سلطنة

لأن اللحن أكثر بلاغة: يا صاحبي، دعك من كلام الأغاني

«الكلام» في الغناء ليس له أهمية. وإن أحببت، سأقول لك إنه ليس بالأهمية التي نتصورها اليوم. هذا وفي اعتباري الكلام مهما بلغ من ذروة السحر والجبروت والقوة والجمال وبراعة المعنى.

ليس هذا تقليلًا من شأن الكلام مستقلًّا بذاته شعرًا كان أو نثرًا، بقدر ما هو شأن آخر له علاقة بالنظام الموسيقي ولعبة التلحين وفهم ماهية الموسيقى. وربما الذي يجعل ما أقوله صعب التصديق هو التحول الذي جعل الكلام مقدَّمًا على الموسيقى، وجعله المروِّج الأول للسلعة «الموسيقية»، ليس في عالمنا العربي وحسب، ولكن في كل مكان.

في هذا الموضوع، سأحتاج منك لمتابعة الأمثلة التي أضعها والاستماع والتفكُّر معي في طبيعة الكلمة في الموسيقى. وسأسوق دلالات طريفة وخفيفة على الروح ونناقشها، متمنيًا أن أقدم لك تصورًا نقيًّا للاستمتاع بالموسيقى العظيمة.

ولكي يكون بيننا تفاهم، لا بد أن نتحدث عن أمثلة من الأعمال الخالدة وليس تلك التي وُلدت بالأمس، وعليها تاريخ وفاة بعد أسبوع أو أسبوعين. فهذا النوع من الموسيقى، الذي يطلبونه بكلمات الأغنية ويكون الحافز ترديد الكلمات وتلقُّفها، يظهر في الراديو والتلفزيون والشارع ودعايات الإنترنت ونغمات الهواتف، وفي أحاديث الناس وتعليقاتهم ونكتهم «المؤقتة».

أحيانًا يكون لدينا عمل موضوعه مفهوم أو تافه أو لا نتفق معه أو لا نعرف تفاصيله، لكن ما يُخرسنا عظمة موسيقاه.

لنبدأ بمثال كالموناليزا شهرةً وسحرًا. لنأخذ موشح «لما بدا يثنى». كم هو آسر وأثره باقٍ وجمالياته على قِصَره مميزة تُستلَذ وتُستطاب. ما هي الكلمات؟

«لما بدا يتثنى

حُبي جماله فتنَّا

أمرٌ بلحظة أسرنا

غصن ثنى حين مال

وعدي ويا حيرتي

مَن لي رحيم شكوتي

في الحب من لوعتي

إلا مليك الجمال»

و«أمان أمان» أو «يا ليل» كلما احتجنا إليها.

لنسمعه بصوت نور الهدىهل نعرف عمَّ نُغني ولِمَ نطرب هنا؟ هل فهمنا القصة أو الحدث ودواعي هذه القطعة الموسيقية؟ أم أننا نتجاوز ذلك لنفهم معنى موسيقيًّا أبعد عمقًا من الكلام، ولا يهمنا ما يُقال حتى لو كان في لغته ركيكًا أو مغلوطًا أو في موضوع تافه؟

لنسمعها مجددًا بصيغة ألذ وأطيب، يغنيها سيد الصفتي، ثم يغنيها محيي الدين بعيون.

يا صاحبي، أحيانًا يكون لدينا عمل موضوعه قد يكون مفهومًا أو تافهًا أو لا نتفق معه أو لا نعرف تفاصيله، لكن ما يُخرسنا هو عظمة موسيقاه.

لنسمع عملًا قصيرًا قد لا يسترعي اهتمامًا عند الناس: «أبوها راضي وأنا راضي..». كم من التكرار سنحتاج لنكتفي من سماع هذا الجمال في جملة قصيرة كهذه، غير مكترثين للكلام الذي تغيَّر وتبدَّل في كل مقطع؟ هو في ذاته نفس الجملة إلا مِن تلاعُب المغني والعازفين.

الحقيقة يا صاحبي أن الموضوع أكثر توسعًا من هذين المثالين، ولا يقتصر على نوع ولا جغرافيا ولا زمن، إلا من شيء سأذكره في ما بعد. لكن لنواصل الاستماع.

ماذا عن الأغاني الشعبية التي لا نكاد نفهم منها شيئًا، أو هي من سطر واحد في جملة واحدة من الموسيقى عجنها الزمن وتعتَّقت، فصارت تُذهب العقل؟

وسأفترض أنك لست على دراية باللغة التركية، فاسمع هذه ثم قل لي: لِمَ تسحرك هذه الأغنية الشعبية وأنت لا دراية لك بموضوعها، ولا يخطر لك تصورٌ للحدث أو المعنى في هذه التحفة الموسيقية؟

هل هناك من داعٍ لتعرف أنه في الطريق إلى أسكدارا سقط مطر وتبللت ملابس الكاتب الذي مع المغنية؟ هل هي التي تغني أم كتب الشعر في شخصية أخرى؟ «وتلطخت الملابس بالطين»، ثم يتواصل حديثٌ ووصفٌ مغرِق في الرقة والتفاصيل. ربما يستحق أن نستمتع به حال قراءة النص، أما الموسيقى فتأخذنا، انتبهنا للكلام أم لم ننتبه.

هناك من الموسيقى ما هو «عابر للقارات»، يأخذنا عباب موسيقاه إلى عوالم جديدة، ينعش العقل والقلب، لكن لا نعي من كلامه شيئًا.

لنسمع شيئًا من غناء «عليم قاسيموف»، ثم فصلًا من مقام العشاق التركي:

أما العراق فغنيٌ بكثير من الأذواق واللغات، والمقام العراقي في حد ذاته منبع خصب للتدليل على قلة أهمية الكلام في الموسيقى.

نسمع من مقام الدشت يوسف عمر، وانظر في قلب اللغة. أعرف أن اللهجة العراقية قد لا تكون مفهومة عند كثيرين، لكن السحر الموسيقي فاعلٌ ومؤثر.

يجدر بنا يا صاحبي أن نمر على طُرفة الصراع حول أغنية «فوق النخل»، هل هي كذلك أم «فوق إلنا خِل»؟ وفي نظري، اللفظ واضح جدًّا من المطربين العراقيين، لكنه لسوء الحظ بعد طول جدال لا أهمية له إذ هو كلام، والأهم منه هو الموسيقى التي «أمامه» لا هو أمامها، فهو وسيط تستقله الموسيقى وتستغله إن لم تتجاوزه لو كان لها من الأمر حاجة.

ولنتذكر «وحوي يا وحي» وكثيرًا من الشعبي في بلداننا.

عندنا في فن الصوت الخليجي، وهو فن مدني، نلاحظ أنه قد نجد صوتًا تُغنَّى عليه أكثر من قصيدة أو نص، أو نجد نصًّا يُغنَّى بأكثر من لحن.

اقرأ أيضًا: كيف طارد باحث أمريكي فن الصوت في الكويت؟

نجد هنا لحنًا وُظِّف في نصين هما «البارحة في عتيم الليل» الذي يُناظر «يا دار فوز». وصوت «البارحة في عتيم الليل» نسمعه من الدكتور أحمد الصالحي والمجموعة، ونسمع صوت «يا دار فوز» بصوت عبد الله الفضالة.

أما أن نجد نفس النص بلحنين، فمثاله «البارحة حارب المطرب رقاد»، التي نسمعها بصوت عبد اللطيف الكويتي، أو بصوت إبراهيم الخشرم.

الموسيقى عالم في حد ذاته، مستقل بنفسه، وأكبر دليل على ذلك أنك تنسى الكلمات وتدندن دونها.

الكلام ذاته غناه عبد اللطيف الكويتي بلحن آخر، مثلما ذكر لي أحمد الصالحي، وسجله يوسف البكر بلحن ثالث. والنص الواحد بأكثر من لحن هو ما يهمنا هنا، إذ إن تأثير الكلام ليس بيِّنًا على صيغة اللحن والمقام والإيقاع بالشكل الذي يشيع تصوره.

ليس ببعيد أن نذكر أن محمد عبد الوهاب غنى في بداياته لحنًا ثم أعاد تلحينه في أواخر أيامه، هو «منك يا هاجر دائي»، والطريف في الأمر أن مطلع اللحن الثاني هو صورة من موشح «حبي زرني ما تيسر»، من ألحان الشيخ درويش الحريري.

أما عن نص غُنِّيَ بأكثر من لحن لأكثر من ملحن فحدِّث ولا حرج، فضلًا عن القصائد والمواويل التي يغنيها المطرب نفسه بشكل مختلف كل مرة، فتكون للذاكرة الموسيقية أولوية على الكلام. وفي مثال النص نذكر قصيدة «أراك عصي الدمع»، التي غناها الحامولي أو رياض السنباطي أو زكريا أحمد، والأخير يذكرون أنه لحنها على ثلاثة ألحان من مقامات مختلفة، لم نسمع منها شيئًا للأسف.

تذكَّر معي، يا صاحبي، أن الشيخ زكريا أحمد لحَّن «القلب يعشق كل جميل»، ولحَّن السنباطي للسيدة أم كلثوم، ونحن نذكر موسيقى كلٍّ منهما مستقلة عن الكلمات.

هكذا نرى أن الموسيقى عالم في حد ذاته، مستقل بنفسه، وأكبر دليل على ذلك أنك تنسى الكلمات وتدندن دونها، أو تستعذب أن تغيب عنك، وكم نشُطُّ عن الكلمات ونتجلى بـ«تيرا ترا تيري رم»، ونخرج من اللحن ارتجالًا إلى مساحات أوسع من «الليل والعين» إلى ما لا نهاية.

وكم تتجلى الموسيقى حين تسبق في الأهمية الكلام حال الغناء، وتتجلى أكثر بالعزف آليًّا دون كلمات.

لنسمع «كادني الهوى» للشيخ يوسف المنيلاوي، ثم نسمعها دون كلمات على كمنجة سامي الشوا، ونلاحظ ماذا اكتسبنا من جماليات إضافية بالتنفيذ الآلي.

الشيخ يوسف المنيلاوي:

سامي الشوا:

ليس ذلك حالة خاصة بالشرق، وليس «تخلفًا»، بل ظاهرة موجودة حتى في الموسيقى الأوروبية.

المثال هنا فن الأوبرا، الذي نلاحظ أن الكلام غير مهم فيه، فضلًا عن معضلة أخرى في صوت مغنيات الأوبرا تؤكد عمليًّا عدم أهمية الكلام إلى جوار الموسيقى.

قد نتصور أننا مقصرون حال الاستماع إلى الأوبرا، ومن المفترض أن نسمعها متمكنين من اللغة والقصة، ونشعر بشيء من الذنب، بينما هي قضية جديدة لم يعشها جيل كانت فيه الأوبرا في حياة الناس كالسينما اليوم، وتُطلب ويتكلَّف لها الناس.

ليس بعجيب أن نرى دراسة نشرتها مجلة «Nature» في 2004، يوضح فيها الدكتور «جون سميث» والمجموعة أن دراستهم لمغنيات السوبرانو لتسع سنوات وضعت أيديهم على دليل أن الطبقات العليا من الغناء تؤثر سلبًا على وضوح الكلام المُغنَّى، وبالتالي يصعب الفهم حتى على متحدث نفس اللغة.

مؤخرًا، تضع عروض الأوبرا الكلمات على الشاشة لتوضح موضوع الأداء لعدة أسباب، منها: صعوبة الفهم، واختلاف اللغة، واستخدام لغة قديمة، من أجل منح الجو الخاص بالأوبرا الذي كان يعوَّض عن طريق توزيع مختصر للقصة قبل بدء العرض.

في الماضي كانوا يتبادلون منشورًا وتثقيفًا مبسطًا عن الأوبرا التي ستُعرض، عندما كانت الأوبرا منتشرة ومقدَّمة على كثير من النشاطات والتسلية لدى الناس، فكان من المفترض أن يعرف الناس قصة الأوبرا قبل الحضور.

ما الذي سيبقى بعد أن ننسى الكلمات؟ كل الموسيقى رائقةً دون تلويث.

إذًا، لطالما كانت الموسيقى أهم بكثير من التفاصيل الكلامية للأداء، وتأثير الموسيقى في السامع باقٍ وأكثر أثرًا من الكلمات. وكما قلنا، نحن نستلذ بالموسيقى وننسى الكلام وندندن بما بقي، أي الموسيقى.

ثم إنه في مشاهد الأوبرا كلام قليل وموسيقى كثيرة، مثل الدور الذي يستغرق فيه اللحن أداء نصف ساعة وأكثر لبيتين من الشعر بالعامية، وبكلمات ربما هي ركيكة أو لا معنى لها.

لنحاول أن نسمع هذه الموسيقى الأخاذة من العظيم «فيردي»، ولن نرى أي أثر يضيف إلى المعنى على المسموع، كي تتضح الفكرة أكثر.

دعنا نشاهد مرة أخرى مع التمثيل:

لنحاول أن نسمعها وفي أذهاننا أن عنوانها «أغنية الشراب»، ثم نعرف كل كلمة. ما الذي سيبقى بعد أن ننسى الكلمات؟ كل الموسيقى رائقةً دون تلويث.

وهل نحتاج أن نهتم، أو يهتم الطفل، بالتفاصيل في أغنية الكريسماس هذه؟

دعني يا صاحبي أنقل لك ملاحظة مهمة عن ما حدث في العالم، وسأستعين بمثال قريب من عالمنا العربي ومن أساتذتنا.

لنتوقف قليلًا ونسمع هذا الحديث من سهرة خاصة مع التابعي وعبد الوهاب وليلى مراد وأنور وجدي والمجموعة، ونأتي إلى فقرة تقليد الغناء القديم.

هنا نلاحظ تغيرًا في الظاهرة، فنجد أن «التسليع» جعل الكلمة في المقدمة، ويظهر ذلك في أكثر من مناسبة بعدة صِيغ منها هذه.

وهنا نرى ذلك حيًّا حين نقيِّم قدر الموسيقى إلى قدر الكلام الذي سُخِّرت له. لنلاحظ جيدًا الحديث بين عبد الوهاب وعبد الحليم في هذه الجلسة التحفيظية في «من غير ليه».

لقد جلبت الأفلام والظروف الجديدة منذ الثلاثينيات، عندنا في المنطقة العربية، حاجة ماسَّة إلى تقديم الكلام على الموسيقى،  وأصبح عبد الوهاب دائمًا يتصيَّد «الكلمة الحلوة» كما كان يحلو له أن يؤكد كلما تحدث عن عمل جديد وأغنية جديدة، وهكذا كان الحال وأصبح أولوية للموسيقيين الآخرين الذين يشتغلون على «الكلمة» تلحينًا، على غير العادة قبل الأفلام وقبل المسرحيات.

ربما من الجيد أن نسمع حديث الشيخ زكريا أحمد يذكُر أجواء متطلبات الأفلام ومأزق الموسيقى في «بكرة السفر»، ونلاحظ كمية الموسيقى وكمية الكلمة في المقابل، ونسأل: ما الذي يسبق في الأولوية هنا، الكلمة أم الموسيقى؟

يظهر لنا جليًّا يا صاحبي مدى استقلال الكلام عن الموسيقى إلا من تفعيل وتجويد وتقطيع، ومدى تحليق الموسيقى وتلونها، وسطوة الطرب على المطرب والسمِّيع في الإعادات والإبهار، والتحدي في خلق الدهشة وتقديم «حاجة جديدة» كل مرة. ونسمع ذلك في التواشيح والتلاوات والمواويل والليالي والقصائد، وفي كل شيء ضمن هذا النظام الواسع ومِكنة الارتجال في موسيقانا العربية، والموسيقى الشرقية عمومًا.

لنسمع ليالي الشيخ محمد حسن النادي، ما هي إلا ليالٍ ليتها لا تنتهي:

ثم لنسمع عبد الوهاب في موشح «ملأ الكاسات»، ونسمع في فقرة الآهات من دور «أحب أشوفك» لعبد الوهاب، أو «إمتى الهوى» من أم كلثوم، أو غيرها من الأدوار الراسخة والكثيرة في تراثنا الموسيقي.

ولنسمع ظواهر هذه اللعبة عند زكريا أحمد في «أهل الهوى»، في تسجيل «بي بي سي» الشهير.

كم يتجلى زكريا في هذه الابتكارات في كل أعماله، حتى ليتفوق على المطربين مثل أم كلثوم الذين يتميزون عنه في جماليات الصوت. ونسمعه في «حبيبي يِسعِد أوقاته»، وفي «غني لي شوي شوي»، وكل ما لذ وطاب، وأترك لك الاختيار.

«تمطيط» الكلام وإنهاكه من أجل موسيقى استُعيرت من هويات أخرى يجعل النتيجة سيئة على الأذن المرهفة.

كل موسيقى لها هوية، والهوية من أعمدتها اللغة، فالمدود والتفاعيل والأوزان وجماليات اللفظ والتجويد والصامت والمتحرك وقواعد الصرف، كل ذلك يُضفي رونقًا وتميزًا على الموسيقى، سواء وضعناها للحن كلمات أو موسيقى آلية، فالموسيقى واحدة، وبالتالي يظهر أثر اللغة جليًّا على الجانبين.

هذا يزيدني قناعةً يا صاحبي بعدم أهمية الكلام في الموسيقى غير هذا الجانب، في نواحٍ طالما بالغنا في الاهتمام بها، من قصة التعبير والتصوير وما شابه. ودعني أقدم إليك جانبًا آخر من أثر اللغة، والضدُّ يُظهر حسنَه الضدُّ.

كم من مرة سُرق أو استُهلك لحن أجنبي بكلمات عربية أو العكس؟

«تمطيط» الكلام وإنهاكه من أجل موسيقى استُعيرت من هويات أخرى يجعل النتيجة سيئة على الأذن المرهفة، ويكفي أن نلقي نظرة على أغاني أفلام الكارتون وبرامج الأطفال هذه الأيام مقارنةً بتلك التي لحنها ملحنونا بلغة عربية فصيحة وبموسيقى من ذوقنا وبوعي، ودعني أسوق بعض الأمثلة.

اسمع هنا «جزيرة الكنز» باليابانية، ثم اسمعها هنا بالعربية.

واسمع «حبيتك بالصيف» لفيروز، ثم اسمع «أحبابنا سيروا»:

تظهر يا صاحبي أيضًا وساطة الموسيقى في قبول الكلمة، وإن تردَّى معناها وضعفت الصيغة أو أصبح الموضوع مبهمًا، ومثال ذلك كثير من الطقطوقات المبكرة في القرن الماضي، وأغاني نزار قباني وكامل الشناوي. وفي المقابل، يزداد تقديرنا للعمل الموسيقي لو كان الكلام والموسيقى مسبوكَيْن بنفائس المعدن والجوهر، وتبقى الموسيقى مقدَّمة على الكلام.

الكلام وحده عالم آخر، منه ما يأسرنا ويحلق بنا في سماوات قصية وأماكن مفقودة. لكنه في الموسيقى دوره غير هذا الدور، وهو إما أن يشوِّش على الموسيقى ويضعفها، أو يكون ظلًّا خافتًا وراءها نسخِّره كعنصر خفي، فلا يظهر سحره مستقلًّا.

ما جعلني أشاركك الحديث عن الكلام في الموسيقى هو الحال المؤسف الذي وصل إليه الجو العام، من تقديم الكلام على الموسيقى وتسخير الموسيقى لخدمة الكلام، واستغلال الكلام كوسيلة ترويجية للإنتاج الموسيقي في السوق.

صار الأمر بعيدًا حتى عن تصور المشتغِلين بالإنتاج الموسيقي الجاد، أصبح الكلام غشاوة تغطي جمالياتٍ في الموسيقى هي أولوية فيها، ثم أنهكها وجعلها مهلهلة ركيكة، قليلة المعنى قليلة الحظ، ذات عمر قصير وتأثير لا يبقى. أما الموسيقى العظيمة فهي في شأن آخر.

الموضوع، يا صاحبي، يمكن أن أقوله في عبارة واحدة: «الكلام قليل الأهمية في الموسيقى»، ويمكن أن نسترسل فيه بالأمثلة ودراسة الظاهرة: كيف تغيرت؟ كيف تغير الاعتبار والأولوية بينه وبين الموسيقى؟ كيف أثر ذلك سلبًا على الموسيقيين والسمِّيعة والناس عمومًا؟

أرى جيل اليوم أقل اهتمامًا بصحة النغمة، بل يحفظ ويردد الكلمات من أول العمل إلى آخره. وكم طالت الأعمال لسبب الكلمات، والموسيقى هي ما يحدد طول العمل كما تشاء، وهي كاللانهاية، تمتد كما تريد ونحن نردد «الله الله»، ونقول هل من مزيد؟


هذا الموضوع نتاج فكرة اقترحها أحد قرَّاء «منشور»، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.

, , , ,