الشاشة

فيلم «The Greatest Showman»: الشغف والأحلام، لكن بنكهة سياسية

لقطة من فيلم «The Greatest Showman» - الصورة:  Chernin Entertainment

تبدو براعة أي ممثل في تقديم أدوار متنوعة، سواء كانت دراما أو إثارة أو كوميديا، وهذا ما فعله النجم الأسترالي الأصل «هيو جاكمان» في فيلمه الجديد «The Greatest Showman»، فقد خرج تمامًا من عباءة سلسلة أفلام «X Men» التي تتميز بالتشويق والإثارة، ليقدم فيلمًا غنائيًّا غنيًّا بالاستعراضات المبهرة.

مثل كل حكاية تبدأ بقصة حب

وقعت مغنية العرض الرئيسية في حب بارنوم، لكنه رفض أن تتجاوز العلاقة حدود العمل، فانتقمت منه بنشر صورهما معًا في الصحف، ورفضت الاستمرار في الغناء.

يدور الفيلم حول الشاب الفقير «بي تي بارنوم»، الذي يحلم بالزواج من «شاريتي» التي تنتمي إلى أسرة غنية في نيويورك. يتعرف إليها خلال عمله مع والده «خياطًا» لعائلتها. وبالفعل يتزوجها رغمًا عن عائلتها، ويدفعه إفلاس الشركة التي يعمل بها إلى البحث عن عمل جديد، فينشئ متحفًا يطلق عليه اسم «متحف بارنوم الأمريكي» لعرض المجسمات الشمعية الغريبة، ثم يبدأ البحث عن الأشخاص الذين لديهم مواهب غريبة ويقدمهم للجمهور تحت مسميات جذابة، مثل: سيدة لديها شارب، وأضخم رجل في نيويورك، وأقصر رجل يرتدي زيًّا عسكريًّا.

يقدم المسرح عروضًا مبهرة تجذب الجمهور بعد أن أعيدت تسميته بـ«سيرك بارنوم»، لكن ذلك لا يكفي الشاب، فيحاول الوصول إلى جمهور الطبقة العليا، ويعقد اتفاقًا مع «فيليب كاريل»، الكاتب المسرحي الموهوب، بأن يساعده في الوصول إلى مبتغاه، وينجح كاريل في ذلك لدرجة تنظيم حفل تحضره «فيكتوريا» ملكة بريطانيا.

وكما يحدث في القصص التقليدية، يعمي النجاح المبهر بارنوم، فيحاول التخلص من آثار حياته القديمة، ويتملص من الاجتماعات التي كان يعقدها مع أعضاء مسرحه، ويرفض أن ينضموا إليه في حفل لصفوة المجتمع في لندن، ويسخر من عائلة زوجته أمام الجميع، فقد أصبح من المشاهير ويجالس الأغنياء، وليس مجرد صبي فقير يصفعه والد شاريتي عندما كان ينظر إلى ابنته وهو صغير.

تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فمغنية العرض الرئيسية «جيني ليند» تقع في حب بارنوم، لكنه يرفض أن تتجاوز العلاقة حدود العمل، فتنتقم منه بنشر صورهما معًا في الصحف، وترفض الاستمرار في الغناء، ما يعرضه لخسائر مالية ضخمة.

أما مسرحه، فيتعرض للحرق من بعض سكان المدينة، الذين يرون أن الشخصيات التي تظهر عليه مجرد «مسوخ»، وينتهي الفيلم بعودة بارنوم للعمل مع فريقه، والبدء من جديد، لكن كشريك لكاريل.

القصة التقليدية: صعود فقير إلى قمة الهرم الاجتماعي

رغم ما يحاول الفيلم ترويجه بأنه يدعو إلى أهمية اتباع الشغف والأحلام، تبدو القصة تقليدية إلى حد ما، ويمكن للمتفرج توقع أحداثها.

قصة الفيلم حقيقية مستوحاة من حياة رجل الأعمال الأمريكي «فينس تايلور بارنوم»، الذي انتقل إلى نيويورك عام 1934، وعمل مع فرق مسرحية متنوعة تحت اسم «مسرح بارنوم الموسيقي والعلمي الكبير»، ثم اشترى متحف «سكودر» الأمريكي ليحوله إلى مسرح باسمه، وجعله ساحة لعرض المواهب الغريبة، مثل الحورية «فيغي»، والقبطان «توم ثامب».

بعدها استأجر المغنية الشهيرة «جيني ليند» في مسرحه، وكان يدفع لها ألف دولار في الليلة الواحدة، ولمدة 150 ليلة. ثم تَعَرَّض مسرحه للحريق عام 1865، فأعاد بناءه، وظلت عروضه تُقدَّم منذ 1871 حتى مايو 2017، أي لمدة 146 سنة.

وعلى الرغم مما يحاول الفيلم ترويجه بأنه يدعو إلى أهمية اتباع الشغف والأحلام، من خلال قصة رجل نجح في تحقيق حلمه عندما اتبع شغفه ولم يستسلم للأقدار، فإن القصة تبدو تقليدية إلى حد ما، ويمكن للمتفرج توقع أحداثها. إذ إنها تتبع البناء الأرسطي في الحكاية، من حيث المقدمة، ثم العقدة، فالحل.

القصة عن شاب فقير يحب فتاة غنية ويحاول الزواج منها، وعندما يصبح غنيًّا يبدأ في التنكر لماضيه والانتقام ممن سخروا منه، وكثير من شخصيات الفيلم افتقدت للعمق المطلوب أو التأصيل لها.

الاختلاف الحقيقي في الفيلم هو فكرة المسرح الذي بناه بارنوم، ويعتمد على شخصيات غريبة في الشكل أو في الأداء، مثل المرأة ذات اللحية، والتوأمان الملتصقان اللذان يؤديان الأكروبات، والرجل الذي يمتلئ وجهه بالشعر.

فيلم موسيقي جديد يقتحم سينما هوليوود

أغنية «This Is Me» من فيلم «The Greatest Showman»

قليلة هي الأفلام الموسيقية الغنائية التي تقدمها السينما الأمريكية، وتظل علامة فارقة وتترك أثرها في الجمهور، منذ «Singin' in The Rain» و«The Sound Of Music».

«La La Land» أحد تلك الأفلام، وحقق نجاحًا هائلًا وترشح لـ14 جائزة أوسكار، وقبله فيلم «Les Misérables» من بطولة هيو جاكمان أيضًا، وبجانبه «آن هاثاواي» و«راسل كرو» و«أماندا سيفريد»، وترشح أيضًا لثماني جوائز أوسكار، وهو مأخوذ عن رواية فيكتور هوجو «البؤساء».

كاتبا كلمات أغاني «La La Land» هما من كتبا أغاني فيلم «The Greatest Showman»، «بنج بيسك» و«جاستين بول»، وكتبا 11 أغنية أداها الممثلون بأنفسهم، وقد نجحوا في ذلك، خصوصًا أن الفيلم يضم مغنيين، هما «زاك أفرون»، ولعب دور «فيليب كاريل»، و«زانديا»، ولعبت دور «آنا وهيلر»، إضافة إلى أن هيو جاكمان له تجارب ناجحة في الغناء من قبل. 

تفوق ألبوم أغاني الفيلم على أي أغانٍ لفيلم موسيقي غنائي من قبل،  وهو ثاني ألبوم يظل متربعًا على عرش الأغاني لمدة 10 أسابيع متتالية خلال 30 عامًا بعد ألبوم أديل «21».

الأغنية الرئيسية «This Is Me» رُشِّحت لجائزة أوسكار أحسن أغنية أصلية، وفازت بجائزة «غولدن غلوب».

The Greatest Showman: روح فيلم «صوت الموسيقى»

تميزت الاستعراضات والرقصات بالإبهار، خصوصًا على المسرح، فأعطت شعورًا عامًّا بالحماس والبهجة للمتفرج، وجعلته أقرب للفيلم الموسيقي الشهير «صوت الموسيقى» بسبب الأغاني الجماعية.

ظهر دور التكنولوجيا في رقصة هيو جاكمان مع «ميشيل وليامز»، وبعض الرقصات الأخرى، لكن يؤخذ على الفيلم الاعتماد في التصوير على اللقطات القريبة، خصوصًا في مشهد رقص فريق المسرح مع جاكمان في الحانة، فظهرت الأغنية كما لو كانت مبتورة في بعض أجزائها. يمكن أن المخرج قد لجأ إلى ذلك بسبب عدم التدريب الكافي لبعض الممثلين، أو عدم لياقتهم البدنية في الرقص.

رسائل سياسية ضمنية في الفيلم

لقطة من فيلم «The Greatest Showman» - الصورة: Chernin Entertainment

لا يمكن تجاهل رسالة الفيلم، فحتى وإن بدا مجرد فيلم غنائي استعراضي، إلا أنه حمل فكرة ضرورة تقبُّل الآخر الذي يعاني المجتمع الأمريكي من غيابها الآن مع دونالد ترامب. فالشخصيات التي جمعها بارنوم للعمل في مسرحه كانت مثار خوف سكان مدينة نيويورك وقلقهم بسبب اختلافهم، وظل أهل المدينة يحتجون خارج المسرح من أجل إغلاقه، وانتهى بهم الأمر إلى إحراق المسرح نهائيًّا بعد أن اعتبروهم «مسوخًا» لا يمكن أن يعيشوا بينهم، بينما لم يكن ذلك موجودًا في القصة الحقيقية.

يحاول الفيلم تأصيل فكرة المجتمع الأمريكي الذي يسمح لأي شخص بأن يحقق أحلامه بغض النظر عن لونه أو جنسه أو ديانته، فقط عليه اتباع حلمه والعمل الجاد وتقبل الآخرين، وتأكيد أن تلك الفكرة ليست مستحدَثة، بل بدأت ببداية المجتمع الأمريكي نفسه.

الفيلم يعود إلى فترة القرن الثامن عشر، وقت بداية تشكل الولايات المتحدة الأمريكية سياسيًّا، وأي شيء غير ذلك لا يمُت للمجتمع الأمريكي بصلة، في إسقاط خفيف على السياسة الحالية لترامب المعادية لكل شيء، ويظهر ذلك في مشهد النهاية بعد إعادة بناء المسرح وتصفيق الجمهور الكثيف وهم يشاهدون العروض والفقرات الغريبة مجددًا.


هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.