أقدم كشفًا تفصيليًّا في ما أنفقه».

توضح نور لـ«منشور» أنها قررت البقاء في بيتها لتربية ابنها، لكن كل أعين الناس كانت تسأل: «هل أنتِ باقية على العهد إلى هذا الحد؟ لا بد أنكِ ستتزوجين». لم يراعِ أحد حزنها وحدادها على زوجها، فالأرملة هاجس بالنسبة إليهم، ويجب ألا تحكتك برجالهن حتى لا «تزوغ» أعينهم عليها. وبالنسبة إلى أهل الزوج هي عبء، إما أن تتزوج أخيه، وإما أن تغادر، فقط لأن سنها الصغيرة قد تدفعها إلى الزواج برجل من خارج العائلة، ربما يطمع في ميراث ابنهم.

في أغلب الأوقات تسعى العائلات لتزويج أرملة الابن المتوفَّى بأخيه الأصغر، لكن في حالة نور كان الوضع مختلفًا، فقد حكموا عليها بالزواج من أخيه الأكبر المتزوج والأب لأربعة أبناء.

«لا أريد أن أتزوج، سأعيش على ذكرى زوجي». قالت لهم، فكان الرد الجاهز دائمًا: «تنوين الزواج وأخذ ابننا (الطفل الصغير)».

الزواج من أرملة الأخ حل صنعه المجتمع

لقطة من فيلم «هلأ لوين» - الصورة: آن دومينيك توسان

توفي زوج سماح فأصر والده أن تتزوج أخيه الأصغر الذي كان يحب فتاة أخرى، لكنه خضع بعد تهديد الأب بحرمانه من الميراث.

مراد محمد شاب مصري (32 عامًا) فرضت عليه أسرته الزواج بأرملة أخيه المتوفى خوفًا على أبنائه من التشرد، وحتى لا يربي غريب أبناء أخيه، فهو «أولَى بلحمه».

أُجبِرَ مراد على الزواج من أرملة أخيه، وهي أيضًا أُجبِرَت، حاول أن يغير تفكيرها، أن يجذبها إلى ساحته وأن يغير حياتها، أراد أن يعيش حياة طبيعية، يأخذ الأطفال مثلًا في رحلات مختلفة، يشتري لهم ما يريدون. هو عكس أخيه تمامًا، محب للسفر، يصرف ببذخ عكس أخيه الذي كانت حياته عادية ويعاني ضعفًا في الدخل المادي، ما منعه أحيانًا من تلبية كل طلبات أبنائها. أحب الأبناء الأب الجديد، لكنه فشل في جذب انتباه الأرملة.

«أصبح أبناء أخي ينادونني بابا. لكن وجودي في حياة الأم أصبح مجرد ديكور، حتى العلاقة الحميمة نؤديها على مضض، وفقط عندما أطلب ذلك. معظم الوقت نائمة، وعندما أعود إلى المنزل لا تعاملني كزوجة مشتاقة، فقط تريد تربية أبنائها. لقد ظُلمنا بهذه الزيجة، لكن الفرق الوحيد أنني لدي النية لأتقبل ذلك، لكنها ما زالت تحب شقيقي، وتعيش على ذكراه مهما حاولت التقرب منها».

حالة مراد لا تختلف كثيرًا عن حال سماح (26 عامًا) التي توفي عنها زوجها بعد أن أُصيب بمرض مفاجئ، فأصر والده، وهو في نفس الوقت خالها، على أن تتزوج ابنه الأصغر، وسط رفض تام منها ومن الابن الأصغر الذي كان يحب فتاة أخرى، لكنه خضع بعد تهديد الأب بحرمانه من الميراث.

تقول سماح: «تزوجنا، لكني اكتشفت أنه مُجبَر على تلك الزيجة. نعيش كالغرباء، فبعد أن كان يعاملني كأخته أرى في عينيه نظرات الغضب، فأنا التي حرمته من حب حياته. الآن لا نعيش حياة طبيعية، لست زوجة، وهو لم يعد يعاملني كالسابق».

أثارت الكاتبة السعودية حصة آل الشيخ جدلًا واسعًا في المملكة إثر مقال بعنوان «مُعتقَل الوفاء التراثي النسوي»، تحدثت فيه عن التعامل مع الأرملة على أنها إرث، فمثاليات الوفاء يُسقطها الرجل عن نفسه، ويتزوج بأخرى ربما حتى بمجرد أن يدفن زوجته، بينما هي تجلل نفسها بالسواد والحزن والتقبيح. ومع الرضا بالقسمة الذكورية، تهلُّ مزايدات قتل المرأة بموت زوجها، لتحرِّم عليها الخروج ورؤية القمر بدرًا وشرب القهوة بالزعفران والتجمل والتحدث مع الرجال، وغيرها من خرافات التراث.

وحسب المقال، فالمرأة ممنوعة من مشاهدة الرجال أو حتى نفسها في المرآة، ومن التحدث في الهاتف في بعض المناطق، وتلتزم بارتداء الملابس البيضاء. ويعتقد بعضهم أنها يجب أن لا ترى مولودًا حتى لا تفقد والدته القدرة على الإنجاب مرة أخرى، ويُحظر عليها رؤية القمر، وتُمنَع من حضور الاحتفالات لأكثر من عام.

اقرأ أيضًا: الزواج في مصر لمن يدفع فقط

الأرملة في التراث والمفاهيم الشعبية العربية

الصورة: Getty/Gerard Puigmal

كتبت فتحية أحمد روايتها «الهجالة» عقب وفاة زوجها، وجسَّدَت فيها تجربة التَّرمُّل، والفوارق بين الأرملة والأرمل الذي يمتلك فرصة ثانية.

مروة فتاة عشرينية، أُجبرت على الزواج من شقيق زوجها المتوفَّى لكي تستطيع «الحياة». سألناها عن مقصدها من لفظ الحياة، فأجابت: «كنت لا أستطيع الذهاب إلى الكوافير للتجمل، فأنا بذلك أبحث عن عريس. لا أستطيع التحدث حتى لأقاربي من الرجال، لا أخرج بمفردي أبدًا، لا أرتدي الألوان الفاتحة، ولا قمصان النوم، لا أزيل الشعر الزائد في وجهي، فلا بد من البقاء في حالة حداد دائمة في وجهة نظر أهل زوجي، وحتى أهلي».

وافقت مروة على الزواج من شقيق زوجها كي تستطيع المُضي قدمًا في حياتها وتربية بناتها، رغم أنه متزوج، وزوجته تكرهها الآن بالطبع، إلا أنه «ظِل راجل».

في الجزائر يُطلَق على الأرملة التي توفي عنها زوجها «الهجالة»، وهو لفظ خاص بالمرأة فقط، فالرجل لا يسمى هجاًلا.

وفقًا لقسول جلول، أحد أئمة المساجد هناك، يوجد أكثر من 50 مثلًا شعبيًّا في الجزائر عن الأرملة، كلها تحمل مدلولًا سلبيًّا عنها، مثل: «الهجالة ربات عجل ما فلح، ربات كلب ما نبح»، و«شرط العازب على الهجالة»، و«ما تاخذ الهجالة لو كان خدها مشموم، أنت تصرف وتجيب وهي تقول الله يرحم المرحوم»، و«البصل يجعل حتى الأرامل يبكين»، و«تبكي كأرملة»، و«الأرملة كالفرس من دون فارس».

لعل ما تعانيه الأرملة في المجتمع الجزائري هو ما دفع الكاتبة فتحية أحمد إلى تأليف روايتها «الهجالة» عقب وفاة زوجها، وهي سيرة ذاتية جسَّدَت فيها تجربة التَّرمُّل والواقع الاجتماعي الذي كوَّن نظرة سيئة حول الأرامل، وتطرَّقت أيضًا إلى الحديث عن الفوارق بين الأرملة والأرمل الذي يمتلك الحرية في فرصة ثانية، عكس الأرملة التي تُتَّهم بالخيانة.

وفي المغرب تنتشر أسطورة «بغلة الروضة»، أو بغلة المقابر، وهي امرأة قبيحة المنظر، أو عجوز شمطاء لديها حوافر كالماعز أو البغال، تسير ليلًا في المناطق النائية، وتغري أي رجل تقابله بصورة امرأة حسناء، فيتبعها لتضاجعه، ثم تلتهمه.

تشير تفاسير الأسطورة إلى أن البغلة أرملة لم تلتزم بالعرف، من حيث ارتداء الملابس البيضاء طيلة أيام العِدَّة، وعدم الخروج من منزلها أو معاشرة رجل آخر.

تقترب الأسطورة المغربية من قصة «الغولة»، وهو الاسم الذي لا يزال يُطلَق على الأرملة في واحة سيوة المصرية، إذ إن المرأة بعد وفاة زوجها تُحبَس داخل قبو مظلم، وتُمنَع من الاغتسال أو الاستحمام أو تهذيب شعرها أو أظافرها طوال مدة العدة، ولا يدخل عليها إلا الطعام والشراب، ويُعتقَد أن روحًا شريرة تسكنها خلال هذه المدة، لذلك عند خروجها يُنادَى في الناس للاختباء حتى تهذب نفسها وتمر مدة العدة، اعتقادًا بأن أول شخص تراه يموت، ورؤيتها ستجعل الأرض بورًا، وتصيب النساء بالعقم، والأطفال بالمرض.

قد يعجبك أيضًا: النساء.. آلهة استُعبِدن باسم الزواج

أرملة: وللدين رأي

منع زواج الأخ من أرملة أخيه في المسيحية

في فتوى له حذر الشيخ محمد بن صالح العثيمين من إجبار الأرملة على الزواج بشقيق زوجها المتوفى، مستشهدًا بالآية القرآنية: «يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء»، إلا أنه في نفس الوقت أفتى بجواز ذلك إذا صادف رضًا من المرأة والرجل على حد سواء.

ويُجيز الدكتورعلى جمعة، مفتي الديار المصرية السابق، خروج الأرملة إلى عملها في أثناء فترة العدة، على أن تعود إلى المبيت في بيت زوجها مرة أخرى، موضحًا أن أحكام الإسلام «مرنة»، لكننا نقابلها بكثر من التشدد والمغالاة.

وفي فتوى لأحد الشيوخ عن سؤال حول مدى شرعية زواج أرملة من شقيق زوجها المتوفى، قال الشيخ: «هو الأَوْلى». وفند ذلك في فتواه بأنها وسيلة لتظل ابنتها تحت حضانتها، وأن تكسب رضا أهل زوجها المتوفى، وألا يربي ابنتها الغرباء.

في اليهودية لا يجب على الأرملة أن تتزوج إلا بشقيق زوجها المتوفى فقط.

وفي المسيحية، شدد البابا شنودة الثالث على أن الزواج من أرملة الأخ المتوفى غير جائز، إذ إنها تصير شقيقة الأخ عندما تتزوج المتوفَّى. وهدد في إحدى عظاته باتخاذ إجراءات صارمة تجاه أحد الكهنة الذي زوَّج أرملةً لشقيق زوجها المتوفى، وهو ما اتفقت عليه معظم الاتجاهات المسيحية في هذا الشأن.

لكن بعض علماء اللاهوت المسيحي، وعلى رأسهم الأنبا غريغوريس أسقف البحث العلمي، رفضوا رأي البابا، وأرسل إليه غريغوريس خطابًا في عام 1995 بعنوان: «أحقًّا بالحق تتكلمون؟»، تعجب فيه من رفضه زواج الأخ بأرملة أخيه، بالرغم من أن الإنجيل يقول: «لا تصر امرأة الميت إلى خارج، لرجل أجنبي، بل أخو زوجها يدخل عليها، ويتخذها زوجة له، ويقوم لها بواجب أخ الزوج»، مضيفًا أن كل تلك الآراء من أوامر ملوك الروم.

وجاء في اليهودية أن المرأة لا يجب أن تتزوج إلا بشقيق زوجها المتوفى فقط، وفي حال إنجابها، يُنسَب الطفل البِكر إلى زوجها المتوفى وليس إلى الزوج الحقيقي. وبحسب مجلة «الدراسات الدينية» يرث أخو الزوج المتوفى الوظيفة الجنسية لأرملة أخيه التي لا يمكنها الزواج حسب رغبتها: «فُرِض على أكبر زوج أن يتزوج أرملة أخيه، فإذا رفض، عُرِضَ زواجها على جميع الإخوة على التوالي، فإذا رفضوا، أُعيد العرض إلى الأكبر، فيُقال له: عليك فرض، فإما خلع النعل، وإما الزواج بأرملة أخيك».