إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

أمازون: عملاق الكُتب الذي لا يتوقف عن التمدد

«جيف بيزوس»، مؤسس شركة «أمازون» وأحد أغنى أغنياء العالم - الصورة: Getty/Mario Tama

نما سوق الكتب الإلكترونية بشكل ملحوظ خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بتحول كثير من القُراء المخضرمين إليها، والتعامل معها كوسيلة أسهل وأكثر عمليةً من قراءة الكتب الورقية. ساعد في ذلك بالطبع تطور الأجهزة الإلكترونية والرقمية، ولا شك أن «أمازون» واحدة من أهم الشركات في سوق الكتب، إن لم تكن أهمها على الإطلاق.

بدأ «جيف بيزوس» مشروع أمازون عام 1994. كانت فكرته الأساسية هي بيع الكتب عبر الإنترنت، ثم توالت التطورات على أمازون فصارت تبيع كل شيء تقريبًا، لكن بحلول عام 2007 حققت الشركة خطوة ذهبية في طريقها الأساسي، أي بيع الكتب الإلكترونية، عبر إطلاق جهاز القارئ الإلكتروني «كيندل».

أمازون تتطور

استثمرت أمازون في كتبها الإلكترونية المسموعة، لتسمح بالتبديل بين قراءة الكتاب أو الاستماع إليه، وتبحث عن طرق لجعل صوت قارئة الكتب الإلكترونية طبيعيًّا أكثر.

بيعت أول نسخة تجريبية من «كيندل» في غضون ساعات قليلة من إصداره، وأصبح فقر إمكانياته سِمةً ينفرد بها عن الأجهزة اللوحية الأخرى، فبالنسبة إلى القارئ، «كيندل» منصة قراءة خالية من أي مشتتات أخرى، لا ترى خلاله إشعارات فيسبوك أو تتابع عبره ألعابك المفضلة. حين تمسك كيندل بين يديك، تنعزل عن كل شيء إلا الكتاب الذي تقرأه.

لكن فقر إمكانيات كيندل لم يمنع أمازون من تطويره بالتدريج، ليصير منصة وعالَمًا بحد ذاته.

في البداية، قدمت أمازون خدمة «Whispernet» بالتعاون مع شركة «كوالكوم»، وهي خاصية تسمح لمالكي كيندل بالاتصال بالإنترنت حتى يتسنى لهم تحميل الكتب أينما كانوا. بعدها، أضافت خاصية الحبر الإلكتروني (E-Ink)، وهي خاصية تُظهر الكتب كالورق الحقيقي، ولا تستهلك البطارية أو تتطلب ضوءًا خلفيًّا قويًّا، ولا ترهق البصر.

الحبر الإلكتروني هو صبغات بيضاء مشحونة بشحنة موجبة وصبغات سوداء مشحونة بشحنة سالبة، تُنتج نفس مظهر الحبر على الورقة - الصورة: FREEscanRIP

استثمرت أمازون في كتبها الإلكترونية المسموعة داخل تطبيق كيندل نفسه، ما سمح للمستخدمين بالتبديل بين قراءة الكتاب أو الاستماع إليه بضغطة زر.

ويقول «ديفيد ليمب»، نائب مدير قسم الأجهزة، إن الشركة تبحث أيضًا عن طرق لجعل صوت أليكسا، قارئة الكتب الإلكترونية، طبيعيًّا أكثر، وإنهم يأملون أن تصير أعظم أداة أدبية على الكوكب.

اقرأ أيضًا: هكذا تُسهِم القراءة في تحديد مصائرنا

كيندل للكُتاب والناشرين

تملك أمازون أدوات تساعدك على تأليف كتابك وتنسيقه وتصميم غلافه ثم نشره في الأماكن المناسبة، لكن الآراء تتعارض بخصوص ما إذا كانت الشركة تخدم الناشرين أم تستغلهم.

يؤيد «مارتي شيبارد»، الناشر المؤسس في شركة «The Permanent Press» الأمريكية، الرأي الأول، ويؤكد أن أمازون هي «أفضل شيء» للناشرين المستقلين الصغار لأنها تساوي بين الجميع: «مهاجمو أمازون يريدونك أن تصدق أنها تسحب كل ما يمكنها من الناشرين، لكنها في الواقع تقدم إليهم أفضل ما يمكن».

يعزو شيبارد موقفه هذا إلى أربعة أسباب:

  1. حين يرسل الناشر كتبًا إلى متجر، سواء كان تاجرًا أو موزع جملة، يضع في حساباته استرجاع من 20% إلى 8% منها، لكن لو طلبت أمازون كتبًا فمن النادر أن تُعيد أكثر من 1% أو 2%، لأنهم ماهرون في البيع
  2. تُسهل أمازون كتابة تقييمات الكتب، سواء كانت إلكترونية أو مطبوعة. ولا يوجد تمييز بين التغطية التي تحصل عليها الكتب الفردية وما تحصل عليه شركات كبيرة مثل «Hachette»
  3. الأرباح التي تعود على الناشر والكاتب من مبيعات الكتب على كيندل رائعة، إذ يحصل كلاهما على ربح أكبر، خصوصًا أن عملية النشر الافتراضية لا تتطلب أي تكاليف إنتاج
  4. تدفع أمازون الأرباح بعد 30 يومًا عن طريق التحويلات البنكية، ولا تنافسها في هذا، أو حتى تقترب منه، أي مؤسسة أخرى في سوق الكتب

فوائد الكتب الإلكترونية

الصورة: freestocks

تتربع أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا على عرش سوق الكتب الإنجليزية في العالم.

يفضِّل القُراء الكتب الإلكترونية لسهولة الحصول عليها والاحتفاظ بها دون الحاجة إلى دفع مصاريف الشحن، إضافة إلى أخذها في أي مكان على الأجهزة، وكذلك لأنها تتميز بإمكانية البحث فيها، والاقتباس منها، وتكبير الصفحات، وتظليل الأجزاء الضرورية.

إلى جانب هذا، توفر بعض التطبيقات استخدام قاموس أو مترجم للبحث عن مفردات للكلمات أو مقابلها بلغة أخرى، وكلها إمكانيات لا يوفرها الكتاب الورقي.

بدأت سوق الكتب الإلكترونية في الازدهار منذ أطلقت أمازون جهاز كيندل، وتستمر السوق في النمو على عكس ما يُشاع، بحسب تقرير نشره موقع «Observer»، فالمشكلة الحقيقية أننا لم نصل بعد إلى الطريقة السليمة لتحديد مبيعات الكتب الإلكترونية.

قد يعجبك أيضًا: أسرار القراءة السريعة

نسبة أمازون في سوق الكتب

الصورة: BruceEmmerling

 تتربع أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا على عرش سوق الكتب الإنجليزية في العالم. واستحوذت أمازون، وفقًا لموقع «Author Earnings»، على نسبة تقارب 74% من مبيعات الكتب الإلكترونية في الولايات المتحدة عام 2015، وارتفعت النسبة إلى 83.3% عام 2017، و87.9% من سوق بريطانيا، و57.% في كندا، و60.6 في أستراليا.

تهتم أمازون كذلك بدعم موقعها في سوق الكتب الإلكترونية في الهند، إذ أضافت عام 2016 خمس لغات إقليمية جديدة، هي الهندية والتاميلي والمهاراتية والغوجاراتية والمالايالامية، ما رفع المبيعات إلى نسبة 80%، بحسب ما نشره موقع «Hindustantimes».

مواجهات إلكترونية شرسة

أطلقت غوغل خدمة «Google Play Books» في أكثر من 45 دولة بتسع لغات بالمجان، بينما تطلب أمازون 15 دولارًا شهريًّا نظير خدمة الكتب الصوتية.

في رحلتها الاستحواذية، وقّعت أمازون في 2010 اتفاقية مع وكالة «وايلي» للحصول على الحقوق الرقمية لأعمال كثير من المؤلفين، ثم اشترت عام 2013 موقع «جود ريدز» لتُلحقه بكيندل وتعزز عالمها الكبير.

وفي رحلتها، تواجه أمازون عددًا كبيرًا من الشركات العملاقة:

1. آبل: كانت تنافس أمازون لوقت طويل، لكنها تراجعت بعد أن غرّمتها وزارة العدل الأمريكية 450 مليون دولار عام 2012، بتهمة التلاعب بأسعار الكتب الإلكترونية.

لكن آبل عادت هذه المرة بقوة، إذ أطلقت تحديثًا جديدًا لتطبيق «iBooks» الخاص بها، وعينت لهذه المهمة موظفًا سابقًا في أمازون.

2. غوغل: تصاعد الخلاف بين الشركتين بعد أن حجبت غوغل في 2017 موقع يوتيوب على جهاز «إيكو» الذي توزعه أمازون. ولم تكن هذه المرة الأولى بينهما، فالشركتان لهما تاريخ طويل في وقف منتجات الأخرى في محاولة فرض السيطرة.

أطلقت غوغل كذلك خدمة «Google Play Books» في أكثر من 45 دولة وبتسع لغات بالمجان، بينما تطلب أمازون 14.95 دولار شهريًّا نظير خدمة الكتب الصوتية.

3. وول مارت: تخطط شركة «Walmart» لدخول سوق الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية عبر تطبيق «Walmart-Kobo»، بالتعاون مع شركة راكوتن اليابانية، وسيتوفر التطبيق على أجهزة آبل وأندرويد.

تنافس الشركات الثلاثة أمازون، المهيمنة على السوق، أملًا في الحصول على جزء من حصتها الضخمة.

اقرأ أيضًا: نُبوءَة «نهاية الكتاب المطبوع» تفضح خوفنا من التغيير

خطوة إلى الأمام

اتجهت أمازون عام 2014 إلى قرار خفض أسعار عديد من الكتب الإلكترونية بحيث لا تتجاوز 10 دولارات، الأمر الذي رفضته دور النشر الأمريكية، واشتعلت بسببه أزمة طويلة.

نشب الخلاف تحديدًا مع شركة «Hachette»، رابع أكبر دار نشر في العالم، وقالت أمازون إن خفض الأسعار سببه أن إنتاج الكتب الإلكترونية لا يشمل أسعار الطباعة أو التخزين أو التسليم، لكن المفاوضات لم تسفر عن نتيجة.

بعدها ضغطت أمازون على «هاشيت» بخفض التوزيع الإلكتروني لها، وإيقاف الطلبات المسبقة على أعمال الكُتاب المتعاقدين معها، وتأخير تسليم كتب الدار، واعتبر الكُتاب الأمريكيون حينها تصرفات أمازون احتكارًا للسوق وفرضًا للسلطة، لكن الشركتين وصلتا في النهاية إلى تسوية.

حدث أمر مشابه مع دار نشر «Macmillan»، إذ أوقفت أمازون بيع كتبها بعد اتفاقية آبل، ثم تراجعت بعد وقت قليل، وخضعت لمطالب الدار بتحقيق مرونة في الأسعار والتخلي عن السعر الثابت.

تابعت أمازون سياستها مع دار «HarperCollins»، إذ أرادت فرض شروط جديدة على عقد التجديد، لكن دار النشر اتخذت مسارًا مختلفًا عن البقية، فقد قررت أن تبيع كتبها المطبوعة والإلكترونية بنفسها عبر موقعها الإلكتروني، قاطعةً بذلك الطريق أمام أمازون.

«أي كتاب بخمسة جنيه»

اشترت أمازون موقع «سوق»، وأعلنت بعدها بدء المرحلة التجريبية من اللغة العربية على جهاز كيندل، ما يتيح للمؤلفين العرب نشر كتبهم في دقائق.

تعاني سوق النشر العربية أزمة كبيرة بسبب ارتفاع الأسعار وعزوف قراء كثيرين عن الشراء، خصوصًا أن أغلب القراء العرب من فئة الشباب، الذين تتأثر دخولهم بالأزمات الاقتصادية المسيطرة على المنطقة العربية، ما يُصعِّب عليهم شراء الإصدارات باهظة الثمن.

في مصر مثلًا، يتحايل الشباب على الأزمة بعدة طرق، منها قرصنة الكتب المطبوعة وتحويلها إلى صيغة «PDF»، أو سور الأزبكية وجهتهم المفضلة للشراء، الذي يعتمد على بيع الكتب القديمة وطباعة الجديدة بنسخ منخفضة الجودة سعرها أقل، لكن هذا بالطبع يؤثر سلبًا على الكتب والناشرين الأصليين.

أمازون: هل هي البطل المخلص؟

في مارس 2017، اشترت أمازون موقع «سوق دوت كوم»، أكبر موقع عربي للتسوق عبر الإنترنت، وأعلنت بعدها بدء المرحلة التجريبية من اللغة العربية على جهاز كيندل، ما يتيح للمؤلفين العرب نشر كتبهم في دقائق معدودة، والحصول على نسبة 70% من الأرباح، مقابل 10% أو 15% التي يتلقاها الكاتب عادةً عند النشر ورقيًّا.

اقرأ أيضًا: رهان أمازون على الكسل

لكن أمازون ليست أول منصة للكتب العربية على الإنترنت، بل سبقتها في ذلك مجموعة من المواقع العربية، منها «أبجد»، الذي يتيح لك تصفح الكتب مقابل اشتراك شهري، وكذلك «جملون» و«نيل وفرات» والأخير يوفر تطبيق «iKitab» لقراءة الكتب العربية. لكن هل يؤثر دخول عملاق الكتب أمازون إلى السوق على هذه المواقع؟

لا يمكننا التنبؤ بنتيجة حتمية، وبخاصة أن أجهزة القراءة اللوحية غير شائعة في الوطن العربي، لكن ربما تفاجئنا أمازون بواحد من ابتكاراتها الفريدة، تضم به السوق العربية إلى إمبراطوريتها التي لا تتوقف عن النمو.

أمازون نفسها لا تتوقف عن النمو، وهي في سعيها هذا، كأي شركة رأسمالية كبرى، تتخذ مجموعة من الإجراءات التي ربما تتصف بالعنف، لمحاولة عرقلة أي مشروع منافس. وهي إلى الآن ناجحة في مسعاها إلى مزيد من السيطرة.