سلطنة

«هوبا هوبا سبيريت»: موسيقى الروك بتوابل مغربية

«نايضة»، المفردة في الدارجة المغربية التي تحيل إلى الصخب والنشاط وبعض الجنون، هي أيضًا اسمٌ لحركة موسيقية غيرت الكثير في المشهد الفني المغربي، وصنعت واقعًا إبداعيًّا جديدًا، جعلها قادرة على خلق ثِقل وجمهور لنفسها،  والمقاومة من أجل كسر عدد من التابوهات، فكانت هي البوح الشبابي الفني عن المؤلم والمسكوت عنه في مجتمعنا،  ليصير صخب «نايضة» ضد التقيد بنمطية ما يسمى بالفن الأصيل وموضوعاته.

كان هذا المصطلح خير تعبير وتسمية للحركة الفنية التي عرفها المغرب منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية وحتى الآن، وتمثلت في بروز فنانين جدد على الساحة، بإيقاعات جديدة وأشكال موسيقية غربية، مثل الراب والروك والريغي والفيوجن.  

توفيق فاخر، أحد أعضاء فرقة «عريباند» لموسيقى الفيوجن، يعزي ذلك إلى التطور الطبيعي للموسيقى في زمن العولمة والشبكة العنكبوتية، فالمسافات لم تعد هاجسًا بين الثقافات لتمتزج.

العالم أصبح قرية صغيرة، فمن السهل على المبدع أن يستلهم مقامًا من أي بلد أو إيقاعًا من أي نوع، ليمتزج بين ثنايا روحه الإبداعية فيخلق مولودًا فنيًّا جديدًا.

من ضمن أهم الفرق الموسيقية التي خرجت من رحم «نايضة»، طبع اسم «هوبا هوبا سبيريت» مسيرة فنية متميزة لمجموعة شباب بيضاوي (من الدار البيضاء) يعزفون إيقاعات الروك بكلمات مغربية تغني معاناة الشباب: البطالة، التضييق، الازدحام المروري، وتغني للفرح والسلام والتعايش.

تنشر «هوبا هوبا سبيريت» رسائلها من خلال الموسيقى، مثلما صرح رضا علالي، مغني وكاتب كلمات وعازف قيثار الفرقة، لـ«منشور» قائلًا إن «رسالتنا واضحة من خلال موسيقانا». هكذا لم يترك لنا علالي مجالًا إلا أن نتبع إبداعهم الفني لمعرفتهم أكثر، وذلك ما سنفعله في هذا الموضوع.

البدايات الأولى في «بلاد سكيزو»

أغنية «بلاد سكيزو» لفرقة «هوبا هوبا سبيريت»

رغم أن الفرقة تأسست سنة 1998، فإن الانطلاقة الحقيقية كانت بالضبط مع أول ألبوم لها بعنوان «هوبا هوبا سبيريت» في 2003، الذي سيتواكب مع النسخة الأولى للمهرجان الشبابي «البولفار»، الملتقى السنوي الداعم لإبداعات الشباب المجدد والكاسر لنمطية الفن المغربي، والمنصة الحرة الراعية لثقافة كانت تعتبر حينها ثقافة الهامش.

الفصام في المجتمع المغربي هو ارتباك اجتماعي بين الأصالة والمعاصرة، أو الحداثة والتقيد بالتراث، ممَّا يجعل المجتمع منتجًا للتناقضات.

«بعد البولفار ومهرجان صويرة، بدأ الاهتمام بنا أولًا من الصحافة الدولية». يقول علالي، ثم يوضح أن المانشيتات التي تشيد بهم توالت في الجرائد الأجنبية والبرامج المهتمة بموسيقى الشباب، وتوالت التسميات لهذا الوافد الموسيقي الغريب، الجديد والجيد، والمقارنات بأسماء عالمية مثل فرقة «Ramones» وغيرها.

هذا الانفجار الأعظم الذي مثله بروز «هوبا هوبا سبيريت» أول الأمر إلى الجمهور أثار عدة مواقف رافضة للفرقة، مثلما كان الرفض في وجه حركة «نايضة» في مجملها، ممَّا ألزمهم موقع المقاومة لهذا الواقع الذي يعتبرهم نشازًا، دخلاءً على الفن، بل يذهب حتى إلى نفي صفة «الفن» عن إبداعاتهم، وهو ما برز أكثر في نصوص الفرقة الأولى، مثل الألبوم الأول وما تلاه من ألبومات: «بلاد سكيزو» في 2005، و«تراباندو» في 2008، وهي الألبومات التي ألقت الضوء على مكامن الخلل في المجتمع المغربي.

قد يهمك أيضًا: «أُم» المغربية: تغني لله على كل المذاهب

«المغرب مصنع كبير للشيزوفرينيا (الفصام)»، هكذا قال رضا علالي في حواره مع جريدة إلموندو الإسبانية. هذا الفصام وتلك العبثية اللذان يسِمان المجتمع المغربي هما ارتباك اجتماعي بين الخيارات المطروحة، بين الأصالة والمعاصرة مثلًا، أو بين الحداثة والتقيُّد بالتراث، يجعل المجتمع منتجًا للتناقضات، هذه التناقضات يراها شباب «نايضة»، ومنهم فرقة «هوبا هوبا سبيريت»، عقبةً أمامهم وسببًا لانتقادهم.

استمرت الفرقة ناجحة لنحو 20 عامًا، أنتجت خلالها سبع ألبومات ناجحة، وأحيت نحو 400 حفل موسيقي، ونفذت جولات دولية عديدة في أمريكا وأوروبا وشمال إفريقيا، متسلحة بالروح الإبداعية لأفرادها وتلقائية كلماتهم، ممَّا جعل لهم جمهورًا واسعًا داخل المغرب وخارجه.

الفيوجن: نقطة الارتباط بالمجتمع

مقطوعة «الزميطة» التراثية التي أعادت «هوبا هوبا سبيريت» تقديمها بإيقاعات «هارد روك»

مع توالي الانتقادات والصدامات والنفور المجتمعي، نحا عديد من فناني «نايضة» إلى تأكيد ارتباطهم الإبداعي بمجتمعهم، مؤكدين أنهم حركة تغيير فني وتطور طبيعي للموسيقى المغربية، نافين انفصالهم عن السياق الموسيقي المغربي خاصة، والشمال إفريقي بشكل موسع، وهو ما برز في دأبهم على الرجوع الدائم إلى الإيقاعات الشعبية والفلكلورية التي يزخر بها الموروث الموسيقي المغربي.

«كان السبق في ذلك لموسيقين جزائريين في الثمانينيات والتسعينيات، فتأثر بهم المغاربة من الشباب إلى نهاية التسعينيات». يقولها توفيق فاخر، مغني وكاتب كلمات فرقة «عريباند» فيوجن، ويقصد بها مجموعات الراي الأولى في الجزائر، مثل الراينا راي والشاب خالد، ومواطنيهم في المهجر، مثل «أوركسترا باربيس» ومجموعة «كناوة ديفيزيون»، الذين كانوا سبَّاقين في المزج بين القديم والحديث، بين الفلكلور والموسيقى العالمية، وتبعهم الشباب المغربي كدليل على وطنيتهم وارتباطهم بعمقها الثقافي والفني.

اقرأ أيضًا: الشاب والموسيقى: هَرِم خالد، فهل يصيب الرايَ الوهَن؟

التأثر بالموسيقى الروحية جعل للفرقة امتدادًا شعبيًّا، وأكد أنها مغربية مجددة وتبني علاقات مع التراث.

بالنسبة إلى «هوبا هوبا سبيريت»، اعتمدت موسيقى الفرقة أساسًا على إيقاعات الروك، وروافد أخرى من مختلِف الفنون الشعبية التي ترتبط معها أصلًا ونَسَبًا.

كان لكل عضو في الفرقة إضافته ولمسته انطلاقًا من المنطقة التي ينحدر منها، فرضا علالي، وهو الذي يأتي من شرق المغرب، جعل لموسيقى العلاوي التي تُعرف بها المنطقة حضورًا في عدد من أغاني «هوبا هوبا سبيريت»، وللدار البيضاء حضور بكوكتيلات العيطة التي قدمتها الفرقة في أكثر من مقطوعة، إضافةً إلى التأثر بالموسيقى الروحية مثل «عيساوة» و«كناوة».

هذا ما جعل للفرقة امتدادًا شعبيًّا، وأكد أنها مغربية مجددة، تبني علاقات جديدة مع التراث الموسيقي الوطني، علاقات يستحسنها الشباب التوَّاق إلى كل حديث، ويقبلها القدامى لأن فيها جزءًا منهم، وتفتح مع الأجانب نقط التقاء ثقافي وفني مميز.

«هوبا هوبا سبيريت»: القضية

«هوبا هوبا سبيريبت» تعيد تقديم قصيدة «إرادة الحياة» للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي

ردًّا على سؤال وجهه إليه صحفي جريدة «ليبيراسيون»، حول ما إذا كانت «هوبا هوبا سبيريت» فرقة ذات موقف سياسي معين تدافع عنه، أجاب رضا علالي: «لا يمكن اعتبار الفرقة متحيزة إلى أي موقف، لأنها في حد ذاتها موقف وقضية».

يمكن أن نفهم من ذلك الرد مدى ارتباط الفرقة بواقعها الاجتماعي، وإيمانها المطلق بجدوى الفن في إيصال رسائل قوية إلى الآذان المستهدَفة، بل نفهم أن الفن بحد ذاته قضية لا يمكن تمييزها عن قضايا المجتمع الأخرى.

ففي ظل ما يعيشه مواطنو المغرب، الشباب المغربي خاصة وباقي شرائح المجتمع على العموم، من بطالة وهشاشة وإقصاء، يكون الفن دائمًا ذلك المتنفَّس لترويح الضغط والاحتقان النفسي والاجتماعي، وكذا يكون مُعبِّرًا عن معالم الواقع المعاش.

من خلال كل هذا، تبلور خطاب «هوبا هوبا سبيريت» في كلمات تنتصر لحرية التعبير، والحب، والجمال، وتضع إصبعها على مواطن الخلل، وتغني لتجتثَّ المُحال وانسداد الأفق، وتشيع الأمل وحب الحياة انطلاقا من «موسيقى الحيحة» مثلما يحلو لهم تسميتها، وهي المفردة التي تعني «الصخب» في الدارجة المغربية، فموسيقى الفرقة صارت جزءًا من تيار موسيقي «مجنون صاخب».

, , , , , , ,