بيزنس إز بيزنس

مشروعات صغيرة: ماذا ينقص العرب كي يبرعوا في ريادة الأعمال؟

الصورة: Getty/Andrea Thompson Photography

ربما يخطر على ذهنك كل أفكار تصلح لمشروع صغير، تعتقد أنه سيقودك إلى النجاح ويساعد نجمك على البزوغ. وربما تؤمن بأنك أَوْلى بثمار المجهود الذي تبذله خلال ساعات العمل كل يوم، وليس صاحب العمل الذي استخدمك كي يحقق أحلامه وأهدافه ومشروعاته.

لكن خلال تفكيرك هذا، ربما يجول في خاطرك أنك لا المال الكافي أو الصفات والمهارات الشخصية، كحب المغامرة والصمود في وجه العقبات، خصوصًا في بداية المشروع، وكذلك المقامرة بوظيفتك الثابتة التي قد تضطر غالبًا إلى التخلي عنها للتركيز على مشروعك الصغير.

لكن هل البيئة الاقتصادية في الدول النامية تستوعب، من الأساس، المشروعات الصغيرة، وتتيح للأفكار الشابة فرصة النضج؟ هل توفر المشروعات الناشئة فرص عمل جديدة للشباب في البلاد العربية، أم أنها مجرد مشروعات صغيرة ينتهي مصيرها إلى فشل حتمي؟

سفراء تغيير اقتصاد الدول النامية

الصورة: publicdomainpictures

في يونيو 2016، خلال مؤتمر القمة العالمية لريادة الأعمال الذي استضاف رواد أعمال بارزين من دول متعددة للاحتفاء بهم والاستفادة من تجاربهم، من بينهم مارك زوكربيرغ مؤسس فيسبوك، وضّحت المهندسة المصرية الشابة مي مدحت، مؤسسة تطبيق «Eventtus»، في حديثها مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أن البيروقراطية والإجراءات الحكومية تمثل العائق الأكبر أمام المشروعات الناشئة.

لم يناقش زوكربيرغ أي عقبات، بل تطرق إلى كيفية تطوير الفكرة وتحويلها إلى شغف حقيقي لخدمة المجتمع، وتغيير العالم من حوله من أجل مستقبل أفضل، وإتاحة الأدوات التكنولوجية أمام الجميع.

التحديات التي تواجه رواد الأعمال في الدول النامية تختلف كثيرًا عن مثيلاتها في دول العالم الأول المتقدمة، وفجوات السوق التي تسدها المشروعات الناشئة تختلف أيضًا هنا وهناك. ومن الطبيعي أن تسبق رواد الأعمال خطوات المجازفة بالوظيفة والأموال والفرص البديلة المتاحة.

في الدول النامية البعيدة عن أدوات التكنولوجيا بشكل خاص، تُسهِم أفكار رواد الأعمال في خلق فرص عمل، وتنمية الاقتصاد المحلي، وإشباع حاجات المجتمع في مجالات عدة. لكن نقص الخبرات والتوجيه، وضعف تمويل المشروعات الناشئة، تحديات يجب أن يتغلب عليها هؤلاء المبدعون. والطريق إلى الوصول لمرحلة تنفيذ الفكرة يتطلب التمويل، ودراسة السوق، والتدريب التقني على المستوى الفردي، والسياسات التشجيعية، والمؤسسات الداعمة على مستوى الحكومة.

على سبيل المثال، بدأت البنوك في مصر تشجيع المشروعات الصغيرة للشباب ودعمها، ومثال ذلك مبادرة بنك مصر «طلعت حرب راجع»، التي حققت شهرة واسعة ونموًّا بنسبة 80% للبنك خلال عام واحد.

المشكلات الاقتصادية التي تعرضت لها مصر في السنوات الأخيرة، من إغلاق آلاف المصانع وافتقاد المنتج المحلي، كانت دافعًا رئيسيًّا في اتجاه الدولة إلى تشجيع المشروعات الصغيرة. لكن النتيجة جاءت سلبية على أرض الواقع، ولم تكن بنفس تفاؤل الدعاية، وتأخُّر سَن القوانين يؤدي  إلى ركود المشروعات الصغيرة.

في تونس، نسبة البطالة بين خريجي الجامعات 1 بين كل 3 أشخاص، ما يستدعي دفع الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة.

تامر الميهي، خبير تنمية الصناعات الصغيرة، يوضح لـ«منشور» أنه أجرى دراسة وضّحت له أن المشروعات الصغيرة «محض وهم»: «إذا اتخذنا ريف الصعيد نموذجًا، فإن الفقر العام لا يعوق بدء مشروعات جديدة فحسب، بل يؤثر أيضًا في قدرة المشروعات القائمة على زيادة إيراداتها في السوق بوضعها الحالي».

بالتالي، ستكون للمشروعات الصغيرة قدرة محدودة على التوسع وتوليد مزيد من الوظائف، أو زيادة الدخول المتاحة من الوظائف الحالية، بحسب الميهي، الذي يضيف: «الجهات الحكومية التي تفخر بأنها ساعدت مشروعًا قائمًا أو أسهمت في إنشاء مشروع جديد، قد تتسبب في فشل مشروع آخر، لأن المشروع الجديد سيجذب عمالة المشروع الآخر، ولن تكون هناك فرص عمل جديدة».

أما في لبنان، فقد أعلنت سيدة الأعمال لميس جوجو، الحائزة على جائزة «ستيفي» الأرفع دوليًّا في مجال الإبداع والتميُّز، عن مشروعها «سمايل هولدنغ»، الذي يُعنى بكل ما يتعلق بالأطفال والطلاب حتى وصولهم إلى الجامعة، وتمكينهم في المجتمع، وبخاصة الفتيات، بأن نجاح المشاريع الصغيرة يتوقف بنسبة 100% على المجهود الشخصي، وليس هناك أي دعم قانوني رسمي في البلاد العربية.

يقول الأستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي «دوري ضو» إن الركود الاقتصادي وانعدام الاستقرار الأمني والشلل التشريعي يهدد الشركات صغيرة ومتوسطة الحجم القائمة، ويمنع وجود أي مشروعات أخرى محتملة. بينما تمثل تسهيلات البنك المركزي في لبنان والقطاع المصرفي طوقَ نجاة لبعض الشركات الصغيرة للتحول إلى شركات مساهمة بتوفير فرص عمل جديدة.

وفي تونس، تبلغ نسبة البطالة بين خريجي الجامعات واحد من كل ثلاثة أشخاص، ما يستدعي بشكل طارئ دفع الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة.

وعن طريق دعم البنك الدولي للحكومة التونسية والمنظمات غير الحكومية المحلية، تدربت زبيرة ملاكي على فن الأرابيسك والنقش على الخشب، وخلقت لنفسها عملًا، بل وتحدت الأعراف، كونها سيدة تعمل في مجال النجارة.

يؤكد الخبير الاقتصادي معز الجودي أن دعم الحكومة التونسية للمشاريع الصغيرة محدود ولا يتجاوز 45%، لكن الشروط لأصحاب المشاريع الصغيرة ميسرة في إطار قانون الاستثمار، حتى أن نسبة الفائدة عليها قد تصل أحيانًا إلى صفر%.

اقرأ أيضًا: كيف بدأت ثورة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط؟

المشروعات الصغيرة: مقامرة شبه محسومة

الصورة: Gunawan Kartapranata

تعاني الدول العربية من انخفاض الدخل القومي وقلة الإنتاج المحلي، ومن الصعب المخاطرة بوظيفة ومال لبدء مشروع صغير.

إذا كانت المخاطرة إحدى الصفات الواجب توفرها في من يُقدِم على بدء مشروع صغير، فإن هذا الشخص يراهن على حالتين: إما النجاح أو الفشل. لكن لو كانت البيئة الحاضنة غير مؤهلة لإنشاء المشروعات، فتلك مراهنة على الفشل فقط.

إذا كانت الحكومات في البلاد العربية، بحسب ما تزعم، تشجع الشباب على الخروج بأفكار لمشروعات صغيرة، ودفع الاقتصاد من أجل خلق فرص عمل جديدة، فلماذا تتصدر الدول العربية نسبة البطالة عامًا بعد عام؟

في البلاد العربية التي تعاني انخفاض الدخل القومي وقلة الإنتاج المحلي والاحتياج إلى العملة الصعبة، من الصعب المخاطرة بالوظيفة، أو بقليل من المال لبدء مشروع صغير، وتصير الأولوية لتطوير المهارات فقط من أجل الحصول على وظيفة تؤمِّن احتياجات الفرد الأساسية ليس إلا.