سلطنة

موسيقى الجهجوكة: من أزقة المغرب إلى «رولينغ ستونز»

فرقة بشير العطار تقدم موسيقى الجهجوكة - الصورة: Schorle

«هذه هي الموسيقى التي أود الاستماع إليها ما تبقَّى من حياتي». قالها الرسام الإنجليزي «برايان كيسن» لصديقه الكاتب والمؤلف الأمريكي الذي قضى معظم حياته في المغرب، «بول بولز»، عندما استمع للمرة الأولى إلى موسيقى الجهجوكة في أحد الاحتفالات الشعبية قرب مغارة هرقل بمدينة طنجة المغربية.

لعب كيسن وبولز دورًا كبيرًا في الحفاظ على موسيقى الجهجوكة وإيصالها إلى العالمية. سنعود إلى هذا الدور لاحقًا، لكن لنتعرف أولًا إلى قرية جهجوكة وأهم الملامح التي تميز موسيقاها.

جهجوكة: القرية وموسيقاها

فرقة بشير العطار تقدم موسيقى الجهجوكة

جهجوكة قرية مغربية جبلية تقع شرق مدينة القصر الكبير شمال المغرب. اشتهرت بموسيقى شعبية وفرقة موسيقية يحملان نفس الاسم. وقد لعبت إحدى عائلات جهجوكة دورًا كبيرًا في الحفاظ على هذه الموسيقى، وهي عائلة العطار التي يعزف كل أبنائها هذا النوع، وعلى رأسهم الحاج عبد السلام العطار، مؤسس الفريق.

ارتبطت الجهجوكة بفن مغربي يُعرَف باسم «بو جلود»، وهو نوع من أنواع الرقص، يغطي نفسه بجلود الحيوانات ويرقص أمام النار.

تتميز موسيقى الجهجوكة بالطابعَيْن الصوفي والفلكلوري، وتعتمد في تكوينها على الطبل و«الغيطة» بشكل أساسي، وعلى «الشبابة» في بعض الأحيان.

الطبل المستخدَم في موسيقى الجهجوكة ذو وجهين من الرَّق، وهو عبارة عن أسطوانة مفرغة تتباين في قطرها، يُشَدُّ على كل وجه من وجهيها رَقٌّ من الجلد، وهو الطبل الذي يُعرَف في مصر بطبل المزمار أو الطبل البلدي. ونرى عازف الطبل يعلقه على إحدى كتفيه بحبل أو بحزام، ويكون الطبل مسنودًا على بطن العازف، ويضرب العازف على الوجه الأيمن للطبل ضربات ثقيلة «دُم»، وعلى الوجه الأيسر ضربات خفيفة «تَك»، ويُستخدم الوجه الأيسر أيضًا في إحداث الحليات والزخارف.

أما الغيطة، فهي آلة نفخ تشبه المزمار البلدي، وهي ذات ريشة مزدوجة عبارة عن أنبوب أسطواني مفتوح على صدره عدة ثقوب، ويتدرج الأنبوب في الاتساع لينتهي طرفه ببوق على شكل جرس. وللغيطة أحجام مختلفة الأطوال والاتساع، ويُصدِر كل حجم صوتًا مختلف الحدة والغلظة، فكلما زاد طول الأنبوب واتسع، زاد صوته غلظة، والعكس بالعكس.

الطبل والغيطة هما المكونان الأساسيان لموسيقى الجهجوكة، ولكن في بعض الأحيان تُستخدَم الشبابة، المعروفة أيضًا باسم «المجوز»، وهي آلة نفخ تشبه الناي، وفي أغلب الأحيان يكون في الفريق عازفان لآلة الشبابة، أحدهما يعزف نغمة أساس ثابتة، والآخر يقدم اللحن المطلوب أو يرتجل، وكذلك الحال في الطبل والغيطة، فالفريق يتكون من أكثر من عازف لكل آلة، ويلعب كل عازف جزءًا مختلفًا عن الآخر، سواء في الإيقاع أو اللحن، ليشكلوا مجتمعين المقطوعة المُراد عزفها.

من المظاهر الفنية التي ارتبطت بموسيقى الجهجوكة فن مغربي يُعرَف باسم «بو جلود»، وهو نوع من الرقص يقدمه أحد أبناء القرية، يغطي جسده جلود الحيوانات ويرقص أمام النار، وفي يده عصا يهاجم بها الناس محاولًا إبعادهم عن النار. مقطع الفيديو هذا يظهر فيه عازفو الجهجوكة وأمامهم «بو جلود».

قد يهمك أيضًا: «أُم» المغربية: تغني لله على كل المذاهب

الجهجوكة من القرية إلى العالمية

تعاون «أورنيت كولمان» مع موسيقيي جهجوكة

نعود مرة أخرى للحديث عن جهود برايان كيسن وبول بولز، ودورهما الكبير في الحفاظ على هذه الموسيقى وإيصالها إلى العالمية.

في البداية انتقلت الجهجوكة من القرية إلى مدينة طنجة على يد كيسن، بعدما خاف ضياعها بسبب هجرة الشباب الصغير من الجبل إلى المدينة، وقرر وقتها تأسيس مطعم في مدينة طنجة يحمل اسم «ألف ليلة وليلة»، وجلب كثيرًا من الفِرَق من قرية جهجوكة ليعزفوا موسيقاهم كل يوم فيه.

لم تقف جهود كيسن وبولز عند هذا الحد، بل أسهما في إيصال هذه الموسيقى إلى العالمية عن طريق دعوة كثير من الفنانين العالميين إلى مدينة جهجوكة للتعرف إلى موسيقاها. من هؤلاء كان مؤسس فريق «رولينغ ستونز»،  الذي تعاون مع موسيقيي جهجوكة في تقديم ألبوم موسيقي.

أتى إلى القرية أيضًا عازف «الفري جاز» الأمريكي الشهير «أورنيت كولمان»، وتعاون مع موسيقيي جهجوكة في تقديم ألبوم أيضًا، إضافة إلى التعاون مع عدد من الفنانين الآخرين.

قد يعجبك أيضًا: «هوبا هوبا سبيريت»: موسيقى الروك بتوابل مغربية

جهجوكة: أين هي الآن؟

موسيقي الجهجوكة في اليابان

لعبت عائلة العطار في الماضي دورًا مهمًّا في الحفاظ على الجهجوكة، وما زالت تلعب هذا الدور حتى الآن.

هناك فرقتان تقدمان موسيقى الجهجوكة الآن، وهما من تأسيس أبناء العطار، إحداهما أسسها بشير العطار والأخرى أسسها أحمد العطار. وترتدي كل فرقة زيًّا يختلف في لونه عن الأخرى.

تكتسب جهجوكة اليوم شهرة واسعة، ويلعب الفريقان بشكل دوري في أكبر مهرجانات الجاز والموسيقى الشعبية، ويتجولون ناشرين موسيقاهم في أنحاء العالم.