الشاشة

قضية رقم 23: عندما تصبح مقاطعة إسرائيل «وجهات نظر»

لقطة من فيلم «قضية رقم 23» - الصورة: Rouge International

بعد العرض الأول لفيلمه الأخير «قضية رقم 23» في مهرجان البندقية السينمائي، وفور وصوله إلى مطار رفيق الحريري الدولي الأحد 10 سبتمبر 2017، أوقفت السلطات اللبنانية المخرج اللبناني الفرنسي زياد دويري، وصادرت جوازَي سفره، وأحالته إلى القضاء العسكري بجنحة دخول إسرائيل من دون إذن مسبق.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يُحدث فيها دويري لغطًا بشأن قضية التعامل مع إسرائيل، ففي عام 2012، صوّر مشاهد في الأراضي الفلسطينية المحتلة من فيلمه «الصدمة»، وحينها تعامل مع طاقم عمل إسرائيلي. مُنع عرض «الصدمة» في الصالات التجارية اللبنانية إثر حملة أقيمت ضد دويري، إلا أن المخرج دخل لبنان مرارًا ولم يتعرض للتوقيف.

بعد مضي نحو ثلاث ساعات من التحقيق مع مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي صقر صقر، استرد دويري جوازي سفره ملوحًا بالانتصار أمام الكاميرات.

وبالرغم من إقامته في إسرائيل بين عامي 2010 و2011، مستعينًا بممثلين ومنتج منفذ إسرائيلي، يكرر دويري أنه يناضل من أجل القضية الفلسطينية، ولم يطبِّع مع إسرائيل. ويؤكد أنه أبلغ السلطات اللبنانية بذهابه إلى الأراضي المحتلة بهدف التصوير على أرض الواقع، لكنه لم يتلقّ أي رد.

الحالة التي يخلقها دويري من الانقسام بشأن إمكانية التعامل مع إسرائيل في إطار حرية الفن خرجت من الحدود اللبنانية، لينقسم آخرون في مصر بين مؤيد ومعارض، بعد إعلان سينما «زاوية» في القاهرة عرض الفيلم، الذي أَذِن له جهاز الرقابة على المصنفات الفنية (التابع للمديرية العامة للأمن العام) بالعرض التجاري في لبنان.

زياد دويري: حرية الفن والتطبيع مع إسرائيل

لقطة من فيلم «قضية رقم 23» - الصورة: Rouge International

دعت «زاوية» معارضي بث الفيلم لحضوره مجانًا، ما يكشف عدم دراية المنسقين في «زاوية» بمفهوم المقاطعة الثقافية، أي مقاطعة المنتج حتى لو كان مجانيًّا.

بعد إعلان سينما زاوية عرض الفيلم المثير للجدل في 27 يناير 2018، انقسمت تعليقات الجمهور بين رفض لأي عمل يحض على التطبيع مع إسرائيل من جهة، وقبول الفن العابر للخلافات من جهة أخرى، ومن يرى ضرورة تقييم العمل بعد مشاهدته دون وصاية من سلطات من شأنها البت في مشاهدته أو عدمه.

أعلنت سينما زاوية في 30 يناير 2018 أن موقفها واضح بشأن رفض التطبيع مع إسرائيل، وأن عرض الفيلم لا يعارض هذا المبدأ.

تتبع السينما في ذلك مبادئ حركة مقاطعة إسرائيل. وناشدت جمهورها عدم الوقوع في خطأ استهداف الأفراد (إشارةً إلى دويري)، وأن عزل العرب عن العرب بسبب اختلاف وجهات نظرهم ليس من أهداف حملة المقاطعة. تؤمن زاوية بترك حرية اختيار المشاهدة لجمهورها، مع رفع شعار إتاحة الفن والثقافة العابر للخلافات، لأن «إسرائيل لم تشارك في تمويل الفيلم»، على حد قولها. ثم أنهت ردها بأن العدالة في مصر مشروطة أولًا بالعدالة في فلسطين.

«يعظ» خطاب زاوية جمهوره بعدم الانجراف نحو «اضطهاد» شخص ثبت تعامله مع كيان يستمر في «الاضطهاد»، لكن الشكوك تحوم حول موضوع التمويل من عدمه، لأن السلطات اللبنانية منعت فيلم «الصدمة» للمخرج نفسه عام 2012. 

في اليوم التالي، عادت «زاوية» لتؤكد تأييدها للمقاطعة، وأعلنت نيتها دعوة منسق حملة المقاطعة في مصر لمناقشة الفيلم، وأكدت دعوة معارضي بث الفيلم لحضوره مجانًا، حتى لا يشعر المشكك أنه أسهم في دعم الفيلم ماديًّا (لقاء لم يُعلَن عنه إلى حين كتابة هذا الموضوع)، ما يكشف عدم دراية المنسقين في «زاوية» بمفهوم المقاطعة الثقافية، أي مقاطعة المنتَج بكل الأشكال حتى لو كان مجانيًّا.

أما عن المخرج الذي يصف نفسه بأنه ضد التطبيع، فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما مفهومه عن التطبيع بالضبط إذا ثبت إقامته في إسرائيل واستعانته بممثلين ومنتجين من هناك؟

لبنان: المقاطعة الثقافية

لقطة من فيلم «قضية رقم 23» - الصورة: Rouge International

في عام 2017، منعت السلطات اللبنانية فيلمين لهما صلة بإسرائيل: «Jungle» و«Wonder Woman».

خلت صالات السينما اللبنانية من فيلم «Jungle» الذي يحكي عن رحّالة إسرائيلي اسمه «يوسي جينسبيرغ»، خدم ثلاث سنوات في البحرية الإسرائيلية، بالإضافة إلى أن واحدة من منتجي الفيلم، واسمها «دانا لوستيغ»، إسرائيلية أيضًا.

ومُنع الفيلم الآخر «Wonder Woman» لأن البطلة «غال غادوت» مجندة إسرائيلية، وقد ثَبت ذلك بالوثائق من خلال لجنة من ستة أعضاء في وزارة الثقافة والاقتصاد والسياحة في الأمن العام اللبناني. حينها شعر موزع الأفلام اللبناني طوني شقرا بأن القرار «محبط جدًّا»، وأكد لوكالة رويترز أن «الفيلم لن يقدم شيئًا لإسرائيل».

قد يعجبك أيضًا: لهذا حظر لبنان فيلم «وندر وومان»

أما فيلم «The Post»، فقد علت صرخات مطالبة بمنع عرضه بحجة دعم المخرج «ستيفن سبيلبيرغ» لإسرائيل، بل أنه تبرع بمليون دولار لمساندة الجيش الإسرائيلي إبان الحرب على لبنان عام 2006. وقد أوصى الأمن العام اللبناني بمنع العرض، إلا أن وزير الداخلية اللبناني أعلن أنه لا يرى مانعًا يحول دون عرض الفيلم لأنه «لا علاقة له بلبنان، ولا بالصراع مع العدو الإسرائيلي».

رئيس دائرة المطبوعات في الأمن العام، جورج حنا، برر ذلك بأن «لجنة مراقبة أشرطة الأفلام السينمائية قد توصي بمنع عرض أفلام إذا شكلت دعاية إيجابية لإسرائيل ضمن أسباب أخرى». وغرد النائب وليد جنبلاط: «كفى رقابةً غير مدروسة، وبالتحديد على فيلم سبيلبيرغ، وهو تاريخ كيف فضحت صحيفة الواشنطن بوست حرب فيتنام». ووصف الموقع الرسمي لحزب القوات اللبنانية منع الفيلم بأنه «مهزلة ثقافية». أما أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله فقد دعا إلى مقاطعة الأفلام والشخصيات التي تتعامل مع إسرائيل، ومنها فيلما «The Post» و«قضية رقم 23».

اختلاف الآراء حول عرض فيلم «The Post» يكشف عدم الاتفاق على معايير محددة وواضحة للمقاطعة الثقافية. لم يوجه نصر الله حديثه فقط إلى أبناء بلده، بل العرب كافة، ورأى أن قرارات مكتب المقاطعة العربية في جامعة الدول تنص على مقاطعة فيلم «ذا بوست»، لكن بعض الدول الأعضاء لا يلتزم بفحوى الاتفاق. أكد نصر الله أنه ليس ضد الفن، ولا السينما، وأنه يدرك أن محتوى الفيلم لا يتناول التطبيع، لكن المخرج نفسه على القائمة السوداء لدى مكتب المقاطعة العربية.

طال قرار الرقابة في لبنان كتاب «الإنسان الإله» للإسرائيلي «يوفال نوح هراري»، رغم أنه يتطرق إلى العنصرية الإسرائيلية وينتقد تصرفات حكومات العالم.

فسّر الإعلامي اللبناني نديم قطيش هدف تمويل سبيلبيرغ لإسرائيل بأنه كان من أجل إنقاذ الأطفال الإسرائيليين، وليس بهدف التزويد بالسلاح، والأمران بالنسبة إلى قطيش مختلفان. وذكر أن نصر الله يقبل المعونات المادية التي تقدمها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) لتنمية بلديات تابعة لحزب الله، والوكالة نفسها تتعامل أيضًا مع إسرائيل على المستوى ذاته. ونتيجةً لذلك، اتهم قطيش نصر الله بالازدواجية، وبأن الحزب ينتهج ثقافة المنع غير المبرر، وجاء بمثال يخص منع أغاني فيروز في كلية الهندسة بالجامعة اللبنانية.

أنهى الإعلامي اللبناني كلامه بالسخرية من أن نصر الله لا ينطق اسم الفيلم ولا اسم المخرج بشكل صحيح، مذكِّرًا إياه بتاريخ لبنان في تأسيس السينما العربية، وهو الدور الذي لم ينكره نصر الله نفسه في خطابه، لكن قطيش لم يُذِع كلام نصر الله في هذا الشأن.

مُنعت ثلاثة أفلام في مهرجان بيروت الدولي للسينما خلال دورته الـ16، هي «أمور شخصية» و«كأس العالم» و«شارع زايندا». وتأسفت إدارة المهرجان في بيان لها «لإقحام الاعتبارات السياسية في الثقافة والفن، وللتعاطي مع الأعمال الثقافية والفنية من خلال نظرة ضيقة ووفق لغة خشبية». واتهم مراقبون حزب الله بمنع الأفلام التي لا تنسجم مع نظرته.

في عام 2017، طال قرار الرقابة مجموعة كتب لمؤلفين إسرائيليين، أبرزهم «الإنسان الإله» للكاتب الإسرائيلي «يوفال نوح هراري»، الذي يناقش كيفية تغيير التكنولوجيا مفهوم الحياة البشرية في المستقبل، رغم أن الكتاب يتطرق إلى العنصرية الإسرائيلية، وينتقد تصرفات حكومات العالم، والسياسات الدولية التي تنتهك الحرمة الإنسانية من خلال الحروب والمجازر، إلا أنه مُنِع بهدف المقاطعة الثقافية.

المقاطعة الثقافية في عصر الإنترنت

بعد السماح بعرض «ذا بوست» في لبنان، وفي خضم التضارب بشأن عرضه أو عدمه، ارتفعت نسبة مشاهدة الفيلم من باب الفضول، ما أدى إلى ارتفاع أرباحه. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل منع السلطات اللبنانية هذه الأفلام يؤدي إلى عدم مشاهدة اللبنانيين لها؟

تؤكد الناقدة السينمائية جوزفين حبشي أن «الفيلم موجود تهريب CD وDVD وع البسطات ع الطرقات». وزيادةً على ذلك، من يريد مشاهدة فيلم ممنوع يستطيع بكل سهولة مشاهدته على الإنترنت.

إذًا، ما دامت الأفلام التي من شأنها الترويج للتطبيع متاحة، فلماذا يستنكر الداعمون لحرية الفن والثقافة الصوت الرسمي للدولة بمقاطعتها وزيادة العزلة الثقافية للعدو؟

يرى الناقد السينمائي والصحفي «هوفيك حبشيان» أن «الثقافة لا تُقاطَع، فهي أخذٌ وَرَدٌّ ونقاش، وحوار مع الجميع. وتكمن المشكلة في تحميل الثقافة أغلاط السياسة، وفشل العلاقات الدولية، ومماطلة أصحاب الشأن في إيجاد الحلول. فعندما يفشل قادة العالم الانتهازيون، ينتقمون من الثقافة أحيانًا لتحقيق ربح سريع ومخاطبة الغرائز (...) ما نعيشه اليوم هو مزايدة وابتزاز، بدليل منع فيلم ذا بوست ومن ثَمّ السماح به. فإما هناك نَصٌّ واضح يجيز عرضه، وإما لا يوجد. والرقابة في لبنان خاضعة لضغوط خارجية منذ زمن، وتتغير سياستها بتغير المسؤولين، وكانت في فترات أكثر تسامحًا».

قد يهمك أيضًا: أين ينتهي التطبيع مع إسرائيل ويبدأ الفن؟

ماذا تخسر إسرائيل من عزلتها ثقافيًّا؟

تقوم المقاطعة الثقافية على مبدأ زيادة عزلة كيان لم يدّخر جهدًا في الدخول في حرب وحشية ضد البلاد العربية، ونهب أراضٍ ومكتبات في أثناء التطهير العرقي عام 1948، ولذا، فإن المقاطعة رد على جرائم إسرائيل.

إسرائيل اختارت تشكيل «ثقافة» بهدف الدعاية الدولية لتُخفي وراءها سياسات قائمة على التمييز والعنصرية والتهجير القسري، انتقدتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان مرارًا.

كشفت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية في 2005 أن وزير الشؤون الخارجية ينتهج خطة «لتقديم إسرائيل إلى العالم بوسائل جديدة». وفي 2008، وظفت الحكومة الإسرائيلية شركة علاقات عامة بريطانية بهدف خلق صورة لإسرائيل منفصلة عن الصراع العربي-الإسرائيلي، تركز على إنجازات إسرائيل الثقافية والعلمية.

وبعد الحرب على غزة (2008-2009)، أعلن مسؤول إسرائيلي أن بلده سترسل كُتّابًا وروائيين معروفين إلى الخارج، وتفتتح معارض ومسارح، وبتلك الطريقة فقط يرى العالم الوجه الأجمل لإسرائيل، بعيدًا عن سياقات الحرب. هكذا استخدمت إسرائيل «الثقافة» لمصلحتها ومن أجل نحت صورتها الجديدة أمام العالم.

حين استضافت سفارة الاتحاد الأوروبي معرض «معاناة الفلسطينيين على مدى 50 عامًا على الاحتلال»، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي أن هذا «وعظ أخلاقي منافق».

من السذاجة القول إن إسرائيل ستعلن أنها موّلت دعاية فيلم ما، أو أنها تروج للتطبيع في كتاب ما، حتى يصبح من السهل على مكتب المقاطعة العربية منعه على سبيل المثال. لكن يسهل جدًّا تصديق «الشكوك» التي تحوم حول بطلة في فيلم أمريكي كانت مجندة في الجيش الإسرائيلي، أو مخرج يتحدث اللغة العربية ويستعين بممثليين إسرائيليين.

في عام 2017، أعلنت المغنية النيوزيلندية «لورد» إلغاء حفلها في تل أبيب، بعد تغريدة احتوت رابطًا لخطاب أنشأته مدونتان نيوزيلنديتان: الأولى هي الناشطة اليهودية «جاستين ساكس»، والأخرى الفلسطينية ناديا أبو شنب، عبّرتا فيه عن استيائهما من سياسات إسرائيل القائمة على «الاحتلال والتمييز العرقي». ردت لورد بقولها: «لقد وصلت الرسالة. تحدثت مع عديد من الأشخاص عن هذا الأمر، وأفكر في جميع الخيارات حاليًّا. شكرًا لكم لتثقيفي، إنني أتعلم أمورًا جديدة طوال الوقت».

وبعد إلغاء الحفل، عبّرت إسرائيل عن إحباطها، وطمأنت رواد الحفلات الحية بأن هناك كثيرًا من المغنين غير المغمورين يتمنون الغناء في إسرائيل.

وأكد مركز «شورات هادين»، الحقوقي في إسرائيل أن ما حدث جزء من «المقاطعة الثقافية»، وأنه سَبّب «جرحًا عاطفيًّا» لثلاث مراهقات من محبي لورد، حتى أنه وَدّ لو كانت هناك اتفاقات قانونية بين إسرائيل ونيوزيلندا، لتدفع لورد تعويضًا قيمته 12,800 دولار أمريكي لمحبيها المجروحين عاطفيًّا.

في الوقت نفسه، وحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، استنكر وزير الخارجية الإسرائيلي قرار سفارة الاتحاد الأوروبي في تل أبيب استضافة حفل استقبال معرض الصور الفوتوغرافية «معاناة الفلسطينيين على مدى 50 عامًا على الاحتلال»، ورأى أنه «وعظ أخلاقي منافق من الاتحاد الأوروبي، الذي يوسع المسافة بدلًا من التقارب». رغم أن المعرض يثير أسئلة حول معنى حرية أفراد انقضى نصف قرن من أعمارهم تحت وطأة الاحتلال.

إذا كانت هذه هي ممارسات إسرائيل في تلميع صورتها أمام العالم، فمن الطبيعي الشك في أفلام أو كتب لها صلة، ولو بعيدة، بإسرائيل، ولو كانت تنشر «العلم» و«الثقافة».

لا يمكن أن أتفق مع سينما زاوية بشأن عقد صفقة مع المشككين في أمر الفيلم دون أجر، ولا يمكن أن أتفق مع الفنان زياد عيتاني (الموقوف حاليًّا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل) في تغريدته بعد منع فيلم «الصدمة»: «زياد دويري قعد بلبنان، وصور فيلم كامل، فجأة تذكروا القانون. بلد بيمشي فيه القانون بتوجيهات محور حسين الديك، قلة فرق». لأن القانون يجب توحيد صوته تحت مظلة لها معايير واضحة ومحددة، وليس من المنطقي بمكان إتاحة فرصة للعدو لتلميع التطبيع.