كيف تشكِّلنا الحرب؟

بمبي يا صلاح: كيف يتعامل الفن مع الحرب؟

لقطة من فيلم «أميرة حبي أنا» - الصورة: أفلام أم كلثوم الحميدي

هذا الموضوع ضمن هاجس «كيف تشكِّلنا الحرب؟». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.


في بداية سنوات المراهقة طوَّرتُ عادة غريبة، هي أنني كلما شاهدت فيلمًا عربيًّا قديمًا كنت أهتم بالسؤال عن السنة التي صدر فيها، وإذا صادف أن يكون الفيلم في نهاية ستينيات القرن العشرين أو بداية سبعينياته، كنت أعيره كل اهتمامي، خصوصًا إذا لم تكن فيه أي إشارة للنكسة أو حرب 1973.

كنت أتعجب من قدرة أي فنان على تجاهل واقعه دون أدنى إحساس بالذنب، أتعجب ممن استمر في تقديم الأفلام الكوميدية والرومانسية دون أن تنال منه قسوة الواقع. فأغنيات عبد الحليم حافظ الوطنية كانت تمثل لي ما هو متوقع من أي فنان في مثل هذه الأوقات العصيبة، لكن تلك الأفلام الخفيفة كانت تثير اهتمامي.

هل كانت تُشكل حالة من الهروب من الواقع، أم حالة من التمرد عليه؟ ما واجب الفنان نحو بلده في أوقات الحرب؟ الترفيه أم التوثيق أم إثارة الحماسة، أم كل ما سبق؟

إذا آمن الفنانون بحاجة المجتمع لكل ما سبق وتوزعت الأدوار، فمن ينجو منهم من تهمة الخيانة؟ أو كما يقول الشاعر والكاتب المسرحي الألماني «برتولت بريخت» في قصيدته «إلى الأجيال القادمة»:

«أي زمنٍ ذلك الذي

يكون الكلام فيه عن الأشجار جريمة،

لأنه يعني الصمت عن كثير من الأهوال»

1. الترفيه: «جورج ميليه».. الساحر الذي أبطلت الحرب سحره

قدم ميليه 500 فيلم، لكن الناس عزفوا عن مشاهدته بسبب الحرب العالمية الأولى، فأعلن إفلاسه وسقط في هوة من اليأس، وأحرق معظم أفلامه.

عُرِف جورج ميليه في أوساط السينمائيين بأنه «أول سحرة السينما»، فهو أول من استخدم الكاميرا في ما هو أكثر تعقيدًا من توثيق مشاهد يومية عادية غير مترابطة.

في البداية أظهر ميليه شغفًا واضحًا بالرسم وبالمسرح وفنونه، وكان بارعًا أيضًا في تفكيك الآلات وإعادة تركيبها بعد سنوات قضاها في دراستها عن قرب بمصنع والده، إضافة إلى اهتمامه بفنون السحر، ما دفعه إلى شراء مسرح صغير أسماه «هوديني» تيمنًا بأحد سحرته المفضلين، وعرض في هذا المسرح كثيرًا من المسرحيات التي كانت تقوم بشكل أساسي على الخدع البصرية. صَنع لهذه المسرحيات ديكورات مبهرة تتغير باستمرار، ولاقت عروضه إعجاب الجمهور بشكل كبير في ذلك الوقت.

بدايته مع السينما كانت عندما رفض الأخوان لوميير عرضه لشراء آلتهما «السيناتوغراف»، التي كشفا عنها لأول مرة في 28 ديسمبر 1895، وتأثر بها ميليه بشدة. بعدها تمكن من شراء «بروجيكتور» من تاجر يدعى «روبرت بول» ليفتتح دار سينما بمسرحه، ويعرض فيلمه الأول في الرابع من إبريل 1896.

بعد كثير من التجريب والمحاولات للاستفادة القصوى بالكاميرا، اكتشف ميليه خاصية المونتاج وأدخلها لأول مرة في التصوير السينمائي، وتمكَّن عن طريقها من تنفيذ عدد من الحيل البصرية من إخفاء واستبدال ومزج. ومن هنا بدأ يمزج بين السينما والمسرح في الاستوديو السينمائي الذي أنشأه عام 1897، فصنع ديكورات خاصة لأفلامه، واستعان بطاقم تمثيل، وأجرى بروفات، فكان أول من يستخدم الكاميرا في السرد الروائي.

قدم جورج ميليه للسينما نحو 500 فيلم، أشهرها «A Trip to the Moon» في 1902. توالت نجاحاته حتى عام 1914، حين عزف الناس عن عروضه بسبب الحرب العالمية الأولى، فتدهورت حالته المادية بالتدريج، وأغلق مسرحه واكتفى بتقديم عروض على مسرح متواضع حتى 1923 حين أعلن إفلاسه، واضطر إلى بيع جميع ممتلكاته، وسقط في هوة من اليأس أحرق على إثرها معظم أفلامه، ولم ينجُ منها سوى 173 فيلمًا فقط.

كانت الحرب نقمة حقيقية بالنسبة إلى ميليه، فقد دمرت كثيرًا من أحلامه بخصوص السينما، وأوقفت تطوره الفني بشكل كبير. في هذا الوقت لم يكن لدى الناس مساحة لمشاهدة ألعاب بصرية تجري على شاشة أمامهم، بينما يموت رجال وحتى أطفال ومراهقون بشكل يومي، سواء في ميادين المعارك المشتعلة، أو بسبب الغارات الجوية. لم يتعافَ ميليه قط من تأثير الحرب عليه.

اقرأ أيضًا: كل من يقترب من الحقيقة يحترق: لِمَ يؤثر فينا الفن؟

2. التوثيق: في الميدان الغربي لم ينجُ أحد

غلاف كتاب «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» - الصورة: دار الهلال

إن كان جورج ميليه تمسَّك بعوالمه الخيالية حتى النهاية، فالكاتب الألمانى «إريك ماريا ريمارك» وقف على الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال في أشهر رواياته «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» التي صدرت يناير 1929.

يستعرض ريمارك في روايته أهوال الحرب العالمية الأولى على لسان راوٍ شاب تطوع كغيره من الشباب للمشاركة في الحرب هربًا من نظرات الازدراء المجتمعية، ومن وصمة عار قد تلحقه إلى الأبد، ليكتشف في ميدان القتال الخدعة التي انطوت عليه وزملائه، فلا أحد منهم يدري سببًا للحرب، وهم أناس بسطاء لم يعتدِ عليهم الفرنسيون أو الروسيون من قبل، والعكس بالعكس. بل إن أحدهم يزعم أنه لم يرَ في حياته رجلًا فرنسيًّا قبل الصراع، فما السبب الحقيقى للحرب؟ ومن المستفيد منها؟

نخرج بإجابة مقنعة من حوار يدور بين «جادن» و«كات»، من أبطال الرواية:

«إذًا، فما السبب الحقيقي للحرب؟

فأجاب كات، وهو يهز كتفيه: لا بد من وجود أناس معينين يستفيدون من الحرب.

- لستُ واحدًا منهم.

- لا أنت ولا أي واحد هنا.

فقال جادن باصرار: إذًا، فمن هم الذين ينتفعون من الحرب؟ لا يمكن أن يكون الإمبراطور لأنه يملك كل ما يشتهي.

- لست واثقًا، فعهده لم يُتوَّج بحرب حتى الآن. ولا بد لكل إمبراطور عظيم من حرب واحدة على الأقل في عهده، وإلا خمل ذكره، ولم يذع صيته. ارجعوا إلى كتبكم المدرسية».

شارك ريمارك في الحرب العالمية الأولى، ولذلك جاءت روايته صادقة لا مبالغة في أحداثها، ربما كُتبت لتداوي صاحبها، أو ربما لأن الكاتب، رغم انقضاء نحو 10 سنوات على انتهاء الحرب، يبدو كأنه لم يعد منها بعد، أو ربما عاد في إجازة أطول من إجازة الراوي «باول بويمر»، فشعر مثله بالوحشة والاغتراب في زيه المدني وحياته السابقة، وسط تعمُّد الناس نسيان الحرب كأنها لم تكن، فآثر البقاء مع رفقائه الذين لم يعودوا من الحرب قط.

بل إنه، في خاتمة صادمة للرواية، يعلن عن طريق راوٍ ثالث مقتل باول بويمر في يوم إعلان الهدنة، ورفض السلطات إعلان الوفاة حتى لا يتعكر صفو الهدنة، مرددين: «كل شيء هادئ في الميدان الغربي». وكأن ريمارك يشير إلى أنه أيضًا مثل رفاقه: لم يعد من الحرب.

قد يعجبك أيضًا: مفهوم الفن، وكيف تبدل على مدار قرون

3. السعادة في أن نغني للناس، التعاسة في أن نغني عليهم

صلاح جاهين

لم يتحقق أحد من صحة عبارة «يا حليم، إحنا جينا نغني للناس غنينا عليهم»، التي وردت على لسان صلاح جاهين في فيلم «حليم»، ربما لأن أغلبهم يرغب في الحفاظ على صورة جاهين الثوري المهزوم في أذهانهم، لأنها صورة صادقة وتنفي عن الشاعر الذي يحبونه تهمة بيع الوهم متنكرًا في صورة الأمل. فاليأس الذي أصاب جاهين عقب النكسة يؤكد صدق تلك الأحلام والأماني التي امتلأ بها شعره قبلها.

بحث جاهين في وقت الحرب عن سبب للسعادة يجعل الحياة لونها «بمبي»، فقضى سنواته الأخيرة محاصَرًا بتساؤل دائم غير مباشر من أقرانه: بمبي يا صلاح؟

كان جاهين فنانًا شاملًا: شاعرًا ورسامًا وصحفيًّا ومنتجًا، وأحيانًا ممثلًا، يُحلِّق بخياله بعيدًا، ولكنه في الوقت ذاته شديد الاتصال بواقعه، معبرًا عنه ومتأثرًا به أبلغ التأثر، عُرف بـ«صوت الثورة» كناية عن «ثورة يوليو»، وآمن بها، وتَغنَّى بها في كل مناسبة، ثم أُصيب بالاكتئاب بعد هزيمة 67 وحتى وفاته، وانعزل عن الناس بالتدريج، واتجه في ما بعد لإنتاج بعض الأفلام مثل «أميرة حبي أنا» و«عودة الابن الضال»، وكتب فيلم «خلي بالك من زوزو»، لكن خفتت حدة السياسة في كتاباته، وحلت مكانها تأملات عميقة في الحياة والوجود، مع مسحة أكبر من الحزن وأقل من اليأس.

كان يلوم نفسه على تفاؤله الزائد بثورة يوليو وأغانيه الحماسية التي «خدرت الناس» على حد قوله، وجعلت اصطدامهم بالواقع في 1967 أكثر إيلامًا.

جاهين، الوطني الثائر الذي أفنى عمره في بث الأمل في نفوس الناس في وقت الحرب، لم يُتَّهم بالخيانة إلا بعدما أخد كفايته من «الأهوال»، وراح يبحث عن وردة يتحدث عن جمالها، وعن سبب أكثر بساطة للسعادة يجعل هذه الحياة الصعبة لونها «بمبي»، ليقضي سنواته الأخيرة محاصَرًا بكثير من التفسيرات لانسحابه من المشهد السياسي، وتساؤل دائم غير مباشر من أقرانه: بمبي يا صلاح؟

الفنان والمجتمع

أغنية بوب ديلان «Masters of War»

مهمة الفنان أن يخرج عن القالب الذي تضعه فيه الحكومات والأفراد، وأن يُشكك في معلومات الإعلام.

في مقال بعنوان «Artists in Times of War»، يتحدث المؤرخ «هوارد زِن» عن رؤيته للفنان ودوره تجاه مجتمعه في زمن الحرب.

لا يتعالى زِن على دور الفنان في الترفيه عن الناس وقت الشدائد، فيقول:

«ربما يكتفي الفنان بإضحكانا، أو يمدنا بجرعات من الجمال والشغف والدراما، وأنا هنا لا أستخفُّ أبدًا بهذه النشاطات، ويجب ألا يعتذر الفنان عن أنها قد تكون في بعض الأحيان إنتاجه الوحيد، لأنه عن طريق هذا الإنتاج الفني يُذكِّرنا الفنان بالصورة التي يجب أن يكون عليها العالم، حتى وإن خالفت هذه الصورة عالمنا الآن. يسحبنا الفنان خارج دوامة الألم التي نعيش فيها يوميًّا ليُرينا ما هو ممكن تحقيقه. كل ما أقوله أن الفنان قادر على فعل مزيد من الأشياء، بل يجب عليه أن يفعل، فهو في النهاية مواطن وإنسان».

«تخيفني الطريقة التي يُصنفنا بها المجتمع، فأنا مؤرِّخ، لكني لا أريد أن أكون مؤرِّخًا فقط، غير أن المجتمع يضع لي ضوابط لا يجب أن أخرج عنها. أنت مؤرخ، وأنت طبيب، وأنت مهندس، وأنت محامٍ... أول شيء يُسأل المرء عنه في المناسبات الاجتماعية هو: ماذا تعمل؟ وكأن الواحد منهم يقصد أن يقول: كيف يجري تصنيفك؟ ما يخيفني من هذه التصنيفات أنها تجعل كثيرًا من الناس يؤمنون بأنهم فقط ما يعملون، وأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي بإمكانهم أن يُسهموا بها في مجتمعاهم».

يؤكد زِن في مقاله أن مهمة الفنان في المجتمع أن يتجاوز الأحداث إلى النظر في ما تسبب في هذه الأحداث، أن يخرج عن القالب الذي تضعه فيه الحكومات والأفراد، أن يُشكك في ما ينقله الإعلام من معلومات، أن لا يؤمن إيمانًا أعمى بما يقول مَن في الحكم، لأنه يعرف قابلية بعضهم للكذب من أجل أن يظل حاكمًا.

ثم يستعرض عددًا من الفنانين الذي لم يقتصر وجودهم على الفن الذي يقدمونه، فهم أفراد في المجتمع يتأثرون بما يحيط بهم ويتفوَّهون بالحقيقة في وجه الحكومات والسياسات الفاسدة. على سبيل المثال، الكاتب الأمريكي «مارك توين»، الذي هاجم الحكومة الأمريكية عند شنها حربًا على إسبانيا عام 1898، والموسيقي وكاتب الأغاني الشهير «بوب ديلان»، الذي استنكر أيضًا حرب فيتنام في واحدة من أشهر أغنياته «Masters of War»، ضمن ألبومه «The Freewheelin' Bob Dylan» عام 1963.