الشاشة

هل تُغير «نتفليكس» الدراما العربية؟

الصورة: Getty/Thomas Trutschel

في شهر رمضان، تجتمع الأسر العربية أمام شاشات التلفزيون لمشاهدة كمية هائلة من البرامج والمسلسلات لا مثيل لها على مدار العام. ينفق المنتجون ببذخ على صناعة مسلسلات درامية وكوميدية، ويختارون لبطولتها أَحبَّ الممثلين إلى قلوب المشاهدين. يحب المشاهدون العرب التلفزيون، مثل الأمريكان، ويقضي أكثر من 400 مليون مشاهد عربي، من مختلف الأعمار، نحو 19 ساعة أسبوعيًّا، في مشاهدة المسلسلات العربية. لكن بينما يستهدف المنتجون الأمريكيون المشاهدين الذكور، بين الثامنة عشرة والخامسة والثلاثين، يهتم المنتجون العرب بالنساء في منتصف العمر.

يقدم صناع المسلسلات العربية أعمالًا ذات حبكة درامية، وإن كانت تخلو من تطور واضح للشخصيات، فهي نوعية خفيفة من المسلسلات التي قليلًا ما تلهم المُشاهد، وبخاصة الشباب الذين يمثلون القطاع الأكبر من سكان الشرق الأوسط.

فهل تَعِد منصات إنتاج المسلسلات والأفلام، مثل «نتفليكس»، بتقديم محتوى أكثر تنوعًا يخاطب أحلام الشباب، ويتحدث عن التحديات التي يواجهونها؟ هذا ما يستعرضه مقال نُشِرَ على موقع «Hollywoodreporter».

صناع دراما محبَطون: هل تنقذهم «نتفليكس»؟

الكتَّاب العرب الذين يؤلفون هذه الأعمال الدرامية متحمسون لصناعة شكل آخر من التسلية يمكنه أن يثير الجدل العام، ويعطي حافزًا للتغيير الاجتماعي. تقول كاتبة المقال «رايتشيل غاندين»، وهي مديرة البرامج الدولية بكلية «USC» للفنون السينمائية، إنها أجرت، هي وزملاؤها، أكثر من 50 لقاءً تليفونيًّا وشخصيًّا مع كتَّاب، ومنتجين، ومديري شبكات عرب، حول أوضاع التلفزيون العربي، فوجدت أنهم محبَطون من الوضع القائم، ومتعطشون لإخراج محتوى محلي يعكس حياة الناس بشكل أفضل وأكثر إثارة.

وقال كثيرون إنهم، وإن كانوا يكتبون لأعمال تُنتَج باللغة العربية، فهم لا يشاهدون، بصفة شخصية، سوى مسلسلات أمريكية، مثل «Insecure» و«Stranger Things»، من خلال البث عبر الإنترنت، ورأوا أن المنطقة في حاجة إلى أشخاص أكثر استعدادًا للمغامرة، وعلى استعداد للمخاطرة بمحتوى يخاطب المشاهدين الشباب.لكن يبدو أن تجاهل تفضيلات المشاهدين الشباب يوشك أن يتغير.

تجري السعودية تغييرًا واسع النطاق في منهجها المتعلق بالإنتاج، ما سينعكس في صورة تنوع كبير في المحتوى.

في 2018، أعلنت «نتفليكس» أول إنتاج لها باللغة العربية، بينما توجد منصات أخرى، مثل «Starz» و«iflix»، موجودة بالفعل في السوق، وتبث محتوى أجنبيًّا في الشرق الأوسط. وبذلك تكون «نتفليكس» أول من يقدم محتوى من صناعة كتَّاب عرب. سيبدأ الإنتاج في 2018 بعمل يحمل اسم «جن»، وهو دراما تستهدف المشاهدين في سن المراهقة،  وتخوض في عالم ما وراء الطبيعة وأبطالها أمام الكاميرا ووراءها من الشباب.

تقول الكاتبة إن هذا الإنتاج سيمثل فرصة ليرى الشباب في المنطقة عملًا يمثلهم على الشاشة، وسيكون للكتَّاب والقائمين على العمل حرية صياغة محتوى يتأسس على تجاربهم الحقيقية.

لا تريد «نتفليكس» أن تظهر باعتبارها منقذًا للمنطقة، وفق «رايتشيل» التي تضيف أن المملكة العربية السعودية التي تتحكم ماديًّا في عدد من شركات الميديا في الشرق الأوسط، تجري حاليًّا تغييرًا واسع النطاق في منهجها المتعلق بالإنتاج، ما سينعكس في صورة تنوع كبير في المحتوى والمُشاهد المستهدَف.

ففي مارس، سافر الأمير محمد بن سلمان آل سعود إلى لوس أنجلوس، وأنفق المليارات لجلب خبرة هوليوود بهدف دعم التطور الإبداعي والاقتصادي لصناعة السينما والتلفزيون السعودية. وضمن أبرز الصفقات السعودية، كان شراء حصة بقيمة 400 مليون دولار في شركة «Endeavor»، أكبر وكالة لرعاية المواهب. ما يعنيه هذا الاستثمار أن كتَّاب التلفزيون العربي سيتمكنون أخيرًا من الوصول إلى منافذ تعرف كيف تستفيد من القصص المعقدة التي يؤلفونها، بما في ذلك تلك القصص التي تتناول المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها المنطقة، مثل قضايا تهميش الشباب، وتمكين المرأة، وحقوق الأقليات، والعنف، من خلال أعمال صادقة ومتنوعة.

قد يهمك أيضًا: عالم «نتفليكس»: نهاية المسلسلات التلفزيونية كما نعرفها

الاستثمار الأجنبي يَعِد بتغيير شكل الدراما

سيكون نجاح مسلسل «جن» مؤشر على التغيير في ما يخص المحتوى الذي يحصل على الموافقة للعرض، وفي طريقة صُنع المحتوى التلفزيوني.

في الوقت الحالي، معظم الأعمال الدرامية العربية تنقسم إلى 30 حلقة للعرض في رمضان، وتحكمها تصنيفات معينة مألوفة، مثل الكوميديا الهزلية والأعمال التاريخية. أما «دينا حرب»، وهي منتجة مصرية تدير وِرَش كتابة في القاهرة، فتقول إن الأثر طويل المدى للاستثمار الأجنبي سيتمثل في تغيير سوق التلفزيون في المنطقة.

«الكتَّاب مشتاقون لعدد أكبر من الإنتاجات، وفرصة لتطوير قصص جديدة تعكس أنماطًا وأنساقًا مختلفة قد لا تتناسب مع شروط العرض الحالية».

تقول «رايتشيل» إنه لكي يتغير الوضع في الشرق الأوسط، ينبغي على المستثمرين الأمريكيين الذين يصبون أموالهم في المنطقة أن يجلبوا معهم أيضًا ممارسات السوق الشائعة في الولايات المتحدة. فالكتّاب العرب الذين يكتبون لدراما التلفزيون، يعملون لساعات طويلة، ويتقاضون أجورًا زهيدة، ولا سلطة لهم على العملية الإنتاجية، وهي أوضاع في حاجة إلى التغيير. فمثلا، يطلب من الكتاب العرب بشكل متكرر أن يؤلفوا مسلسلا من 30 حلقة في شهرين، في الوقت الذي يحصل أمثالهم من الكتاب الأمريكان على مهلة أطول من عام للانتهاء من الكتابة. لكن يبدو أن «نتفليكس» ستلتزم بالنموذج الأمريكي، فتعطي مساحة من الوقت للتعاون والمراجعة والابتكار.

لو نجح «جن»، فسيكون مؤشرًا على التغيير، في ما يخص المحتوى الذي يحصل على الموافقة للعرض، وفي الطريقة التي يُصنَع بها المحتوى التلفزيوني. تقر الكاتبة بأن «جن» ليس سوى عمل تلفزيوني صغير، لكنها تؤكد أن التلفزيون كثيرًا ما أثبت قدرته على إحداث تغيير اجتماعي، وبخاصة بين الشباب. كل ما يتطلبه الأمر إنتاج مجموعة من الأعمال التي يستطيع المُشاهد التوحد معها من خلال شخصيات من مختلف الأعمار يصارعون، سواء في إطار درامي مؤثر، أو من خلال مواقف كوميدية، في مواجهة تحديات حياتية حقيقية في عمل يتسم بالمصداقية.