الشاشة

محاولات التعايش السلمي: لماذا لم يقتل «أبو حفيظة» أكرم حسني؟

لقطة من إعلان «أورنج» لأكرم حسني - الصورة: Orange Egypt

بعد رمضان 2017، أصبح لأكرم حسني وجودًا كوميديًّا خاصًّا به، بعيدًا عن شخصيته «سيد أبو حفيظة» التي كان يقدمها لسنوات، وكأن كل واحد منهما يعيش حياة مستقلة، ويحقق نجاحًا بصرف النظر عن الآخر.

حسني شاب مصري ظهر بوجهين كوميديين، دراميين، أحدهما يعكس صورته الحقيقية، والآخر يعكس صورة خيالية نسج خيوطها من خياله الكوميدي الخصب. امتازت أغلب أعمال أكرم بالكوميديا الساخرة، سواء في السياق الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، ليعبِّر عن بعض الظروف المحيطة بمجتمعه في الفترة الأخيرة.

انطلقت موهبة أكرم حسني في الإذاعة عبر محطة «نجوم إف إم»، بعدها بدأ يقدم البرامج التلفزيونية مغَلَّفًا بشخصية أبو حفيظة، ثم شارك في عدة إعلانات تلفزيونية، تارةً كأبو حفيظة وتارةً أخرى بشخصيته الحقيقية، وهو ما وضع «أكرم حسني» و«أبو حفيظة» في مقارنة، من ينجح أكثر؟ من يخبو بريقه وينساه الجمهور، ومن يستمر؟

يرصد «منشور» رحلة أكرم وحفيظة والتنافس بينهما من خلال مسيرتهما مع الإعلانات التلفزيونية.

TC Boy: انطلاقة أبو حفيظة

إعلان أبو حفيظة لتونة «TC Boy»

استغل حسني عمله في بداية حياته كضابط شرطة للتقرب إلى الناس والاحتكاك بطبقات المجتمع المختلفة، فاختزن في عقله كثيرًا من صفاتهم وطباعهم وسلوكهم وعادتهم، ثم ابتكر شخصيته أبو حفيظة، ذات النضارة الدائرية السوداء وملابس الموظف البسيط، صاحبة الكاريزما المصرية الأصيلة.

كان لتلك الشخصية أثر كبير في نجومية حسني، دفعه إلى الحفاظ عليها وعدم حصرها في البرامج التلفزيونية، بل قدَّم بها إعلانًا لمنتج تونة اسمه «TC Boy» عام 2010، استغلالًا لنجاحها في برنامج «نشرة أخبار الخامسة والعشرون» على قناة موجة كوميدي.

قد يهمك أيضًا: سينما الكوميديا الشبابية: عشرة أعوام من المجد

أبو حفيظة يطير إلى كراتشي

سافر أبو حفيظة إلى باكستان لتصوير إعلان لإحدى شركات المنظفات العالمية، ضمن حملة عالمية بلغات مختلفة.

شارك أكرم حسني في بعض الأعمال التلفزيونية الدرامية بجانب برامجه الساخرة، بنفس شخصية أبو حفيظة، ثم بدأت شخصيته الحقيقية «تظهر» في البرامج الذي يقدمها دون ماكياج أو زي مختلف، حتى يدع الجمهور يتعرف إليه ويألف وجهه الحقيقي.

لكن نجاح شخصيته المبتكرة ظل طاغيًا على ظهوره بمظهره الطبيعي، وصارت شركات الإعلانات تطلب شخصية أبو حفيظة لنجاحها وتميزها لدى المصريين، فهي مشهورة وقريبة من قلوبهم ومعاناتهم وطباعهم.

قد يعجبك أيضًا: هل يحدد ماكياج المرأة مدى قبولها اجتماعيًّا؟

ثاني مشاركة إعلانية لأبو حفيظة كانت في كراتشي بباكستان، حين شارك أكرم حسني في إعلان لإحدى شركات المنظفات، ضمن حملة عالمية تضم أكثر من نسخة بلغات مختلفة، وأذيعت النسخة العربية في منطقة الشرق المتوسط، وكان ذلك بعد انطلاق برنامجه «حدوتة بعد النوم» في رمضان 2011.

موبينيل: نزعُ القناع عن أكرم حسني

أكرم حسني في إعلان لشركة «موبينيل»

بعد أن مهَّد أبو حفيظة الطريق لحسني خلال سبعة أعوام، بدأت ملامح أكرم الحقيقية تتجلى أمام المُشاهد، وبدأ الجمهور يعتاد الشخص الكوميدي التلقائي الذي يؤدي دوره من وحي براعته في الأداء الكوميدي والساخر، وهو ما دفعه في عام 2015 إلى المشاركة في إعلان شركة الاتصالات «موبينيل» بشخصيته الحقيقية.

يجسد حسني خلال الإعلان شخصية مدرب كرة سلة فاشل، لا ينتبه إليه اللاعبون، لكنه يظل يلقي بتوجيهاته الكوميدية التي تُضحك الجمهور. ورغم أن حسني خلع قناع أبو حفيظة وماكياجه وزيه، ظلت نبرة صوته الإذاعي ذات الكاريزما الساخرة الخاصة تُضحك الجمهور، بالإضافة إلى ملامحه الجامدة خلال الحديث في الإعلان، التي تشع عفوية وأداء طبيعيًّا يجذبانك ويجعلانك متشوقًا لكوميديته الخاصة التلقائية.

بيبسي: نجومية أبو حفيظة

أبو حفيظة في إعلان لشركة «بيبسي»

عادت شخصية أبو حفيظة لتطغى على أكرم حسني، حين اختيرت للمشاركة في حملة إعلانات شركة «بيبسي مصر».

صوَّر الإعلان حفلًا خاصًّا يضم نخبة من النجوم يشاهدون مباريات دوري أبطال أوروبا لكرة القدم عام 2016، منهم رجاء الجداوي ويسرا اللوزي وأحمد الفيشاوي وسيد رجب ومحمد ممدوح ومحمد فراج، إلى جانب ظهور أكرم حسني بشخصية أبو حفيظة، وكأن الإعلان يبرز مكانة الشخصية الخيالية التي سبقت شهرة حسني فاستحقت مكانًا وسط النجوم.

أورنج: «زحمة يا شهر زحمة» تليق بأكرم

أكرم حسني في إعلان لشركة «أورنج»

أحكم إعلان «أورنج» الفكرة ووصَّل رسالته جيدًا، فاستخدم أكرم حسني بزيه الطبيعي الذي يميز الطبقة المتوسطة والأعلى من المتوسطة التي يستهدفها الإعلان.

الإعلانات تحكمها دومًا ثلاثة عناصر:

  1. الهدف
  2. الجمهور المستهدف
  3. الفكرة وطريقة توصيلها

لهذا، اختارت شركة «أورنج» شخصية أكرم حسني الحقيقية مجددًا ليكون واجهة حملاتها الإعلانية عام 2016، بمشاركة الفنان أحمد فهمي.

حصد الإعلان نجاحًا كبيرًا ورواجًا ملحوظًا على مواقع التواصل الاجتماعي خلال عرضه في رمضان 2016، وهو الخطوة التي خلقت الثنائي الكوميدي حسني وفهمي.

استهدف الإعلان الطبقة المتوسطة والأعلى من المتوسطة بدرجة صغيرة، فجاء في إطار يحكم الفكرة ويوصل الرسالة جيدًا، إذ ظهر حسني بزيه الطبيعي الذي يشير إلى هذه الطبقة، يدخل متجرًا، يعاني ازدحام الطريق، ويجلس على مقهى في ليالي رمضان، يغني أغنية مصرية شعبية بكلمات مختلفة عن الأغنية الأصلية، ذات طابع كوميدي خفيف، بعنوان «زحمة يا شهر زحمة»، مستوحاه من كلمات وألحان أغنية أحمد عدوية القديمة «زحمة يا دنيا زحمة».

اقرأ أيضًا: شارلي شابلن: الصعلوك الذي وضع قواعد السينما ثم كسرها

سامسونج: أكرم حسني لا ينجح دومًا وحده

أكرم حسني في إعلان لشركة «سامسونج»

عاد حسني في 2017 بإعلان جديد لشركة الهواتف المحمولة «سامسونج»، بالتعاون مع الممثلة مي عمر، ظهر فيه بشخصيته الحقيقية ووظيفته الحقيقية واسمه الحقيقي كذلك، في ما يمكن اعتباره نوعًا من المعايشة ليوم في حياة الفنان أكرم حسني، وهو ما يتماشى مع طبيعة رسالة الإعلان وفئة الجمهور الذي يخاطبه.

ظهر حسني في أماكن ترفيهية وسياحية، مثل دار سينما وكافيتريا ذات طراز راقٍ، بالإضافة إلى موقع تصوير حقيقي مع مي عمر.

لم يحقق الإعلان نجاحًا لدى الجمهور، خصوصًا أن رسالته تروج لمنتج ترفيهي غير جماهيري يستهدف فئة معينة من المجتمع، إلى جانب العناصر الفنية التي لم تُبرز ظهور حسني في الإعلان سوى بأداء كوميدي صغير، لم ينجح في ترك أثر أو عبارات مميزة يتداولها الجمهور لاحقًا.

العب يلا: أبو حفيظة يثبت شعبيته

شخصية أبو حفيظة في إعلان «أورنج»

أثبت أكرم حسني أن شخصية أبو حفيظة هي الأقرب إلى ذهن الجمهور والأكثر استقرارًا في ذاكراتهم، وكأن كلًّا منهما يعيش حياة مستقلة.

رغم الانتقادات التي تعرض لها حسني، والتي دعته إلى التنازل عن ثوب أبو حفيظة وفتح الطريق لشخصيته الحقيقية، وإعطائها مساحة أوسع لعرض مواهبها المختلفة، لم ينسَ أكرم شخصيته المفضلة قط. ورغم نجاحه الأخير في التلفزيون والسينما بشخصيته الحقيقية بعيدًا عن أبو حفيظة، نجح  عندما عاد مجددًا بتلك الشخصية إلى الشاشة عبر إعلان «عروض للركب»، مع شركة الاتصالات «أورنج».

قد يهمك أيضًا: إعلان أورنج: هل هكذا تورَد «الدارك هيومر»؟

يغني أبو حفيظة مهرجان «العب يلا» لأوكا وأورتيجا، مستخدمًا ألحان الأغنية الأصلية مع كلمات مختلفة، لكنه ظهر بين تجار الخضراوات والفاكهة والطباخين، ووسط أجواء تشير إلى الطبقة التي يستهدفها الإعلان، والتي تؤكد أن شخصية أبو حفيظة، التي حفظها المصريون وأصبحت قريبة منهم وتشاركهم كل همومهم، هي الوحيدة القادرة على توصيل الحلول إليهم وسط الظروف الاقتصادية المضطربة حاليًّا، بالإضافة إلى زيادة أسعار كروت الشحن.

يتضح أثر ذلك جليًّا في كلمات الأغنية، مثل «الدنيا ناشفة، مفيش عروض، لو عرض شمال، وده لو موجود»، التي يغنيها أبو حفيظة وهو يضع يديه على خدَّيه كأنه يندب حظه، ثم يتغير حاله في النهاية ويرقص فرحًا وسط الجموع بعد الوصول إلى الحل.

هكذا، يتخذ أكرم حسني سبيلًا وحده، ويحقق فيه نجاحًا وشعبيةً كل يوم، فيما يسلك سيد أبو حفيظة طريقًا آخر ناجحًا بدوره، ولا يبدو أن أحدهما في سبيله لإزاحة الآخَر إلى الأبد قريبًا.


هذا الموضوع نتاج فكرة اقترحها أحد قرَّاء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويرها، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.

, , , , , ,