الشاشة

رحلة السعوديين لاستكشاف الأفلام وصناعتها

«بابا حطّاب» من أوائل البرامج التي بُثت من قناة «أرامكو» عام 1957

ما أن نقرن السعودية بالسينما في الجملة ذاتها حتى تتوارد إلى أذهاننا مجموعة من الآراء التقليدية؛ منها مطالبات بإقامة دور عرض أفلام في المملكة، وانقسام السعوديين بشأن مشروعية الفن وأساليب عرضه، ومدى جاهزية المجتمع لتقبُّل دخيل أجنبي عليه.

كانت السعودية عام 1965 الدولة الوحيدة في العالم العربي التي يجهل سكانها رسميًّا كل شيء عن السينما.

تداول الإعلام المرئي والمسموع تلك الآراء منذ ظهور السينما في الجزيرة العربية إلى اليوم، لكن اللافت في الأمر هو وضع المجتمع السعودي الذي يبدو منغلقًا لمن لا يعرفه جيدًا، لكنه في الواقع مواكب جيد جدًّا لأحدث إصدارات السينما، ويبشِّر بصناعة سينمائية محلية رغم تواضع تاريخه الفني.

لكن كيف اعتاد مجتمع متعطش للأفلام ويضم شريحة لا يستهان بها من الطاقات المحلية خُلُوَّ بلده من دور العرض؟

بداية الرحلة

إشارة بدء البث التليفزيوني السعودي عام 1965

يلخص المؤرخ السينمائي «جورج سادول» (Georges Sadoul) في كتابه «تاريخ السينما في العالم» (Histoire Du Cinéma Mondial) وضع السينما السعودية خلال ستينات القرن العشرين بجملة واحدة: «كانت المملكة العربية السعودية عام 1965 هي الدولة الوحيدة في العالم العربي التي يجهل سكانها رسميًّا كل شيء عن السينما ».

وينتشر اعتقاد لدى معظم العرب بخلاء السعودية تمامًا من دور العرض السينمائي، لكن الحقيقة أن هذا ليس صحيحًا تمامًا، فقد كانت السينمات وما زالت حاضرة في أرجاء البلاد، ولعل أشهرها التابعة لشركة الزيت السعودية الأمريكية «أرامكو» في مدينة الظهران، التي أُنشئت للترفيه عن العمال الأجانب المتعاقدين مع الشركة للعمل في السعودية وعائلاتهم، كما سمحت «أرامكو» لجميع المنتسبين إليها بمشاهدة الأفلام كامتياز إضافي متاح للراغبين فيه.

أما أول محطة تليفزيونية سعودية فكانت (Aramco TV)، التي بثت من الظهران عام 1957 كخدمة ترفيهية لموظفي الشركة السعودية، وكانت الأولى في منطقة الخليج العربي، حتى إن بعض سكان الرياض كانوا يحرصون على متابعتها في الصيف كلما سنحت لهم فرصة لزيارة عائلاتهم من سكان المنطقة الشرقية، ولاقت شعبية كبيرة كذلك في الدول المجاورة التي التقطت البث؛ كما حدث في البحرين وقطر.

جنود سعوديون يشقون طريقهم أسفل الحرم المكي
جنود سعوديون يشقون طريقهم أسفل الحرم المكي عام 1979 

لكن المجتمع السعودي عرف التليفزيون بشكل حقيقي في منتصف عام 1965، عندما أمر الملك فيصل (الذي كان وليًّا للعهد آنذاك) بإنشاء محطة رسمية للتليفزيون. في البدء كانت المحطة تبث البرامج مباشرة في الرياض وجدة، ثم وصلت إلى باقي المدن بالتدريج، ولم تكتمل تغطية جميع المناطق كليًّا حتى عام 1972.

ويذكر «سادول» في الكتاب نفسه أن الملك فيصل اشترى نسختين من فيلم «لورنس العرب» (Lawrence of Arabia) في الستينات ليُعرض في المملكة لاحقًا، لكن حادث احتلال الحرم المكي عام 1979 غيَّر موقف الحكومة تجاه الإعلام مطلع الثمانينات وأدى إلى تغيرات جذرية في سياسة البلد؛ أبرزها إيقاف مشروع دور العرض نتيجة صعود موجة «الصحوة الدينية»، التي غلَّفت قطاعي الثقافة والتعليم وقتلت أي محاولة لظهور السينما في مهدها.

أما في التسعينات فتحسن الحال قليلًا بظهور عوامل أسهمت في تنويع مصادر استعراض الفنون بدلًا من حصرها في محطات محلية، فأصبح التليفزيون موصولًا باللاقط الفضائي (الدش/الستالايت)، الذي قوبل برفض عارم من التيار الديني، وأُصدرت فتاوى تحريم بشأن اقتنائه والمتاجرة به.

اقرأ أيضًا: رغم التناقض الظاهر: 9 تشابهات بين السعودية وإيران

فتوى ابن عثيمين بتحريم الدش
فتوى الشيخ ابن عثيمين بتحريم اللاقط الفضائي

وفي أوائل الألفية الجديدة ظهر الإنترنت، فكان له فضل كبير في تقديم أجيال فنية مختلفة للجماهير ومتابعي السينما، لكن الكعكة الكبرى كانت من نصيب مواقع التواصل الاجتماعي، التي أكسبت السعوديين حرية اختيار متابعة ما يحلو لهم، بلا وصاية على عقولهم ولا فرض توجه معين على المشاهدين.

 كان أول فيلم سعودي هو «الذباب» الذي استقدمت «أرامكو» فريقًا متخصصًا من «هوليوود» لينتجه ويخرجه عام 1950.

وتظل الرغبة الحقيقية لدى المواطن السعودي في مشاهدة الأفلام أقوى دائمًا من أي محاولة منع مفروضة عليه، إذ تجد أفواجًا من سكان المنطقة الشرقية يتوافدون على دور عرض المراكز التجارية في البحرين نهاية كل أسبوع لمتابعة آخر إصدارات السوق السينمائي، كما ستجد بند مشاهدة فيلم على الأقل في دار عرض «حقيقية» يتصدر قائمة برنامج أي سائح سعودي عند زيارته دبي والكويت أو حتى تركيا.

وإلى جانب ذلك، يضم كثير من المجمعات السكنية صالات سينما مجهزة بأحدث تقنيات العرض، ليستمتع السكان بمشاهدة الأفلام بعيدًا عن أعين المحافظين ورجال الدين.

ببساطة، بإمكاننا أن نستخلص من إصرار السعوديين على زيارة دور العرض في أقرب أو أبعد بلد تطؤها أقدامهم، أن منع أي فيلم دافع قوي لمشاهدته، فما بالك بمنع عرض الأفلام جميعها؟

مرحلة السينما القديمة

فيلم «الذباب» أول فيلم سعودي من انتاج «أرامكو» عام 1950
لقطة من فيلم «الذباب» عام 1950 - الصورة: أرامكو

قد تبدو فكرة صناعة أفلام في بلاد لا تعترف بوجود الفن ولا تعرض الأفلام السينمائية بحد ذاتها مثيرة للاستغراب، خصوصًا مع المعطيات السابقة التي تعرقل نشأة أي حركة فنية، ولا تترك أمام الكثيرين فرصة استكشاف هذا القطاع بتجارب توثق السينما السعودية بين الأمس واليوم.

لكن، ورغم كل تلك الصعوبات، وُلدت صناعة الأفلام في المملكة. وكان أول فيلم سعودي هو «الذباب» مدته 30 دقيقة. وبسبب عدم توافر كوادر فنية محلية في ذلك الوقت، استقدمت «أرامكو» فريقًا سينمائيًّا متخصصًا من «هوليوود» لينتج الفيلم ويخرجه بدقة عالية عام 1950.

عُرض «الذباب» بشكل متكرر في المقاهي والمتنزهات وكبرى الديوانيات في مجتمعات مدينة الظهران الداخلية؛ كبادرة من شركة «أرامكو» للتثقيف الصحي بمخاطر أمراض الجهاز الهضمي التي تنتقل عن طريق الذباب، وأودت بحياة كثير من الأطفال وكبار السن في تلك الفترة.

وقبل افتتاح التليفزيون السعودي بعام، سافرت أول بعثة إلى الولايات المتحدة عام 1964؛ لدراسة الإنتاج التليفزيوني والإخراج وأسلوب عمل الاستديوهات الفنية في «هوليوود»، وحصلت مجموعة كبيرة من أفرادها على دبلومة الإنتاج والإخراج التليفزيوني، وعادوا إلى المملكة لاستلام مهمة تأسيس التليفزيون السعودي.

وكان من أبرز العائدين سعد الفريح، الذي أخرج أول مسرحية للتليفزيون بعنوان «أنا أخوك أمين» من تأليف طلال مداح، كما أنتج وأخرج ثاني فيلم محلي بكاميرا سينمائية (16 ملم) عام 1966، بعنوان «تأنيب الضمير»، إضافة إلى إخراج عدد من الفيديو كليبات

فيديو كليب «مقادير» لطلال مداح - من إخراج سعد الفريح

لوقت طويل ظل عبد الله المحيسن هو المخرج الوحيد الذي يصدر أفلامًا متتابعة في مرحلة السينما القديمة.

ورغم الانطلاقة القوية للتليفزيون السعودي، ظلَّ العمل الفردي متصدرًا واجهة الإنتاجات السينمائية، مع التركيز على الوثائقيات والتسجيلات لنقل الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت بها المملكة في الفترة من 1970 حتى 1991.

وفي السبعينات، أخرج عبد الله المحيسن سلسلة أفلام وثائقية مهمة نجح في إيصالها إلى خارج المملكة، منها «تطوير مدينة الرياض» عام 1975، الذي سلط الضوء على العاصمة خلال مراحل نموها الأولى في القرن الماضي. ولاحقًا، أخرج المحيسن فيلمًا مدته 15 دقيقة بعنوان «اغتيال مدينة» عام 1977، صوَّر الحرب الأهلية اللبنانية لحظة اندلاعها من بيروت، وفاز عنه بجائزة «نفرتيتي» الفضية لأفضل فيلم قصير من مهرجان القاهرة السينمائي.

وفي مطلع الثمانينات، حاول السعوديون الاستفادة من التجربة السينمائية المصرية؛ فاستعانت وزارة الداخلية بالمخرج المعروف نيازي مصطفى لإخراج فيلم «موعد مع المجهول» (1980)، وهو أول فيلم روائي سعودي طويل تجاوزت مدته ساعتين، وصُوِّر بالكامل في مدينة الرياض، إلا أنه لم يرَ النور لأسباب إدارية تتعلق بالوزارة.

وعاد المحيسن عام 1982 بفيلم جديد يحمل عنوان «الإسلام جسر المستقبل»، يقارن حال العالم الإسلامي في نهاية القرن العشرين بحاله في الثمانينات من خلال ما يزيد عن 900 لقطة سينمائية، لينال عنه الجائزة الذهبية في مهرجان القاهرة السادس.

ولوقت طويل، ظل عبد الله المحيسن هو المخرج الوحيد الذي يصدر أفلامًا متتابعة، وفي 1991 تابع سلسلة أفلامه التسجيلية بإطلاق «الصدمة»، الذي تطرق إلى غزو العراق للكويت في رؤية تحليلية مفصِّلة للأسباب والدوافع والنتائج المنعكسة على المنطقة العربية.

قد يهمك أيضًا: كيف طارد عازف عود أمريكي «فن الصوت» في الكويت؟

مرحلة السينما الجديدة

الفيلم القصير «أنا والآخر» لهيفاء المنصور - إنتاج عام 2001

توالت الأفلام السعودية بعد الألفية، وأصبحت المسافات التي تفصل فيلمًا وآخر أقصر مع كثافة حركة الإنتاج السينمائي، إلا أن الجودة لم تكن بالضرورة أفضل، فبعض الأفلام كانت مضيعة حقيقية للوقت والمال، لكن بعضها كان تجربة واعية تضاف لحصيلة السينما السعودية.

وشهدت الساحة الفنية ظهور مخرجات سعوديات أثرين التجربة الفنية وأكسبنها حضورًا قويًّا، وهو الشيء الذي كان مُفتقَدًا في الحقبة الزمنية السابقة.

كما حفَّز انطلاق مهرجان أفلام السعودية عام 2008 إنتاج الأفلام القصيرة في المملكة بشكل كبير، لكنه توقف لسبعة أعوام ثم عاد بدورة ثانية وثالثة في 2015 و2016، وهو ما يشير إلى طبيعة التحديات التي تمر بها مسألة إقامة مهرجان للسينما في السعودية.

بدأت المرحلة الجديدة بفيلم قصير لم تتجاوز مدته 15 دقيقة في 2001، بعنوان «أنا والآخر» لهيفاء المنصور، يناقش تعددية الفكر في المجتمع السعودي عبر منعطف غير متوقع يواجه شخوص العمل.

وعاد عبد الله المحيسن في 2006 بالفيلم الروائي «ظلال الصمت»، الذي لخص فيه واقع الخلايا التنظيمية التي تحيك مؤامرات سياسية ضد الأنظمة العربية، وتغسل أمخاخ بعض المثقفين للتأثير في المجتمع، ليصير أول فيلم سعودي يُعرض على هامش مهرجان كان السينمائي.

وفي العام نفسه، أصدرت شركة «روتانا» فيلم «كيف الحال؟»، أول فيلم سعودي بمواصفات وميزانية تجارية مدروسة تسويقيًّا، مع تطبيق قالب الفيلم الكوميدي التجاري المستورد من السينما المصرية، لكنه لم يلقَ قبولًا لدى الجمهور السعودي أو النقاد.

 

فيديو كليب «كيف الحال» الذي أُطلق لترويج الفيلم - إنتاج «روتانا» 2006

وإلى جانب الأفلام الكوميدية، ظهرت أفلام سعودية تأخذ طابعًا جديدًا؛ مثل فيلم الرعب «استنشاق الهاوية» عام 2006، والفيلم الفانتازي الساخر «صباح الليل» وفيلم الأكشن «مهمة وسط المدينة» عام 2008، وقُدِّمت الكوميديا بطابع الشخصية الشهيرة في فيلم «مناحي»؛ الذي جسَّد فيه فايز المالكي شخصية سبق أن مثلها في مسلسل يحمل الاسم نفسه، كما ظهر فيلما الرعب «الشر الخفي» و «القرية المنسية» في 2009.

وتفوقت السعودية على دول الخليج في عدد الأفلام المُنتجة خلال السنوات العشر الأخيرة، لكنها لم تحقق تقدمًا حقيقيًّا من ناحية جودة المنتج، بما أن الأفلام لم تجد دور عرض حقيقة، وبالتالي لم يتلقَّ مخرجوها التقييم المناسب لتجاربهم، أو حتى يتمكنوا من قياس ردود أفعال الجماهير.

اتهم المتشددون دينيًّا قناة «روتانا» بنشر الفسق والفجور في المجتمع الإسلامي.

لا يعرف الجمهور السعودي الكثير عن هذه الأفلام سوى تلك التي سوَّقت لها شركة «روتانا»، المعروفة بسخاء إنتاجها وقوة علاقاتها الفنية.

حدث هذا مع «كيف الحال»، أول إنتاج سينمائي سعودي تجاري يوزَّع في دور العرض الخليجية، و«مناحي»، الذي عرضته مراكز ثقافية حكومية في جدة والرياض لأول مرة بالمملكة العربية السعودية، مع مراعاة شروط العرض التي تتفق مع موقف الحكومة من الاختلاط؛ إذ سُمح للرجال والفتيات دون سن العاشرة فقط بالدخول، مع إحاطة المركز بسور لئلا تتمكن النساء من المرور إلا عبر البوابة الرئيسية، المجهزة بحاجز تفتيش.

ورغم مراعاة كل الشروط المذكورة، فإن عرض الفيلم رسميًّا في أراضٍ سعودية أدى إلى امتعاض المحافظين واحتشاد المتشددين دينيًّا خارج المركز، حيث طالبوا بمنعه واتهموا «روتانا» بنشر الفسق والفجور في المجتمع الإسلامي، ووصفوا فايز المالكي بأنه من «أئمة الضلال».

 يوتيوب: صالة سينما السعوديين

لابتوب مفتوح عليه موقع يوتيوب
الصورة: Thomas van de Weerd

بحسب مدونة (YouTube Downloader)، الشعب السعودي هو الأكثر مشاهدة لمقاطع الفيديو على «يوتيوب» (يشاهد الفرد نحو ثلاثة مقاطع في اليوم الواحد)، لكن ظروف العرض صعبة في البلاد، وسينما المملكة اعتمدت في الفترات السابقة على المساهمات الفردية وشركات الإنتاج المملوكة لبعض الأفراد المهتمين بالشأن الفني؛ أمثال الأمير الوليد بن طلال والسينمائي عبد الله المحيسن.

ولأجل هذا كله؛ كان الإنترنت هو الخيار المُنقذ لصانع الأفلام السعودي، ليس على مستوى الأفلام القصيرة أو الطويلة فحسب؛ بل حتى مع البرامج التي تقدم «اسكتشات» فنية تتطلب إخراجًا وتقنية صوت وصورة عالية.

أعان «يوتيوب» صُنَّاع الأفلام على خلق منصة جديدة تساعد الهواة في إظهار رؤيتهم الخاصة رغم قلة الخبرة السينمائية و الدعم الإنتاجي، فكثير من الجهود الموضوعة خلف هذه الأفلام يعتمد على الاجتهاد الشخصي والرغبة في الحصول على أكبر عدد ممكن من المشاهدين؛ لذا تجاوز عدد الأفلام السعودية على الموقع 60 فيلمًا.

قد يعجبك أيضًا: فلسفة النكتة: كيف يضحك السعوديون؟

فيلم «مونوبولي» لبدر الحمود من أشهر الأفلام القصيرة على «يوتيوب»

وعلى الجانب الآخر، ساعد «يوتيوب» الجماهير السعودية، التي اكتسبت معلوماتها من متابعة إصدارات الأفلام عبر التليفزيونات وصالات عرض الأفلام في الدول المجاورة، على تتبع إصدارات نجومهم العالميين من منازلهم بلا أدنى جهد أو مال، سواء عن طريق «التورنت» (Torrent: برنامج لتحميل الملفات يُستخدم لتنزيل الأفلام المُقرصنة) أو «يوتيوب».

كذلك، فإن استهداف المخرجين السعوديين الشباب لهؤلاء أمر ذكي؛ لأن الجماهير أصبحت على درجة كبيرة من الوعي الفني في السنوات الأخيرة، عكس مراحل البدايات.

ومن أبرز التجارب الفنية التي نجحت في تحريك الشارع السعودي وإثارة مواضيع مهمة للنقاش، فيلم قصير يُدعى «مونوبولي» لبدر الحمود، يتحدث فيه بشكل ساخر عن غلاء أراضي المملكة في ظل أزمة السكن التي يعاني منها المواطنون، وكانت المفاجأة تحقيق الفيلم نسبة مشاهدة عالية في ساعاته الأولى تجاوزت 286 ألفًا.

اقرأ أيضًا: كيف تهيمن «ماكينزي» على صناعة القرار داخل السعودية؟

نظرة نسائية إلى المشهد السعودي

المخرجة السعودية هيفاء المنصور
المخرجة السعودية هيفاء المنصور - الصورة: Haylie Niemann

 موقف الإعلام السعودي من المرأة وقضاياها يكاد يطابق موقف المجتمع منها، ورفضه الاعتراف بوجودها على أرض الواقع.

استغرقت المرأة السعودية وقتًا طويلًا كي تظهر في الأفلام، لكنها وجدت مكانها أخيرًا وبدأت في التأثير في محيطها وترك بصمتها الخاصة، وأخرجت في السنوات الأخيرة قضاياها إلى السطح، وصار العنصر النسائي ضرورة في الأفلام بشكل ملحوظ، بدلًا من محاولة إخفائها أو التحدث بالنيابة عنها كما السابق.

يعود ذلك إلى ظهور كوادر نسائية أكاديمية ذات فكر مستقل؛ مثل هيفاء المنصور، التي تابعت إصدار سلسلة أفلام تناقش هذه القضايا الساخنة؛ بدءًا بـ«من؟» و«نساء بلا ظل» و «الرحيل المر»، وحتى فيلم «وجدة» عام 2012.

لكن موقف الإعلام السعودي من المرأة وقضاياها يكاد يطابق موقف المجتمع منها ورفضه الاعتراف بوجودها على أرض الواقع، ويمكن رؤية ذلك في ضَعف التغطية الإعلامية السعودية لمسيرة المنصور رغم تعدد تجاربها، ورغم حقيقة كونها صاحبة أول فيلم سعودي يصل لقائمة ترشيحات الأوسكار الأولية عام 2013 عن فئة الأفلام الأجنبية، وسنجد أغلب مقابلاتها الصحفية مع مطبوعات عربية أو خليجية.

اقرأ أيضًا: كمن يعيش في صندوق: كيف تحيا المرأة السعودية تحت ولاية الرجل؟

تقول هيفاء المنصور في أحد لقاءاتها الصحفية إن «كثيرين يخافون دخول السينما إلى المجتمع السعودي، فالسينما في السعودية بلا شك أحد أكثر الفنون إثارة للجدل، وهذا بطبيعة الحال عائد بالدرجة الأولى إلى غياب دور العرض. أتمنى أن أرى فيلمي يُعرض في السعودية، ويحزنني جدًّا أن تكون هي البلد الوحيد في العالم بلا صالات عرض ».

وبالإضافة إلى المنصور، قدمت المخرجة والممثلة عهد كامل مجموعة تجارب سينمائية في أفلام «القندرجي» و«حرمة» و«رزان» و«سمكة الرمال».

وفي حديثها لموقع (CNN)، أكدت عهد كامل إيمانها بأن «الفكر السائد تجاه المرأة في السعودية آخذ في التغيير، وبدأ المجتمع يتقبل فكرة وجود مخرجة سعودية»، مضيفة أن السينما فيها نوع من الجرأة وليست هناك خطوط حمراء، مثل السينما الإيرانية التي تمكنت من تخطي كل المحرمات بأسلوب بعيد عن التمرد».

قد يهمك أيضًا: أبرز الأفلام التي تناولت حياة وقضايا المرأة العربية

قادمون بقوة

مشهد من فيلم الرسوم المتحركة السعودي بلال
مشهد من فيلم «بلال» - الصورة: BARAJOUN

دخل فيلم الرسوم المتحركة «بلال» موسوعة «غينيس» لاحتوائه على أطول مشهد معارك في تاريخ أفلام الرسوم المتحركة.

قد تكون بداية السينما السعودية خجولةً، لكن صُنَّاع الأفلام تميزوا بنقل الخبرة السابقة للمرحلة الحالية بذكاء حاد ودرجة عالية من النضج الفني خولتهم لاقتحام منصات عالمية مهمة، ومؤخرًا استطاعت مجموعة أفلام سعودية ترك أصداء إيجابية في الصحافة المحلية والعالمية.

ووصفت صحيفة «الغارديان» البريطانية فيلم «بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ بأنه «أول فيلم رومانسي كوميدي سعودي»، وحصل الفيلم على جائزة في مهرجان برلين السينمائي، وترشح لمهرجان تورنتو 2016، كما تقدمت به السعودية كثاني فيلم ترشحه المملكة لجائزة أفضل فيلم أجنبي في الأوسكار 2017.

أما فيلم الرسوم المتحركة «بلال»، الذي تطرق إلى حياة الصحابي بلال بن رباح، فدخل موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية لاحتوائه على أطول مشهد معارك في تاريخ أفلام الرسوم المتحركة، إذ يصل طوله إلى 11 دقيقة ونصف.

ويرى القائمون على مهرجان أفلام السعودية أن ما تحكيه نوافذ التذاكر في دور العرض التي يقصدها السعوديون خارج المملكة، وما توضحه المشاركات والجوائز الخارجية التي يحظى بها السعوديون على مستوى الأفلام القصيرة والطويلة، هو «قبول شعبي وإقبال على صناعة سينما تفرضها المعطيات التي يعرفها الواقع الاجتماعي والثقافي داخل البلد».

إن العيون السعودية التي حُرمت طويلًا من مشاهدة الأفلام على أرضها باتت تُصدِّرها بامتياز، رغم أنها لا تزال محرومة من مشاهدتها في صالة سينما حقيقية.

تُرى، ماذا يخبئ المستقبل للسينما السعودية؟