حرف جر

عويشة والحراز: الثالوث المحرم في الثقافة المغربية

لوحة «Hadîth Bayâd wa Riyâd» - الصورة: The Yorck Project

تبدأ القصيدة، أي قصيدة الحراز لصاحبها المكي بن القرشي الأزموري، بلازمة «واش العامل، واش المعمول، واش من حيلة تنفعني معه (الحراز)؟».

هذا السؤال يطرح نفسه عليّ في نفس صيغته الشعرية الزجلية وأنا أحاول كتابة هذه السطور، التي تتخذ القصيدة موضوعًا للإيضاح والتدبر والتحليل: «كيف عساني أتعامل مع قصيدة كهذه؟»، قصيدة نُظمت في أواخر القرن التاسع عشر، غارقة في القدم، يكتنفها ضعف الدراسة لمضمونها، كما يكتنفها إعجاب كبير وتَغَنٍّ عند شعوب شمال إفريقيا.

يحيلنا هذا إلى كُنْه سحري تضمه، ودلالة عميقة تُجمِلها صنعة الناظم بحبكة أحداثها وصورها البالغة مبلغ الجمالية الأقصى، وأحداث تأخذ من التربة المنبت مادة لتسلسلها، وتوجِد بذلك نوعًا من الفرجة المسرحية في صيغتها الشعبية الأصيلة.

عَرفت قصيدة الحراز، أو كما تسمى نسبةً إلى شخوصها «قصيدة العشيق وعويشة والحراز»، نظمها الأول في إطار فن «الملحون» المغربي، هذا الفن الأصيل الذي يشير الباحث المغربي أحمد سهوم، في كتابه «الملحون المغربي»، إلى أن نشأته عاصرت الحقبة المرابطية، أي ما بين القرنين الحادي والثاني عشر.

كانت هذه النشأة شعبية محلية، قصائد عامية يتغنى بها العامة من أهل المغرب، يستأنس بها الحِرفيون وقت راحتهم، وتَمنح فُرجة وتسلية في حواضر المغرب الغربية. قصائد تمتاز بلحن وميزان خاص بها، لذلك سُميت «ملحونًا»، ما يفيد لحن إلقائها، ولحن خطابها، ويضعنا أمام نصوص لها من المعنى الرمزي المكنون بين سطورها أكثر مما تُبرز في ظاهر الأبيات.

يخبرنا سهوم بأن الملحون زجل مغربي خالٍ من التأثيرات الأندلسية: «لسنا نقول بأنه امتداد لتيار الزجل الأندلسي، فالفجوة الزمنية بعيدة بين الفترة التي وصلتنا عنها نصوص مغربية متأثرة بالزجل الأندلسي وإبان الفترة التي ظهر فيها الزجل المغربي محرزًا كيانه وخصائصه، والاختلاف الشكلي ظاهر بين اللونين، خاصة حين نقارن الزجل الأندلسي والزجل المغربي في مراحله الأولى لتطوره الأخير».

يؤكد ذلك قبله ابن خلدون في مقدمته، حين يقول إن «أهل الأمصار بالمغرب استحدثت فنًّا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح، وسموه عروض البلد». هذا الزجل يحدد لنا العلامة المغربي السي محمد غالي الفاسي شكله في كتابه «معلمة الملحون»، فكل قصيدة كانت تتكون من عدة أقسام، وتفصل بين كل قسم وآخر لازمة تسمى «الحربة»، وتسمى كل قصيدة بحربتها أو بشخوصها وموضوعها، فنجد من ذلك ثروة شفهية كبيرة أورثنا إياها الأجداد، ولا تزال بنفس جماليتها تحيا بيننا.

 تأتي قصيدة الحراز في مقام الشهرة بين قصائد الملحون، بل تمتاز على بقية المنظومات الأخرى بأنها لم تكن حبيسة المغرب، بل، ومنذ نظمها شاعرها الذي لا نعرف عنه شيئًا غير أنه ولد في مدينة أزمور المغربية نهاية القرن التاسع عشر، انتقلت أكثر من مرة إلى الأقطار المجاورة، وتغنت بها أكثر من حنجرة جزائرية، أشهرها الشيخ المرحوم الحاج الهاشمي قروابي.

من مميزات القصيدة كذلك أنها لم تظل حبيسة صيغتها الغنائية، بل انتقلت إلى ركح المسرح في أكثر من مرة، من أشهرها مسرحيات «الطيب الصديقي» في ستينيات القرن الماضي، لتطبع بذلك البدايات الأولى للمسرح المغاربي.

«آش جرى بين العشيق وعويشة والحراز»

الحاج حسين التولالي يغني قصيدة عويشة والحراز

تتكلم قصيدة عويشة والحراز بلسان العشيق الذي عزم على تحرير معشوقته والوصول إليها، متسلحًا بفطنته وحيلته.

الزمان غير محدد بالدقة، المكان مدينة آزمور الواقعة على ساحل المحيط الأطلنطي وضفاف نهر أم الربيع. المتحدث عاشق متيّم بحب عذراء من جيرته، يبكي وينوح فراقها داخل أسوار دار الحراز العالية، وبين حراسه الحريصين على بقائها داخل حجابها ذاك مخفيةً عن الأنظار الشبقية لرجال المدينة.

تحكي القصيدة قصة «الحراز»، الذي حرز، أي حفظ وصان، عويشة، البكر الحسناء الجميلة، عن الأغيار، بعد أن أُغرم بها، هو الذي قدم من الحجاز إلى المغرب بمعارفه السحرية الواسعة، وولعه الكبير بالنساء وليالي الأنس. عويشة التي تصفها القصيدة بجمالية كانت معيارًا وقتها، تصف عيونها السود، شعرها الفاحم، ثغرها الحسن، كياستها الفائقة في إطراب مؤنسها. تعشق عويشة عشيقها، غير أن إرادة الحراز وقفت دون نول العاشقان ما يبتغيان.

تتكلم القصيدة بلسان العشيق الذي عزم على تحرير معشوقته والوصول إليها، متسلحًا بفطنته وحيلته، التي تذكر القصيدة أنها أبرز خصال المغاربة.

يقصد العشيق الحراز أول الأمر متنكرًا في صفة قاضٍ، وفي رواية أخرى خادمًا للسلطان، طالبًا الضيافة بما يستوجب مقامُه الزائف ذاك، قائلًا في أبيات الحكاية: «أنا قاضي البلاد، جئت أستبرك منك يا حكيم، تجي عندي لدار الضيافة...»، غير أن الحراز يصده متعللًا بحرصه الشديد على عدم مخالطة الغرباء، وهكذا تخيب حيلة صاحبنا.

هذه الخيبة لم تثنهِ عن تكرار محاولة خداع الشيخ الفطين، هذه المرة بجُبّة المتصوف الزاهد «المجذوب»، أتاه يغريه بالبَركة التي يحملها بين جوانحه، البركة التي ستحل على الحراز إذا ما أدخله داره. يجيبه الحراز منكرًا عليه أي بركة، قاطعًا أن تكون البركة منسوبة إلى آدمي ليس من أولياء الله أو المرسلين، زاجرًا إياه بالعِصي التي يفر العشيق من بعض ضرباتها ويصيبه بعضها الآخر.

سيرنو صاحب القصة إلى خليلاته منتحبًا يشكو إليهن مصابه، لتشير عليه النسوة مشورة إغرائه بمفاتنهن، يجتمعن عليه، يلبسنه الحُلي والحرير، يزيِّنّه كعذراء شابة فاتنة:

«قامت ليا البتول لبّستني كسوة من الذهب والحرير

وأنا باقي شباب وصغير

لا لحية لا شارب كأني عذرة بلغت وقت الصيام

وأفناها الهوى والغرام»

ثم يقصدن معه حِمى الشيخ بدعوى تسليته، غير أن الشيخ الحريص يجزع من عددهن، فيصدهن عن مطلبهن بالرفض.
تتعدد حيل العشيق وتختلف بين الشعراء والمُدّاحة (فناني الملحون)، بَيد أن للنص الأصلي نهاية سعيدة يأتي فيها العشيق بصفة شاعر شامي، تسمعه عويشة فتشير على حرازها باستقباله، موقنةً أنه عشيقها المرغوب، لتتمكن هذه المرة من ملاقاته، وتدفع عنهم شر الحراز إلى الأبد بتعويذة سحرية، تمكنها من التحكم فيه كأنه خادم لها.

كأن الشاعر يَوَد إخبارنا في النهاية أن النسوة يقدرن على ما لا يقدر عليه الرجال بحيلهن ومكرهن.

اقرأ أيضًا: ليست أغانٍ، ليست أناشيد.. تسمع شيلات؟

انتشرت القصيدة في أنحاء المغرب، خصوصًا المناطق التي عُرفت بشيوع فن الملحون، وذاعت بين الحكواتيين ورجالات فن «الحلقة» الشعبي المغربي في الأسواق والساحات العامة.

ولم تقتصر عند هذا الحد من الشهرة، وهذا القُطر بالذات، وهذا القالب المغربي الأصيل، فتعدته لتركب على ألحان الموندول الجزائري، وتصير الحكاية سيدة حفلات أمسيات الفن الشعبي الجزائري العاصمي بامتياز، ومطلب الجماهير، خصوصًا بصوت الحاج الهاشمي قروابي أحد أعلام الموسيقى الجزائرية الشعبية، ورددها كذلك عديد من الفنانين بعده، من عمار الزاهي حتى رشيد طه.

هذا الامتداد الذي شهدته القصيدة يعود إلى سببين:

  1. جودة نظمها، وشاعريتها الساحرة التي تداعب مُهجة كل من كانت له ميول إلى الجمال
  2. المشهدية التي تخلقها، مازجةً أحداثًا من الخيال بحبكة مثيرة، وواقعية كبيرة تَبرز كثيرًا من معاش سكان هذه الأرض التي لا تحدها كيانات الجغرافيا السياسية

هكذا كان للعشيق وعويشة والحراز ترحالهم بين ربوع هذا الوطن المغاربي، الذي رغم اختلافاته الظاهرية، يُعَد امتدادًا ثقافيًّا وحضاريًّا واحدًا.

رمزية الثالوث المحرم في قصيدة عويشة والحراز

تجسيد مسرحي لقصيدة عويشة والحراز

«نشأ فن الملحون بين عامة الشعب البسيط، بين الحرفيين والصُّناع التقليديين في حواضر المغرب العريقة»، هكذا يقول الباحث في سوسيولوجيا التراث الشعبي جمال الدين الشنط لـ«منشور».

يؤكد الشنط أن فن الملحون مغربي «عكس الفنون التي وردت إلينا من الأندلس، والتي خرجت من بلاط أمراء»، وكانت بداياته شفهية، ولم يكن التغني به مصحوبًا بعزف، بل حينما دخلت عليه الآلات الموسيقية كانت بسيطة تقليدية، كالوتار والتعريجة.

معلومة كهذه تحيلنا إلى أن الملحون نَبَتَ من منبتٍ شعبي، بما تمتاز به الفنون الشعبية من التصاق بواقعها وتعبيرها عنه، وهكذا تأخذ قصيدة عويشة والحراز مكانة الأثر، الذي يحيلنا إلى أكثر من رمزية ميّزت تلك الفترة من تاريخ المغرب.

انتحل العشيق صفة قاضٍ، مما يوضح مدى الرهبة العامة للسلطة وقتها، أو ما كان يُعرف بـ«هيبة المخزن».

رجوعًا إلى الحقبة التي عاش فيها صاحب النّظم الأول، المكي بن القرشي الأزموري، فالمغرب كان يرزح تحت غلبة الطابع البدوي على مجموع سكانه، وهذا ما عبّرت عنه القصيدة بجلاء في وصف الأماكن والأزمنة، والوصف المضمر للبيئة التي جرت فيها أحداث الحكاية، فنجد وصفًا لقصر وسط الأحراج (الأشجار الكثيفة)، ونجد «الكدية» أي الربوة أو المرتفع، ونجد الاعتراف على لسان الحراز بأنهم أهل بداوة يتصفون بشيمها.

مُعطَى البداوة هنا يحدد لنا كثيرًا من التصورات، ويكشف لنا كيفية فهم الرمزيات التي تُفصح عنها المنظومة الشعرية.

قد يهمك أيضًا: حافظ الشيرازي: الشاعر الصوفي الذي تأخذك قصائده لحياة أفضل

ما يثير الانتباه في الحكاية ويعطيها تميزها هو الحِيَل التي حَبَك بها الشاعر قصته، وأعطاها ذلك التشويق الواجب توفره في هذا الشكل من القصائد، بل وأكثر من ذلك، إذ تحمل كل حيلة على حدة رمزية كبيرة، ويمكن اعتبارها قطعة من فُسَيفِساء الوعي العام، تدل على صورته الكاملة في تعاملها مع إشكاليات ثالوث «فيورباخ» المحرم، الدين والجنس والصراع الطبقي.

الصفة الأولى التي انتحلها العشيق لإسقاط الحراز في أحابيل حيلته، أي القاضي أو رجل السلطة، قد يقول قائل إنها إغراء لصاحبنا الشيخ الحكيم، غير أن العارف بالحال الداخلي يعلم مدى الرهبة العامة للسلطة وقتها، أو ما كان يُعرف بـ«هيبة المخزن».

مُعطًى كهذا كفيل بمعرفة أي علاقة سلطوية عامة كانت تحكم المجتمع، وأي شكل كانت تتلون فيه السلطة، وأي حد لها، وللتاريخ ما يذكره عن تسلط خُدّام الدولة في ذلك العصر، عصر التطاحنات السياسية، والمستعمِر الذي كان يدق الأبواب، مستعمر كان يفهم حقًّا هذه القضية لدرجة اعتماده على نفس الشكل من الإدارة لترتيب أوضاعه في المغرب.

ينتقل بنا المكي بن قرشي إلى مشهد آخر من التحايل، صِفة أخرى منتحَلة هي صفة المجذوب الذي ينسب حاله إلى سيدي رحال، الولي الصالح ذائع الصيت في المغرب، وهي صفة يتداخل فيها ما هو ديني مقدس (الكرامات والبركات)، بالجانب السحري الكامن في قدرة الإنسان على فِعل ما يتخطى حدود العقلاني والمعقول.

سمةٌ كهذه كانت دائمًا لصيقة بالتدين الشعبي المغربي، ويحيلنا إليها الباحث الأنثروبولوجي الفنلندي «إدفارد ويسترمارك» في بحثه «Ritual and Belief in Morocco»، حين يفصل بين التدين الإسلامي «الأرثوذوكسي» والتدين الشعبي المغربي، والأخير تحضر فيه طقوس عدة، وعقائد وتصورات وثنية وسحرية قديمة.

بنفس الطريقة، تعطينا القصيدة لمحة مرموزة عن السلوكات الجنسية الممارَسة حينها، عندما تُبرز لنا أولًا مغريات جسد المرأة من عين وثغر ونهد وعُذرية وما إلى ذلك. تعطينا القصيدة كذلك لمحة عن وظيفة المرأة في علاقتها بالجنس الآخر، فتفصل بين شكلين: الزوجة المُحْصَنة والمحجبة داخل دارها، و«الخوضة» (الغانية) المتاحة لتسلية الجميع والسهر مع أي طالب لمتعة عابرة.

بهذا الشكل، تُبدي لنا القصيدة وجهًا كاملًا لعلاقات القوة والسلطة داخل المجتمع المغربي في حقبة ما قبل الاستعمار، في ارتباطها بمثلث الدين والجنس والسياسة.