كيف تشكِّلنا الحرب؟

أفلام الحروب: تجنيد في قاعة العرض

لقطة من فيلم «Dr. Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb» - الصورة: Columbia Pictures Corporation

هذا الموضوع ضمن هاجس شهر ديسمبر «كيف تشكِّلنا الحرب؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


«في الحرب، ليس هناك جندي غير مصاب». تلك العبارة الشهيرة للكاتب الأرجنتيني «جوزيه ناروسكي»، بسببها يتأمل كثيرون في تفاصيل الحروب والمعارك، فقد لا تتأثر بالعدد الكبير للضحايا المصابين في معركة، لكنك تتعاطف مع مأساة جندي واحد، ربما اختفى جراء الحرب أو ظل يعاني لسنوات من الأرق، في دراما هادئة تعصف بذهنك بعدما تنتهي من مشاهدة كفاح هذا الرجل ومعركته الخاصة.

لكل هذه الأسباب وأكثر، هناك نوعية من الأفلام التي تُعنَى بتصوير الحروب أو أسراها وضحاياها، أو نتائجها أو دوافعها أو إحدى زواياها، والتي تحمل اسم أفلام الحروب، وهي واحدة من أكثر أنواع الأفلام المرغوبة والناجحة، والتي يُقبِل على مشاهدتها عدد ضخم من الجمهور.

من ناحية الإنتاج، هناك دوافع كثيرة لإنتاج تلك الأفلام إلى جانب الربح، إذ غلبت السياسة على كثير من تلك الأفلام، فهناك أفلام تشرح وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية لغزو العراق، وأفلام أخرى أُنتجت لتبرير حرب فيتنام مثلًا. وعلى العكس، هناك أفلام تهاجم تلك الأفلام التي تبرر للحروب، فكيف بدأ الأمر؟ وكيف ظهرت تلك النوعية من الأفلام التي قد تؤثر في الرأي العام السياسي تجاه دولة أو حكومة أو شعب؟

جيمس ستيوارت بلاكتون: بدايات الفيلم الحربي

فيلم «Tearing Down the Spanish Flag»

لم يعرف العالم تصنيف «أفلام الحروب» بالشكل الحالي إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، رغم أن بدايات الحرب في 1914 كانت سبب رواج هذه النوعية من الأفلام، إذ بدأت لأغراض سياسية بحتة، دعاية سياسية، ثم امتزجت أهدافها في ما بعد بالأرباح التي جنتها، بعد ملاحظة إقبال المشاهدين عليها ونجاحها بشكل ملحوظ في شباك التذاكر.

في 1915، أُنتج أول فيلم يمكن تصنيفه كفيلم حربي بالمعنى الحالي: «The Birth of a Nation»، وصار مخرجه «ديفيد جريفيث» مؤسسًا لأفلام الحروب.

فيلم «Tearing Down the Spanish Flag» هو أول فيلم حربي، أُنتج عام 1898، بطولة وإنتاج وإخراج «جيمس ستيوارت بلاكتون».

الفيلم صامت، ويتكون من مشهد واحد لمدة 90 ثانية، ظهرت فيه يد بلاكتون وهي تُسقِط العلم الإسباني، في إشارة واضحة إلى الحرب الأمريكية الإسبانية التي وقعت في نفس عام إنتاج الفيلم، وخاضتها الولايات المتحدة إلى جانب ثوار كوبا ضد إسبانيا.

لم يدشن هذا الفيلم لأفلام الحروب فقط، بل كان بدايةً لسلسلة من الأفلام الصامتة القصيرة، التي اعتاد ستيوارت بلاكتون تقديمها لإذاعة الأخبار السياسية،  خصوصًا أخبار الحروب، فقدم بعده مئات الأفلام القصيرة الصامتة التي تُعنَى بالشأن الحربي، وكان يعيد تمثيل الخبر لتقديمه للجمهور بشكل سينمائي.

ديفيد جريفيث: تأسيس أفلام الحروب

لقطة من فيلم «The Birth of a Nation» - الصورة: David W. Griffith Corp

في 1915 أُنتج أول فيلم يمكن تصنيفه كفيلم حربي بالمعنى المعروف حاليًّا، وأثار كثيرًا من الجدل حتى يومنا هذا. كان اسمه «The Birth of a Nation» للمخرج «ديفيد دبليو جريفيث»، الذي يُعَد مؤسس أفلام الحروب بأفلامه الكثيرة التي قدمها من تلك النوعية.

الفيلم روائي طويل مقتبس عن رواية «توماس ديكسون جونيور» بعنوان «The Clansman : An Historical Romance of the Ku Klux Klan»، وتصل مدته إلى ثلاث ساعات وربع، ويحكي عن العلاقة بين عائلتين أمريكيتين خلال الحرب الأهلية الأمريكية، ثم عصر إعادة الإعمار.

ورغم أن الفيلم حقق نجاحًا جماهيريًّا وتجاريًّا غير مسبوق، ويعتبر أنجح أفلام عصر السينما الصامتة والأكثر تحقيقًا للإيرادات حتى ظهور «Gone with the Wind» عام 1939، فإن قصته تُرسِّخ تمامًا لكل أفكار العنصرية تجاه الأمريكيين من أصول إفريقية، وتثير مشاعر الكُره والتمييز نحو ذوي البشرة السوداء، وتُمجد بشكل فج جماعة «كو كلوكس كلان» العنصرية.

تسبب الفيلم في نشوب مظاهرات في مدينة بوسطن وولاية فيلادلفيا في أمريكا وقت عرضه، ومُنع في مدينتي شيكاغو وسانت بيترسبرغ، لكنه من الناحية السينمائية كان ثورة في تقنيات التصوير والإخراج والمونتاج، فضلًا عن تدشينه لفئة أفلام الحروب في هوليوود.

بعد نجاح فيلم «The Birth of a Nation»، زاد اهتمام المنتجين بتقديم أفلام حربية أخرى ملائمة لموضوع الساعة وقتذاك، خصوصًا بعد تأجج الحرب العالمية الأولى، فكتب ديفيد جريفيث سيناريو جديدًا وأخرجه عام 1916 تحت اسم «Intolerance: Love's Struggle Throughout the Ages»، وأظهر فيه تطورًا كبيرًا في تقديم مفهوم الحرب، إذ ركز على ويلات الحروب وأثرها في الأفراد والأُسَر، بتصوير معاناة الإنسان في أربعة عصور مختلفة.

قد يهمك أيضًا: لأن محبتنا للحرب ضرورية: كيوبريك ونولان

هاجس الحرب العالمية الأولى

لقطة من فيلم «Hearts of the World» - الصورة: D.W. Griffith Productions

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ظهر فيلم شبه وثائقي بعنوان «My Four Years in Germany»، يحكي عن الفترة التي قضاها السفير الأمريكي في ألمانيا خلال الحرب.

في إبريل 1917، أعلن الكونغرس الأمريكي دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، بعد أن استهدفت القوات الألمانية سفن التجارة الأمريكية وأغرقت سبعًا منها، الأمر الذي جعل من الحرب أمرًا واقعًا مفروضًا يتعرض له المواطنون بشكل يومي.

عاد المخرج ديفيد جريفيث بفيلم جديد في 1918، يدعم أمريكا وحلفاءها في الحرب، حمل عنوان «Hearts of the World»، صوّره في قرية فرنسية شهدت أحداثًا من الحرب بالفعل، بالتعاون مع أصدقاء القوات الأمريكية وقتذاك: المكتب البريطاني الحربي والحكومة الفرنسية.

ركز الفيلم على وحشية القوات الألمانية، عن طريق تصوير قصة حب بين شاب وفتاة فرنسيان يتعرضان للفراق والتعذيب بعد دخول ألمانيا إلى القرية التي يسكناها وتدميرها، ثم إنقاذ القرية وأهلها على يد القوات الفرنسية، التي تنشر السلام وتخلص السكان من شرور الألمان.

تلى ذلك عدد من الأفلام التي باتت تجمع بين الدراما أو الرومانسية مع الحرب، مثل الفيلم الذي قدمه جريفيث في نفس العام بعنوان «The Greatest Thing in Life»، والذي يحكي عن قصة حب تجمع الفتاة «جين بيريت» وتاجر الخضراوات «لو بيبي»، لكن الأمور تتعقد بينهما بعد عودة حبيب جين السابق إليها مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، فتتعقد الأمور وتقرر الفتاة تغيير حياتها بشكل تام.

وفي نفس العام 1918، عام انتهاء الحرب العالمية، ظهر فيلم حربي يمكن تصنيفه بأنه شبه وثائقي، كان أول إنتاج لاستوديو «Warner Bros» بعنوان «My Four Years in Germany»، ليروي تفاصيل الفترة التي قضاها السفير الأمريكي في ألمانيا بين عامي 1913 و1917، أي فترة الحرب، ويصور وحشية وقسوة الحكومة الألمانية وتعسف قراراتها بشكل مبالغ فيه، رغم أن الفيلم جمع بين مَشاهد حقيقية وأخرى مصورة بحضور السفير الأمريكي الحقيقي بنفسه.

قد يعجبك أيضًا: الأفلام الوثائقية ترسم معالم الحرب في سوريا

أفلام ضد الحروب

لقطة من فيلم «The Four Horsemen of the Apocalypse» - الصورة: Metro Pictures Corporation

في 1924، قدم جريفيث فيلمه سيئ السمعة «America»، الذي لاقى نقدًا سيئًا وفشل جماهيريًّا، ودمر شعبية المخرج.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى تراجعت شعبية أفلام الحروب، ومع دمار المنشآت الأوروبية، ومن بينها مراكز صناعة الأفلام، وقعت مسؤولية إنتاج السينما على عاتق هوليوود وحدها، فصارت تنتج 80% من الأفلام التي يشاهدها العالم أجمع، وبدأت فعلًا في إنتاج عدد من الأفلام المضادة للحروب، كان أشهرها الفيلم الصامت «Four Horsemen of the Apocalypse» للمخرج «ريكس إنغرام» عام 1921.

الفيلم مقتبس عن رواية إسبانية بنفس الاسم للكاتب «فيسينت بلاسكو»، ويحكي عن عائلة تتعرض للانقسام بعد انضمام ابنها الشاب إلى الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الأولى، وتتطور الأحداث ليجد الشاب نفسه في مواجهة فرد آخر من العائلة، نتيجةً للنزاع بين ألمانيا وفرنسا.

خلال الفترة بين 1918 و1921، لم يتوقف ديفيد دبليو جريفيث عن تقديم الأفلام، ولم يقتصر على الحروب فقط، بل توسع ليشمل الرومانسية والدراما وغيرها. ظلت أفلامه الحربية في نفس الاتجاه الذي بدأه، تمجِّد أمريكا وتشجع حلفاءها، لكنها قلت حدةً وبدأت في التركيز على ويلات الحروب ومآسيها لتصبح أفلامًا ضد الحروب.

وفي عام 1924، قدم جريفيث فيلمه ذا السمعة السيئة «America»، الذي لاقى نقدًا سيئًا للغاية، وفشل على المستوى الجماهيري، وأنهى حياة جريفيث المهنية ودمر شعبيته، بعد أن كان رائدًا من رواد السينما الصامتة. وبعده، قدم جريفيث عددًا محدودًا من الأفلام لم يتميز أيها، ثم توقف عن الإخراج عام 1931.

أفلام ما بين الحربين

إعلان فيلم «Big Parade»

في عام 1930، عُرض واحد من أهم الأفلام المضادة للحرب في تاريخ السينما، «All Quiet on the Western Front»، وفاز بأوسكار أفضل فيلم وإخراج.

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وخلال فترة السلام بين الحربين، ركزت أفلام الحروب على الآثار السلبية والذعر والخوف الذي تبثه في نفوس الجنود والشعب على حد سواء.

توقفت الأفلام عن الدعوة إلى مساندة القوات العسكرية أو مهاجمة أخرى، وركزت على الأثر النفسي الذي تتركه الحرب في الإنسان وقصص بطولات الجنود، فظهرت أفلام مثل «The Big Parade» عام 1925، الذي قدم قصة حب تفرقها الحرب، وجمع 22 مليون دولار عالميًّا، وهو الفيلم الأكثر ربحًا في تاريخ السينما الصامتة.

بالطبع مثل هذا النجاح على الصعيدين الفني والتجاري جعل شركات الإنتاج السينمائي تتسابق لإنتاج أفلام مماثلة، تحكي قصص دراما ورومانس على خلفية الحرب العالمية الأولى، فخرجت أفلام ناجحة أخرى مثل «Tell it to the Marines» عام 1926، والفيلم الشهير «Flesh and the Devil» في نفس العام، وهو الفيلم أطلق شهرة الممثلة الإيطالية «غريتا غاربو».

في عام 1927، بدأت الأفلام الناطقة وسادت دور العرض، لذا لم يتوقع أحد النجاح الساحق الذي حققه الفيلم الصامت «Wings» عام 1927، الذي كان أول فيلم حربي يفوز بجائزة أوسكار أفضل فيلم في 1929، رغم أنه كان الفيلم الصامت الوحيد المرشح.

وفي 1930، عُرض واحد من أهم الأفلام المضادة للحرب في تاريخ السينما العالمية، «All Quiet on the Western Front» للمخرج «لويس مايلستون»، وحقق نجاحًا ساحقًا فنيًّا وجماهيريًّا، إذ فاز بأوسكار أفضل فيلم وإخراج.

الفيلم مقتبس عن رواية ألمانية للكاتب «إريك ماريا ريمارك»، الذي قاتل في الحرب العالمية الأولى.

يحكي الفيلم عن الضغوط النفسية التي تعرض لها الجنود الألمان خلال الحرب، وأثر ذلك فيهم بعد عودتهم إلى الحياة المدنية، وربما كان ذلك أعظم ما فيه، فلم يكن معتادًا تقديم وجهة نظر الطرف الآخر، وبالتالي كان جديدًا تقديم معاناة الجنود الألمان بشكل إنساني، وهم أعداء جبهة الحلفاء والولايات المتحدة الأمريكية في المقام الأول.

اقرأ أيضًا: ما لم يحكِه كريستوفر نولان في فيلم «دنكيرك»

الحرب العالمية الثانية: العصر الذهبي للأفلام الحربية

إعلان فيلم «Foreign Correspondent»

سخر شارلي شابلن في فيلم «The Great Dictator» من هتلر بشكل واضح وصريح، حتى أنه مُنع من العرض في ألمانيا.

منذ عام 1930 حتى نشوب الحرب العالمية الثانية في 1939، لم تقدم هوليوود أفلامًا حربية مميزة، وانعزلت أمريكا بعض الشيء ولم يكن لها دور سياسي في الهدنة بين الحربين.

لكن هذا كان الهدوء الذي يسبق العاصفة، ففي 1940، قدم المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك فيلمه الثاني في مسيرته الفنية بعنوان «Foreign Correspondent »، ليدعو الأمريكيين إلى اتخاذ موقف واضح في الحرب العالمية الثانية، وينبههم إلى فاشية إيطاليا ونازية ألمانيا عن طريق قصة درامية محبوكة،  وبالفعل ترشح الفيلم لست جوائز أوسكار، وهو أحد أفضل أفلام هيتشكوك.

وفي نفس العام قدم الممثل والمخرج شارلي شابلن أول فيلم ناطق له، والأشهر في مسيرته الفنية، «The Great Dictator»، وفيه سخر من الزعيم النازي أدولف هتلر بشكل واضح وصريح، حتى أن هتلر منع عرضه.

وفي 1942، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية دخول الحرب العالمية الثانية، لتزدهر صناعة السينما الحربية من جديد بشكل أكثر تطورًا، فركز بعضها على سرد قصص بطولة الجنود الأمريكيين، بينما اهتمت أفلام أخرى بتقديم مشاركة أمريكا في الحرب كأنها قضية نبيلة، تشارك فيها الدولة لإنقاذ الحلفاء من الفاشية المظلمة التي ستغرق العالم، مثل «Casablanca»، الذي يُعَد واحدًا من أهم أفلام السينما، و«Since You Went Away» و«The Best Years of Our Lives»، وغيرها من الأفلام التي روّجت لنفس الفكرة حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.

بالطبع كانت هناك أفلام أخرى تحاول تجسيد مشاهد الحرب والمعارك، لكن الأفلام التي قدمت مأساة فرد أو أسرة أو علاقة رومانسية تضررت جراء الحرب حظت بنجاح جماهيري أكبر بكثير من الأفلام الأخرى التي حاولت الدعاية سياسيًّا للحرب.

كوميديا الحرب السوداء والجاسوسية

لقطة من فيلم «Dr. Strangelove» - الصورة: Columbia Pictures Corporation

ظهرت فئة أخرى من الأفلام الجريئة التي تقدم كوميديا سوداء عن بالحروب، بدأت بفيلم واحد عام 1933 بعنوان «Duck Soup»، ثم توقفت مع الهدنة بين الحربين، وانتشرت بعد ذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إذ عُرض فيلم «Stalag 17»، الذي تدور أحداثه في قالب كوميدي درامي حول أسرى أمريكيين يحاولون الهروب من سجن ألماني.

نجح الفيلم جماهيريًّا وفنيًّا، وفتح الباب أمام أفلام مماثلة طالما أنها تعجب الجمهور، وبالفعل أُنتج عديد من الأفلام الكوميدية التي تدور حول الحرب، أشهرها تحفة المخرج ستانلي كوبريك المميزة  «Dr. Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb»، الذي أقل ما قيل عنه إنه واحد من أقوى الأفلام الكوميدية المضادة للحرب.

هناك فئة من الأفلام تدور حول الجاسوسية خلال الحروب، ويعتبرها بعض النقاد أفلام حروب بشكل مختلف. وربما تكون أشهر سلسلة جاسوسية على الإطلاق هي سلسلة «جيمس بوند»، التي ذكرت بشكل مباشر وغير مباشر الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا بشكل مستمر.

... وتمضي مسيرة أفلام الحرب

أمريكا، وبالتالي هوليوود، لا يمكنها الاكتفاء من الزهو بانتصارها في أكبر دراما شملت خريطة العالم: الحرب العالمية الثانية.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهد العالم حروبًا عدة مثل الحرب الكورية، وحرب فيتنام، والحرب على العراق، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وغيرها من الحروب التي أسهمت في تطوير الأفلام بشكل كبير.

ذلك على الرغم من أن أكثر حرب ذكرتها السينما الأمريكية هي الحرب العالمية الثانية، وهي الأكثر تأثيرًا في أفلام الحروب على الإطلاق،  فهي الحرب التي حققت فيها أمريكا انتصارًا حقيقيًّا واضحًا لا مجال للنقاش فيه، فحربها على الإرهاب كانت ولا تزال، رغم ما تردده الولايات المتحدة، مجرد ذريعة لنهب العراق وفرض سيطرتها على المنطقة العربية.

كذلك، الحرب الكورية لا يمكننا الجزم بانتصار أمريكا فيها بشكل قاطع، فلا تزال الخلافات مستمرة بينها وبين كوريا الشمالية. وحتى الحرب مع الاتحاد السوفييتي، لا يمكن القول إن أمريكا انتصرت فيها، فالاتحاد السوفييتي تفكك بشكل رسمي بموجب الاتفاقيات بنهاية الأمر. وبالطبع لا يمكن الاحتفاء بحرب فيتنام، التي خسرت فيها أمريكا بشكل واضح.

لذا يمكننا القول إن أمريكا، وبالتالي هوليوود، لا يمكنها الاكتفاء من الزهو بانتصارها في أكبر دراما شملت خريطة العالم: الحرب العالمية الثانية، التي تأثرت دول العالم كلها بها، فما بين دولة قوية أو مستعمرة أو حتى دولة حاولت الوقوف على الحياد، نالت تلك الحرب من خريطة العالم أجمع، فلم تترك وضعًا كما كان، وستجد دومًا كتب التاريخ تتحدث عن ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

من ناحية القصة والسيناريو، تظل الحرب العالمية الثانية منهلًا لا ينتهي من القصص والدراما، فهي غنية بجوانب عديدة يبدو تكرارها في الأفلام صعبًا. وحتى الأطراف المتنازعة في الحرب كانت تجسد الشر السهل، فلن تجد شخصًا عاقلًا مثلًا قد يتعاطف مع النازية الألمانية وأفعالها التي تخرج عن نطاق الإنسانية، ومن يمكنه التفكير في إسقاط قنبلة ذرية على بلد مجددًا مثلما فعلت أمريكا مع اليابان مثلًا؟

تشعر وكأن الحرب العالمية الثانية كانت قصة مثل قصص «Marvel» ربما، شديدة الدراما والأكشن في آنٍ واحد بين مآسي الإنسانية المعذبة. إنها ملحمة ربما أكثر من كونها حربًا، ومن عاشها وقتذاك هم آباء الجيل الكبير من صناع السينما، المتأثرين حتمًا بما قَصّه عليهم آباؤهم وأجدادهم.

بنهاية الأمر، السينما مرآة للواقع ووسيلة للتأثير في الرأي العام أحيانًا، لذا يمكنك مشاهدة تطور أفلام الحروب ومضمونها بتطور الشعوب والحكومات، وكذلك لتكتشف البدايات التي قدمت زهوة الحروب والدعوة إليها، ثم المعاناة واكتشاف مأساة الحرب، وكيف أن كل الأطراف خاسرة، والدعوة ضد الحرب، ثم السخرية من الحرب نفسها والداعين إليها. وما بين مؤيد ومعارض ومُكتفي بالمشاهدة، ستظل أفلام الحروب إلى أجل غير مسمى، فهي تستقي مضمونها من فكرة الصراع الذي لن ينتهي ما دامت البشرية.