سلطنة

«آح آح نوتيلا»: الأغنية المغربية بين مطرقة الإنتاج وسندان الجمهور

لقطة من أغنية «بنات الدنيا» - الصورة: Hatim Idar

«حتى لقيت لي تبغيني، عاد جايا تسولي فيا». جملة صار المغاربة يحفظونها عن ظهر قلب، بسبب ما أثارته من زخم على شبكات التواصل الاجتماعي.

تعود الجملة المذكورة إلى أغنية شعبية مغربية، وتعود الأغنية إلى يونس بولماني القادم من أكثر الجهات تهميشًا في المغرب. فنان كان مغمورًا قبل أيام حتى باغتته الشهرة من حيث لا يحتسب لتحظى أغنيته بأكثر من ثمانية ملايين مشاهدة على يوتيوب، ويكون الاسم الذي «كسَّر الترند المغربي» في مدة لا تزيد عن 24 ساعة.

لم يكن هذا الحدث منفردًا، فقبل أسابيع قليلة نشر الفنان المغربي حاتم إدار أغنيته الجديدة التي باتت تُعرَف عند الجمهور المغربي بـ«آح آح نوتيلا»، معتمدًا في التسويق المصوَّر لها على أوجه شهيرة في فيسبوك المغرب.

يضعنا ذلك أمام سؤال عن مدى قدرة هذا العالَم المستجَد على التأثير في قطاعات الإنتاج الفني في وطننا العربي، وهل تمثل هذه الأغنية إشارة إلى أن عهد تقنيات التسويق القديمة ولَّى دون رجعة؟

إجابةً عن هذه الأسئلة حاورنا الفنان المصري، ومؤسس استوديو «أوفويس»، كريم محمد الذي صرح لـ«منشور»: «السوشيال ميديا العربية نضجت فعلًا، لكن ليس للدرجة التي تجعلنا نتخلى بها عن طرق التسويق التقليدية»، موضحًا أن هذه المواقع لا تخاطب مختلف الفئات العمرية، فعدد كبير من العرب الذين يتجاوز عمرهم الأربعين ليسوا على علاقة بهذه التكنولوجيا الجديدة.

في حين أن قضية يونس بولماني أو حاتم إدار لا تنبهنا فقط إلى هذا الطرح، بل تحيلنا على حتمية المقارنة، بين الأول الذي انتشر منتَجه بشكل عفوي وتلقائي، والثاني إضافة إلى باقي المطربين المغاربة الجدد الذين يصرفون أموالًا طائلة لتسويق أعمالهم. مقارنة لا تُقصي أحدًا من حقه في الإبداع، ولا تنصِّب نفسها حَكَمًا على استحقاق طرف عن الآخر، في وقت يتمثل الغرض منها في محاولة فهم تطور السوق الفنية المغربية أكثر، وتوضيح منهجيتها.

يونس بولماني، الشهرة الفجائية

أغنية يونس بولماني «حتى لقيت لي تبغيني»

يقول يونس بولماني: «الشهرة عندي أمر عادي»، وأكد إنه رغم اتساع رقعة شهرته لتشمل كل الشعب المغربي، لن تغير منه شيئًا.

للتواصل مع يونس بولماني، هذا الوافد الجديد عن عالم الشهرة الفنية، لزمنا الأمر ما يزيد عن أسبوع من الاتصالات التي كانت تنتهي دائمًا بجملة واحدة: «يتعذر التواصل مع الفنان لأنه الآن في حوار مع قناة كذا ...». الأمر الذي جعلنا في لحظة نسائل حتى رغبتنا في التواصل معه، لا عن انتقاص من قدره، بل في محاولة لتفادي الانسياق وراء الموجة، وتكرار نفس الخطاب الذي عبَّر عنه في أكثر من فيديو على أكثر من منبر إعلامي. إلى أن تكللت محاولاتنا المضنية بالنجاح، وخص يونس منشور بهذا التصريح.

يُعرِّف يونس نفسه قائلًا: «يونس بولماني، شاب من الجنوب الشرقي للمغرب، توقف مساره الدراسي بعد الإخفاق في اجتياز المرحلة الثانوية، وبعد مغادرة مقاعد الدراسة توجهت إلى العمل في أشغال بسيطة الدخل. عامل بناء أو ميكانيكي، كأي شاب بسيط من أبناء الشعب عليه أن يوفر قوت يومه من عرق جبينه». وأما الفن، هذا الذي أدخله إلى قلوب كل المغاربة، فيخبرنا بأنه كان هوايته منذ المراهقة، ومصدرًا للمال عندما كانت تجود الفرصة بحفل زفاف أو عقيقة أو ختان.

هكذا اشتهر يونس بين أبناء مدينته كأحد أوجه الفن الشعبي البارزة، في ذلك الواقع المنغلق نسبيًّا على نفسه للمسافة التي تفصله عن مركز الأضواء بالمغرب، وهذا ما يعلل الحماسة التي طفح بها مقطع فيديو «حتى لقيت لي تبغيني» الذي اشتهر على نطاق واسع بعدما نشره لأول مرة على الصفحة الرسمية لأحد الناشطين الإذاعيين الشباب، فانتشرت بعدها كالنار في هشيم مواقع التواصل المغربية.

«الشهرة عندي أمر عادي». يوضح يونس بولماني، ويضيف أنه كان من قبل معروفًا في مدينته، والآن رغم اتساع رقعة هذه الشهرة لتشمل كل الشعب المغربي، فإنها لن تغير منه شيئًا، إلا من احترازٍ أكثر في تمثيل صورة الفنان البسيط والخلوق على أحسن وجه.

عندما سألناه حول السبب الذي جعل أغنيته بهذا التميز والإقبال الذي حظيت به، أجاب: «هذه الأغنية، وأغنياتي كلها، تعبر عن أحاسيس إنسانية بلسان شعبي نظيف ومحترم. وهذا الذي يجعلني أقول إن الجمهور أصابه الملل من الأغنية المستفزة والجريئة، وأصبح يبحث أكثر عن كلام يعبر عنه وعن روحه الأصيلة».

يحيلنا هذا القول الرصين على دقة تعبير الفنان يونس عن واقع حال الأغنية المغربية، وهذا ما يظهر في إشارتين: الأولى مدى تعبير الشطر الأول للأغنية عن إحساس اجتماعي عميق للشعب بسوء الحظ الذي يعيشه، فقد تحول ذلك السطر إلى شعار يعبر عن مختلف القضايا التي يعيشها الإنسان المغربي. والثانية، تحيلنا على حالة الاستهجان التي لقيتها أغنية حاتم إيدار الجديدة «بنات الدنيا» التي احتوت كلماتها على إيحاءات جريئة لم يتقبلها الجمهور.

قوبلت أغنية يونس البولماني التي يعود تاريخ تصويرها إلى شهر نوفمبر 2017، بإعجاب دفع كثيرًا من المدونين إلى المطالبة بتوجيه الدعوة إلى يونس من أجل المشاركة في مهرجان «موازين»، وهو الأكثر شهرة في المملكة. ولقيت تعاطفًا كبيرًا بلغ مستواه الدولي بعد أن نوه الفنان العربي تامر حسني بسلوك البولماني في منشور له على صفحته الرسمية في فيسبوك.

اقرأ أيضًا: موسيقى الجهجوكة: من أزقة المغرب إلى «رولينغ ستونز»

حيرة المغني وعقدة الجمهور

أغنية «بنات الدنيا» للمغني المغربي حاتم إدار

«إن مسألة تسويق الأغاني عبر وسائل الاتصال الحديثة لم تعد قضية جديدة في المغرب». هذا ما يؤكده محمد رحمو، خبير التسويق الثقافي المغربي، مضيفًا أن معيار نجاح أي منتَج ثقافي أصبح مرتبطًا بعدد المشاهدات والمشاركات التي يحظى عليها.

من هنا يرى رحمو أن الضجة التي أحدثتها أغنية يونس بولماني «صحية»، وستزرع داخل الشباب المغربي فكرة أن نجاح أي منتَج فني لا يستلزم دائمًا توفر وسائل تقنية كبيرة، وتشجعهم أكثر على الإبداع والتعبير عن ذواتهم الفنية.

من ناحية، نرى فالتفاؤل الذي عبَّر عنه محمد رحمو جيد جدًّا، ومن ناحية أخرى، فإن تغيير معايير النجاح في الساحة الموسيقية المغربية يضعنا أمام إشكال ضياع جودة هذا المنتَج، وانسياق الفنان وراء تلبية متطلبات السوق بأي ثمن حتى ولو كان على حساب المعايير الجمالية للفن، كما هو في حالة حاتم إدار، الذي بدأ مسيرته، في رأي بعضهم، بمنتَج عالي الجودة، لكن سرعان ما سقط في ابتزاز السوق، فانحدر منتَجه إلى الحالة التي صدمنا بها مؤخرًا.

لفهم هذا الوقع أكثر حاورنا المغني المغربي الشاب طارق فريح الفائز بالجائزة الأولى في برنامج اختبار الأصوات المغربي «Studio 2M»، الذي يرى أن طابع «الحيرة» هو ما يغلب على أي تجربة فنية في المغرب. الحيرة بين أخلاقيات الفن ومتطلبات السوق، بين من يقود الإنتاج الفني، هل الفنان أم الجمهور؟ يخبرنا طارق فريح بأنه بعد تجربة «Studio 2M» انعزل عن المحيط الفني لإتمام دراسته. لكنه بعد عودته وجدت نفسه في وسط لا يجهله تمامًا. موضحًا أن المجال الفني عرف تغيرات كبيرة وسريعة انقلبت بها موازينه ومعاييره، فضجت الساحة بوجوه كثيرة، وصارت الشهرة لا تستوجب كل الجهد الذي كان مطلوبًا من الفنان خلال سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

هناك هاجس أساسي لدى الفنان المغربي عن مدة صلاحيته الفنية، ويقينه بأن شهرته لها زمن محدد فيكون التركيز على الربح المادي.

مستغلة أفول النجم المصري، أكبر قطب تاريخي للموسيقى العربية، انتقلت الأغنية المغربية الجديدة من التأثير المحلي إلى العالمي، مازجة بين النغم المغربي والإيقاعات العربية المختلفة، خالقة هويتها السمعية الخاصة التي اكتسحت بها كل أسواق العالم العربي.

هذا التغير المتسارع في الساحة الموسيقية، وتطلُّع الجمهور الدائم إلى الجديد، بحسب فريح، أعدم مفهوم «الذوق» نهائيًّا، وعوَّضه بمفهوم «الموجة». بهذا الشكل نُقِلَت مهمة قيادة مركب الأغنية من الفنان إلى الجمهور، «وأي جمهور؟»، يتساءل طارق فريح، ويجيب في نفس الوقت: «جمهور يتقبل أي شيء، وفي نفس الوقت ذكي وحاذق في نقده». مضيفًا: «تخيل معي نفسية الفنان عندما يضع كل جهده في منتَج يراه محترمًا، لكنه يقابَل بالنقد القاسي والجارح. هذا ما يدفع كثيرًا من المغنين إلى استعمال سلاح استفزاز الجمهور لينتزعوا منه اعترافًا بهم».

قد يهمك أيضًا: «أُم» المغربية: تغني لله على كل المذاهب

إضافة إلى ما ورد على لسان المغني الشاب، تجذر الإشارة إلى وجود هاجس كبير وأساسي لدى الفنان المغربي، وهو مدة صلاحيته الفنية، ويقين كبير بأن شهرته لها زمن محدد وتنطفئ. هنا يكون التركيز على الربح المادي ذا أهمية كبرى، هذا التركيز الذي تستنزف جهد المغني المغربي الشاب.

يؤكد طارق فريح أن الإنتاج الفني أصبح يسيرًا، فالتقنيات الحديثة سهَّلت هذه المهمة، لكن يبقى الإشكال الأكبر في التسويق، ليعلنها حقيقة صارخة: «لست أدري حقًّا ماذا يريد هذا الجمهور». ربما يريد أصالته المعتادة وتقليده الموسيقي المعروف منذ زمن؟ نسأله، فيجيب: «الساحة الجديدة انطلقت من التراث، وانفصلت عنه في مرحلة ما، لكنها عادت إليه مجددًا. يبقى هذا شأنًا ثابتًا يعير له الفنان المغربي كل الاهتمام، لكن لا يجيب عن متطلبات الجمهور المركبة جدًّا».

من هنا نفشل في تعليل سبب الضجة التي حظيت بها أغنية يونس بولماني لسبب أنه حتى معيار الاستثمار المالي في الترويج للمنتج ليس له القدرة على تحديد طبيعة تفاعل الجمهور معه، في حين أن تطور التكنولوجيا بقدر ما سهَّل عملية الإنتاج، فقد حرر الجمهور، هذا القاضي الصارم، لكي يطلق أحكامه دون رحمة على رؤوس المبدعين. يمنح الشهرة ليونس بولماني إذا أراد، ويسخط على حاتم إدار، وفي نفس الوقت يرفع نسبة مشاهدة أغنيته إلى أكثر من سبعة ملايين مشاهدة.