من أدب السجون إلى تاريخ النفط: تعرف على عبدالرحمن مُنيف

ماجد الهملان
نشر في 2016/04/24

 «الحياة.. مجرّد الحياة يا صاحبي بطولة. نعم الحياة بطولة، لكن دون ضجة، بطولة صغيرة يمارسها الإنسان يوميًا من أجل أن يظل صادقًا وشريفًا»
- من رواية الأشجار واغتيال مرزوق

هو عبد الرحمن الأديب، وهو عبد الرحمن الفنّان، أو كما وصفه حليم بركات: «أحرص أن لا أفصل بين عبد الرحمن الإنسان والروائي، فهو حقًا نسيج بديع ونادر من الموهبتين معًا، إذ يتكامل فيه الفنان والإنسان فيغني أحدهما الآخر، وهذا بحد ذاته في نظري سرّه الخاص الغامض غموض التجارب الإبداعية عمومًا وفي كل فن من الفنون قاطبة».

لطالما كانت مؤلفات عبد الرحمن مُنيف شاهدًا ومؤرخًا لفترة مهمّة من التاريخ العربي في القرن الماضي، فقد كان كاتبًا ذا همٍّ ورسالة أرّقه حال الشعوب العربية فكرّس حياته للكتابة وللرواية، ولا تزال مؤلفاته دافعًا نحو الثورة والتغيير ضد الأنظمة والنخب الحاكمة، وذلك ما جعله من الروائيين الذين أسهموا في فضح تلك الأنظمة وتعريتها أمام الناس.

وبين السياسة والأدب، والكتابة والتأريخ، لا تخلو أعمال مِنيف من إبداعها الفني المتّسم بالمتعة، فقد قدّمت الكثير إلى اللغة العربية، وأوجدت بصيص أمل في عوالم أوشكت أن تنهار.

فمن عبد الرحمن منيف؟

265db72b643de59921be5b4084afe1e1

الجهل هو دائمًا الوجه الآخر للعبودية

- من رواية: الآن.. هنا

لم يكن لمُنيف موطن أو بلد واحد، فقد وُلد في عمّان بالأردن في عام ١٩٣٣ لأب سعودي وأم عراقية، وعاش طفولته فيها حتى انتقل إلى بغداد ليُكمل دراسته الجامعية، ثم انخرط في العمل السياسي عندما كان طالبًا في بغداد في خمسينيات القرن الماضي، حتى طُرد هو ومجموعة من الطلاب بسبب نشاطهم السياسي المناوئ للنظام آنذاك، وانتقل بعدئذ إلى القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية، وعمل في عدة عواصم عربية قبل أن ينتقل إلى باريس، ثم عاد إلى دمشق وتوفي فيها.

وكان مُنيف مبعثرًا بين عدّة أوطان، تربطه بكل مدينة عربية ذكريات وهموم وآمال أعادت تشكيله من جديد، ليكتب وطنه الكبير أملًا في مستقبل أفضل.

عمل مُنيف في الصحافة إلى جانب العمل في القطاع النفطي عدّة أعوام، وبسبب معارضته أنظمة عربية كثيرة، سُحبت جنسيته السعودية، ثم اعتزل السياسة في مطلع السبعينيات عندما قرر التفرغ للكتابة والرواية على وجه الخصوص، وله العديد من المؤلفات على مدى ثلاثة عقود عبّر فيها عن معاناة الشعوب العربية كافة، في ظل الاستعمار ثم الاستبداد، وتُرجمت بعض أعماله إلى عدة لغات.

ولم تقتصر إسهاماته على الرواية فحسب، بل كتب في الصحافة العربية، وأنجز عددًا من الدراسات في السياسة والاقتصاد.

وأدرك مُنيف أن التغيير لا يأتي من السياسة وحدها، خصوصًا في ظل أنظمة قمعية تمارس كل أنواع الطغيان ضد شعوبها، لتظلّ متمسّكة بالسلطة، وعلم جيدًا خشية تلك الأنظمة من تأثير الكلمة على الناس، لأن لها أثرًا قوياً قد لا يكون مباشرًا، بل تُقطف ثماره على المدى البعيد لتُلهم جيلًا كاملًا بالتغيير.

لم يبدأ مُنيف رحلة الكتابة إلا بعد أن تجاوز الأربعين من العمر، إثرسنوات طويلة من العمل والقراءة والمتابعة للأحداث الجارية في العالم، فبدأ مشواره الإبداعي بلغة شديدة التأثير تشكلت عبر تجارب غنية في عدة مجالات سياسية واقتصادية، ونشر روايته الأولى «الأشجار واغتيال مرزوق» عام 1973، وتحكي غربة الإنسان العربي وأحلامه التي أجهضتها الأنظمة السياسية العربية.

صدرت الرواية بعد تجربة مريرة وصعبة، فقد أراد أن يقول الكثير من خلالها، خصوصًا بعد فترة الستينيات التي ولّدت الخيبات والهموم لدى الشعوب العربية.

أدب السجون في أعمال مُنيف

350

إن السجن ليس فقط الجدران الأربع، وليس الجلاد أو التعذيب، إنه بالدرجة الأولى خوف الإنسان ورعبه، حتى قبل أن يدخل السجن، وهذا بالضبط ما يريده الجلادون، وما يجعل الإنسان سجينًا دائمًا. 

- من رواية: الآن... هنا

يعد مُنيف أحد مبتكري أدب السجون، حين سلّط الضوء على معاناة الشعوب العربية من طغيان تمارسه الأنظمة القمعية، وعمليات التعذيب في السجون السياسية في البلدان العربية، وصدرت له عدة مؤلفات، أبرزها «شرق المتوسط» و«الآن.. هنا» اللتان أحدثتا ضجة كبيرة عند نشرهما، إذ ركّزت تلك الروايات على تعرية ممارسات الأنظمة العربية في السجون السياسية من تعذيب وسلب لأبسط حقوق الإنسان، مما يجعل القارئ يشعر بالذل أحيانًا وبالعار دائمًا، حين يفرغ من قراءة مُنيف.

وببراعته، استطاع أن يقتحم ذلك العالم المحرّم ليخوض في تفاصيله اليومية بلغة تحاكي حاضرًا مرعبًا كما لو عايشها هو بنفسه، ولا تتطرّق تلك الأعمال إلى عمليات التعذيب فحسب، بل تغوص في أعماق الحالة النفسية لأولئك المعتقلين، والتي بدورها تثير أسئلة مُلحّة لتحرّك الساكن في نفس القارئ وتتمرّد على الواقع الموحش.

اقرأ أيضًا: الأدب الممنوع: كيف يُقمَع الإبداع في العالم العربي؟

الرواية التاريخية عند مُنيف

Booksstream.com_k3mbooksft82

لماذا لا يقرأ الجلادون والحكّام التاريخ؟ لو قرأوا جزءًا من الأشياء التي يجب أن يقرأوها، لوفّروا على أنفسهم وعلى الآخرين الشيء الكثير. ولكن يبدو أن كل شعب يجب أن يدفع ثمن حريته، والحرية، أغلب الأحيان، غالية الثمن.

- من رواية شرق المتوسط

يرى العديد من النقاد أن رواية مدن الملح من أبرز أعمال مُنيف، ومن أهم الروايات العربية في القرن العشرين. تتألّف من خمسة أجزاء، وتحكي تاريخ التغيرات الاقتصادية السريعة التي طرأت على منطقة الخليج والسعودية على وجه التحديد بعد اكتشاف النفط، وما صاحبها من تأثير على الجانب الاجتماعي والسياسي لشعوب المنطقة، والتحولات السريعة التي طرأت على المنطقة العربية بأسرها.

ويسرد مُنيف حكاية تطور ونشوء مدن جديدة في قلب الصحراء العربية بعد تصدير النفط بكميات تجارية، وتحوّلها إلى إحدى أهم المناطق على مستوى العالم، وهو ما دفعه للكتابة بعد اكتشاف هذه الثروة التي لم يُحسَن التعامل معها، على حد تعبيره.

وتعدّ مدن الملح من الروايات التاريخية التي وثّقت فترة مهمة من التاريخ العربي المعاصر، فقد أراد مُنيف من خلالها تسجيل اعتراضه على الطرق التي يدوّن بها التاريخ في المنطقة العربية، وما تضمنته من تزوير وتلفيق للأحداث، ولم ترتكز هذه الرواية على سرد الأحداث والحقائق التاريخية البحتة، إذ لم تكن بديلًا كاملًا للوقائع التاريخية، بل تشكلت من خلال شخوص أبطالها ومعايشتهم تلك الأحداث بالسياق الزمني للوقائع التاريخية نفسه، لتكون بمنزلة المرجع الذي وثّق التجربة الإنسانية بمختلف تشعباتها، عبر إسقاطات ليست بعيدة عن الواقع التاريخي لتلك الأحداث.

قد يهمك أيضًا: رحلة السعوديين لاستكشاف الأفلام وصناعتها

بين الثقافة والسياسة

20150323135918

لولا النسيان لمات الإنسان لكثرة ما يعرف، لمات من تخمة الهموم والعذاب والأفكار التي تجول في رأسه

- من رواية: الأشجار واغتيال مرزوق

لمنُيف العديد من الدراسات والمقالات السياسية والأدبية التي سلّطت الضوء على قضايا مهمة يواجهها العالم العربي، ومن ضمنها كتابه «بين الثقافة والسياسة» الذي أشار فيه إلى أهمية الثقافة ودورها الجوهري في تغيير الواقع والمصير، وطرح فيه أهم المشاكل والإخفاقات التي تواجه البلدان العربية.

ورأى مُنيف أن الثقافة هي الجبهة الخلفية والعمق الحقيقي لأي شعب يريد الصمود والاستمرار، والثقافة العربية في مأزق، لعدم وضوح دورها في العالم العربي، وأن للمثقف العربي دورًا أساسيًا ينجم من مسؤوليته، بخلاف الدول المتقدمة التي تولت فيها جهات أخرى هذا الدور، مثل المؤسسات المدنية والأحزاب والصحافة، إذ توجد مشكلة في تحديد العلاقة بين المثقف ودوره من جهة وطبيعة العلاقة بين الثقافة والسياسة.

وتطرّق كذلك إلى الثروة النفطية التي وُجدت في المنطقة، دون أن يرافقها نهوض اقتصادي أو اجتماعي، بل على العكس، سيطرت الأسر الحاكمة في الخليج على تلك الثروات التي أنفقتها في ترسيخ حكمها، وفي تلبية الحاجات الخارجية، والتي بدورها أوجدت خللًا في العلاقة بين الإنتاجية والمكافأة المالية، لتخلق مجتمعات ريعية واستهلاكية.

ورغم قلة ظهوره الإعلامي، أجرى عبد الرحمن منُيف مقابلة تليفزيونية على قناة العربية قبل وفاته بأعوام قليلة.

مواضيع مشابهة