وجدنا عليه آباءنا

«العديد» في الصعيد: غناء عن الحياة لا الموت

الصورة: Getty/NurPhoto

«يا موت يا عرص يا معرّص خدت المليح.. ياك الوحش خلّص». أتذكر صوت أمي وهي تصرخ في طفولتي كي أكُف عن تحريك «الفوطة» خلف رأسي يمينًا ويسارًا، دون أن تشرح السبب كعادة الآباء والأمهات: «ما تعملش كده وخلاص. عيب/حرام»، هكذا كانت الإجابة النموذجية، وبعد فترة طويلة عرفت أنها حركة من حركات النّدب، وتثير الشؤم كما كانت تشعر أمي، وكما تعودت.

الندب وظيفة، منذورةٌ لها امرأة تدعى «الندّابة»، تندب وتغني «العديد» عند الموت. والعديد نوع من الغناء الفلكلوري ستجده في أغلب الدول العربية، وفي مصر كان الصعيد المكان الأنسب لاستمرار هذا الطريق من الغناء، الغناء المقترن بالموت والرحيل.

المرأة في الصعيد: فنانة العديد

«العديد» فن نسائي فقط، مثله مثل أغلب الفلكلور، مثل أغاني الأفراح والحنة والطهور والسبوع، كله تراث حملته النساء من الجدة إلى الأم والحفيدة، واستمر تداوله بهذا الشكل البسيط.

ولأن النساء دائمًا هن صاحبات الجرأة في المجتمع، مثل غناء الأفراح وما فيه من إباحية مفرطة وجميلة، كان البكاء والندب من تخصص المرأة أيضًا.

تبدأ الندابة بذكر الله والاستغفار، كإعلان أن العديد ما هو إلا تعبير عن الحزن، لا يحمل أي درجة من عدم الرضا بالقدر.

ما بين الرثاء عند العرب والأناشيد الجنائزية عند المصريين القدامى، كان العديد في صعيد مصر تأكيدًا لفكرة أن الغناء هو الوسيلة الأهم والأكثر قدسيةً في التعبير عن الحزن قبل الفرح، إعلان لما نخجل من التعبير عنه بالكلام العادي. والعديد يرتبط بالموت، لكن الحزن أمرٌ جليٌّ في اليوم الطبيعي لنساء الصعيد، لذلك تغني كل امرأة «العديد» كلما انفردت بنفسها، وكأنه وَنَس وحارس من الموت.

اقرأ أيضًا: المرأة في صعيد مصر: سيدة الرجل في الظلام وتابعته حين تشرق الشمس

العديد: غضب، حزن، دود، غزل

بداية معرفتي بهذا الفن كانت حين حكى لي صديق أن الحزن يصل أحيانًا في الصعيد إلى إطلاق النار في السماء، كإعلان عن عدم الرضا عن وفاة شخص ما.

هناك عديد يحمل غضبًا وضغينة، مثل «لولا الملامة لَجيب سلم واطلع لفوق، وأعاتبك ع اللي عملته يا قليل الذوق».

ربما لِما يحمله العديد من تجاوزات، يضعه بعض المتدينين في خانة التشبه بالجاهلية، بدايةً من وضع الطين والتراب على الوجه والرأس، وحتى الغناء نفسه المصاحب لتلك الأفعال، ولهذا تبدأ الندابة بذكر الله والاستغفار، كإعلان أن العديد ما هو إلا تعبير عن الحزن، ولا يحمل أي درجة من عدم الرضا بالقدر.

«والله إن بكيتي استغفري ربك

على دا الصحابة والنبي قبلك

والله إن بكيتي استغفري الرحمن

على دا الصحابة والنبي قُدّام»

العديد حيلة للتنفيس عن الحزن والغضب، وكلما كان الموت مُفجعًا كان الحزن والغضب أكبر. والعديد يرتبط بالحياة أكثر منه ارتباطًا بالموت، فتردد السيدة ما تحفظه في يومها العادي. ويبدأ العديد من المرض، فتوجد نصوص كثيرة ترددها السيدات في مراحله المختلفة.

قد يعجبك أيضًا: لماذا يجب أن يؤلمنا الموت المتوقع؟

تغني الندابة وقت تغسيل الفتاة على لسان الميتة: «الغاسلة قعدت ورا أكتافي حلِّت ضفايري وبللت راسي، الغاسلة قعدت ورا ضهري حلت ضفايري وبللت شعري»، كأنه غُسلٌ للزفاف لا الوفاة.

أغلب أغاني العديد لا تتعلق بدعاء الرب، بل بمواجهة الموت، التعامل معه على أنه موجود، تكملة للحياة، نقاومه لكن نعرف أنه قادم لا محالة، كل ما هناك أننا نؤجل الأمر. تعلم السيدة الصعيدية هذا علم اليقين، تحزن وتبكي وتحاول أن نجد الترياق، لكن «ما تبصِّش بعينيك لعينيا، هُوّ الحياة والموت بإيديا؟».

«ساعة يكلمني وساعة يميل

وساعة يقول قلبي عليا تقيل

ساعة يكلمني وساعة يقع

وساعة يقول أنا اتمليت وجع»

يرافق العديد المريض ومراحل مرضه حتى الموت، ويكمل الرحلة كذلك، بدايةً من إعلان خبر الوفاة، ثم الغُسل والدفن وأيام العزاء الثلاثة، ويستمر حتى بعد كل ذلك في أول خميس (أسبوع بعد الموت) والأربعين (40 يومًا بعد الموت).

إذًا، العديد حوار مع الميت، وعنه، ومنه، أكثر مما هو تعبير عن الحزن. إنه حوار يخلق الونس، في محاولة لدمج عالمين مختلفين ببعض. تجد الندابة وقت تغسيل الفتاة تغني على الميتة: «الغاسلة قعدت ورا أكتافي حلت ضفايري وبللت راسي، الغاسلة قعدت ورا ضهري حلت ضفايري وبللت شعري»، كأنه غُسلٌ للفرح لا الوفاة.

وحتى في الغناء عند إنزال الصبية إلى القبر، نجد الغزل في الفتاة وجمالها:

«يا عود طري واتلوى

مَيِّل ومال ع الأرض

امبارح كان وسطنا

والليلة تحت الأرض

يا قبر جايلك عروسة

محنية الكفوف والكعب

خدت معاها الهنا

وسابت وجع القلب»

هذا فن متكامل، له مطربات متخصصات وأغانٍ تناسب كل الظروف والحالات، لكل وفاة عديد مخصص لها، حسب حالتها الاجتماعية وسنها، ويجب أن تتوفر للندابة هذه المعلومات كي تغني العديد المناسب.

تختلف الندابة أو المِعَدِّدة عن الشلاية، فالشلاية يكون دورها وقت إعلان الوفاة وقبل الدفن.

«زقزق يا عصفور، وازعق يا غراب

فلان مقتول، ومرمي في الخراب»

تقف في دائرة ومعها دُف، ويكون إيقاع العديد أسرع والكلام أكثر حدةً وحزنًا، خصوصًا لو كان المتوفى مات مقتولًا في ثأر أو ما شابه، تجدها تخاطب أهل الميت من الرجال وتحثهم على الثأر:

«يا عايق يا أبو بلينة

دي رصاصة ولّا سكينة

فين الرجالة السّدّادة

اضربوا عز القِيالة

فين الرجالة المسمية

اضربوا عز الضهرية»

يتعامل العديد مع الموت كأنه رحلة سفر، كأن المتوفى سيعود ولو بعد فترة طويلة، فنجد الندابة تعدد على لسان زوجة الميت وتخاطب حتى الدود في القبر:

«يا دود كُل مِنه وخَللي لي

خَلِّي دِراع السبع يحميني

يا دود كُل منه وفَضّل لي

خلي دراع السبع يضمني»

الندابة تختفي.. عديدها يخفُت

الصورة: Leopold Müller

بدأت الندابة تختفي تدريجيًّا، وأصبحت مهنة لا تورّث، وتدخلت الدولة والصحوة الدينية لتحريم تلك الأفعال، لكن العديد لا يزال موجودًا في ذاكرة الجدات، وبدأ كثير من الباحثين تأريخ تلك المهنة وأغنياتها في كتب ودراسات وأبحاث.

لم تؤرخ السينما لفن العديد إلا بالسلب، مثل فيلم «الشيخ حسن»، فكان بطله حسين صدقي يهاجم العديد من باب التحريم الديني، لكن على الأقل شاهدنا ذلك الفن على الشاشة ولو لدقائق. ونلاحظ أيضًا أن المعددة عندما رأت حسين صدقي سألت عن درجة قرابته للميتة، فكان الرد أنه ابنها، فبدأت تغني العديد المناسب: «نَدَه اليتيم لأمه، ردت دموعه وغرقت كُمُّه»، فالمعددة تتميز أيضًا بقدرة كبيرة على الارتجال وتأليف العديد الأكثر مناسبةً للمتوفى.

ظهر العديد بشكل عابر في أفلام أخرى قليلة، مثل «طيور الظلام» لعادل إمام، إذ تعمل والدته ندابة لكنها «تصرخ» أكثر مما تغني، وكأن العديد صراخ، وكأنه ليس فنًّا.

قد يهمك أيضًا: للمشاعر السلبية أثر إيجابي كذلك

النّدب تلفزيونيًّا

لم يقدم العديد بشكل فني سوى شاعر الصعيد عبد الرحمن الأبنودي، في المسلسل التلفزيوني «أغنية الموت»، فنجد في نهاية الفيلم غناءً هو الأقرب إلى العديد، واستخدمه الأبنودي مجددًا في فيلم «عرق البلح».

«يا برج عالي في طريق الواحة

لما وقع شَت الحمام وراح

يا برج عالي في طريق الغالي

لما وقع شَت الحمام بالليلة»

في تاريخ الأغنية المصرية نجد بعض أغاني الرثاء، بدايةً من دور «شربت الصبر بعد التصافي»، الذي قدمه عبده الحامولي في رثاء زوجته المطربة ألمظ، وغناه بعده كثيرون على رأسهم داوود حسني، ونجد كذلك محمد عبد الوهاب يغني «أيها الراقدون تحت التراب»، وأسمهان قبل وفاتها تغني وكأنها ترثي نفسها «أيها النائم».

لكن الاقتراب الأكثر تماثلًا مع حالة العديد كان مع أم كلثوم والثنائي العظيم بيرم التونسي والشيخ زكريا أحمد، في واحدة من أحلى ما قدما وما غنت الست: «الأوِّلَه في الغرام»، التي لحنها زكريا بعد أن أجهده الحزن على وفاة ابنه، وجاءه بيرم كي يخرجه من حزنه فكانت هذه الأغنية، وكان هذا المقطع بالتحديد، الذي يتماهى فيه زكريا مع فكرة العديد. وبالطبع أكمل أداء أم كلثوم الحالة بغناء المقطع، ليكون الأقرب إلى العديد في تاريخ الأغنية المصرية:

«حطِّيت على القلب إيدي وأنا بودّع وحيدي

وأقول يا عين اسعفيني وابكي وبالدمع جودي

من يوم ما سافر حبيبي وأنا بداوي جروحي

أتاري في يوم وداعه ودعت قلبي وروحي»

أم كلثوم تغني «الأوله في الغرام»

تقول المعددة على لسان أم فقدت ابنها:

«من غيبتك قلبي عليك دايب

لاقياك من دون الشباب غايب

من غيبتك قلبي عليك عيّان

لاقياك من دون الشباب عدمان»

وفي الأغنية الحديثة، على لسان أم توفي ابنها أيضًا تغني جمالات شيحة بصحبة موسيقى فتحي سلامة:

«ليه يا بني تسيب حضني ليه؟

في أدفَى من حضني إيه؟

رحت فت وِحدة مُرة وليل طويل

رحت وخدت قلب كنت بعيش عليه

وفردت بعادك شراع

من غير ولا كلمة وداع»

جمالات شيحة تغني «رسيني»

العديد: غناء مستقل

قدمت دنيا مسعود شكلًا يقترب من العديد في أغنية «أبايا»، وكذلك في «حلم»، وهي القطعة المأخوذة من مسرحية «ياسين وبهية» للشاعر نجيب سرور.

كان سرور قد كتب أغنية في شكل عديد، وغناها الشيخ إمام، وله تسجيل يغنيها في حفل بعد رحيل نجيب سرور ويبكي وهو يغني، ويبدأ في العديد حقًّا على نجيب، وينادي عليه ويترحم:

«يا سهرانين في القمر، ليل الغريب ظلْمة

يا عيني يا ليلي، لا قنديل ولا نجمة

مناديل دي ولّا قلوع؟ وده بحر ولّا دموع؟

خدوني يا راجعين، فايتينّي ليه ولمين؟»

عديد الشيخ إمام على نجيب سرور

العديد حوار مع الحياة أكثر منه مع الموت، حوار على لسان الميت وأهله، حوار وُجد ليؤنس الميت، حوار للموت نفسه، يحمل كثيرًا من الغضب والحزن، وفي الوقت نفسه اقتناعًا تامًّا بأن الموت قادم لا محالة، لكن الاقتناع لا يمنع أن نغني ونصرخ ونبكي ونغضب. ورغم اختفاء العديد، تبقى ظلاله في الأفق حاضرةً حضور الموت في الحياة.