سلطنة

الشاب والموسيقى: هَرِم خالد، فهل يصيب الرايَ الوهَن؟

الصورة: ullstein bild

هل أصبح تاريخ موسيقى الراي جزءًا من تاريخ الشاب خالد؟ قد يبدو هذا السؤال عبثيًّا ولا معنى له بالنسبة إلى كثيرين، لكن المتمعن في تاريخ الراي منذ عشرينيات القرن الماضي يمكن أن يلاحظ بسهولة تلك العلاقة العضوية الغريبة بين تاريخ الراي من جهة وتاريخ خالد من جهة أخرى، إذ لا يستقل تاريخ هذا الأخير عن السياق العام الذي نشأت فيه تلك الموسيقى.

في هذا الموضوع، سنحاول تتبع تفاصيل مسيرة خالد وأهم المحطات التي مر بها، لنكون نافذة تطل على تاريخ الراي بصفة عامة.

طيف خالد

الشاب خالد يغني «أنا المغبون» على المسرح

إضاءة خافتة نوعًا ما، الفرقة في جو شبه مظلم تعزف بداية أغنية «أنا المغبون». خالد كالرجل الواثق من نفسه يعرف كيف يسيِّر نسق الحفلات ويتحكم في إيقاعها. يبدو في قميصه الأبيض كملاك وقور وسط بقعة الضوء المسلطة عليه.

كان هذا هو المشهد في حفلة ليالي البهجة على مسرح الهواء الطلق في الجزائر العاصمة. فمنذ الدقائق الأولى يمكن للمستمع أن يلاحظ أن ذلك الذي يقف أمامه هو في الحقيقة «طيف» الشاب خالد.

لم يعد خالد قادرًا على مجاراة نسق أغانيه التي يؤديها منذ سنوات.

ثَمَّة شيء ناقص، حلقة مفقودة، روح ضائعة، طاقة كامنة أو ربما مستنزَفة، كلما سعى خالد إلى استعادتها فشل وعجز عن ذلك.

تراجع ذلك الصوت القوي، ربما هو مفعول الزمن. هرِم خالد كما هرِمت موسيقى الراي بعد سنوات طويلة من العطاء. ارتبط تاريخ الراي بتاريخ صاحب أغنية «دي دي»، ذلك «المريول» (الشاب الوسيم في اللهجة الجزائرية، ونجدها كثيرًا في أغاني الراي عمومًا وخالد بصفة خاصة) الذي يتغنى بالحياة والخمر والنساء.

لم يَحْدُ خالد عن الدرب، ما زال محبًّا للحياة، في عينيه تلك الشرارة التي لا تنطفئ، ولكنه في السنوات الأخيرة، وخصوصًا في حفله الأخير في الجزائر، أكد مرة أخرى أن جبار ينهش كل شيء جميل ويستهلكه حدَّ الهزال. لم يعد خالد قادرًا على مجاراة نسق أغانيه التي يؤديها منذ سنوات.

في كثير من الأحيان تنهار الإرادة أمام الواقع، إذ يحاول خالد أن يكرر المقاطع أو يجاري نسق الموسيقى والإيقاع، من خلال تلك الآهات والتأوهات التي اعتادها، لكن تخونه حباله الصوتية.

اقرأ أيضًا: كيف تتحول من مستمع للموسيقى إلى «مستمتع» بها؟

في هذا الحفل أيضًا تتكرر الفترات التي يتراجع فيها خالد مُفسحًا المجال أمام الآلات الموسيقية. قد يظهر الأمر ذا بُعدٍ جمالي مدروس، لكن الحقيقة أن خلف كل ذلك يختفي أمر جَلَل: ملك الراي مرهق وفي حاجة إلى الراحة، فيُلهي جمهوره بالمقاطع المطولة التي تؤثِّثها ألحان الغيتار الإلكتروني والكيبورد، كي يستعيد أنفاسه.

هذا ما لم نره في حفلاته خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات. كان خالد يتَّقِد حماسًا، شعلة من الطاقة تغزو الساحات. نوع من النوستالجيا، ذلك الذي يدفع صاحب أغنية «روحي يا وهران» إلى محاولة التمرد على الواقع (ضعف الإمكانيات الصوتية) عبر التحرك وادعاء الحيوية (على أمل استعادة الأمجاد). وحدها تلك البسمة الساحرة تعلو مُحَيَّاه، وكأنه يعلن أنها الشيء الوحيد الذي نجح في الاحتفاظ به بعد معركة ضارية مع الزمن.

خلال حفلة يوليو 2017 في الجزائر العاصمة، نفهم أن الراي يعيش مرحلة مهمة ومفصلية من تاريخه الطويل. كأن خالد هو تلك المرآة التي ينعكس عليها هذا النمط الموسيقي بكل مراحله، فيستحيل المشهد أمام المتلقي واضحًا لا لبس فيه، انطلاقًا من البدايات ومرورًا بفترة بلوغ العالمية والتربُّع على القمة، وصولاً إلى الألفية الثانية والجدل حول مكانة الراي.

من العصري إلى الراي: موسيقى تُولد مرتين

أغنية «جار عليا الهم» لبلاوي الهواري

كان الراي بشكله الكلاسيكي التقليدي حكرًا على مجالس الشِّيخات التي تعتمد على آلات إيقاعية بسيطة. ظهرت لاحقًا أولى محاولات التجديد عبر إدخال مجموعة من الآلات الموسيقية العصرية، التي أكسبت الراي صبغة جديدة ورونقًا خاصًا ليسمى «البوب-راي».

في الخمسينيات بزغ نجم أحمد وهبي وبلاوي الهواري، اللذين تميزا، صحبة آخرين، بأغاني ذات طابع هادئ وإيقاع بطيء ومتأنٍّ (أغنية «بختة» لأحمد وهبي نموذجًا)، وهو ما يعكس تأثُّر مغني العصري الوهراني بفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب.

الجيل الذي عاصره خالد بدأ إدخال آلات موسيقية حديثة، كالغيتار والترومبيت وغيرها، على موسيقى الراي.

كانت هذه بداية تشكل مشهدًا جديدًا، سيقع من خلاله تثوير الموروث الموسيقي القادم من البادية، ليطلَق عليها في ما بعد اسم العصري.

بعد عقدين من الزمن، أي في الثمانينيات، ظهرت زُمرة من المغنين الشبان الذين ستنتقل معهم الموسيقى الوهرانية إلى مرحلة مختلفة تمامًا، ولعل أبرزهم خالد حاج إبراهيم، الذي انطق في الغناء في سن الرابعة عشرة في الأعراس والحفلات، معاصرًا نجوم البوب-راي مثل بوطيبة الصغير (الذي كانت بداياته مع الشيخة ريمتي) وبلقاسم بوثلجة.

أغنية «ما عندي حاجة في الناس» للشاب خالد

هذا الجيل الذي عاصره خالد كان قد بدأ مجموعة من المحاولات التي تسعى إلى إدخال آلات موسيقية حديثة مثل الغيتار والترومبيت وغيرها، وأغنية «ميلودة» لبوثلجة بإيقاعها السريع خير دليل على ذلك.

تأثر خالد بهذا التوجه، وأصدر أول اسطوانة عام 1974 ضمَّت أغنيتين: «طريق الليسي» (سيعيد أداءها بعد سنوات بنفس جديد) و«طالعة للغابة». وبدخوله نادي المشاهير، كان لا بد من اسم مستعار للشاب الجديد، لكن خالد تمسك باسمه، ومن هنا جاءت تسمية «الشاب» خالد الذي كان أصغرهم سنًّا، والذي ستشهد معه موسيقى الراي ولادتها الثانية بعد الأولى في الستينيات والسبعينيات.

استغل خالد الفرصة المتاحة ولعبت الظروف لصالحه، ذلك أن منتصف الثمانينيات كانت فترة بداية الانفتاح على موسيقى الراي ورفع الحظر عن المغنين، الذين كانوا ممنوعين من الظهور في وسائل الإعلام خلال عهد الرئيس هواري بومدين، بحجة أن الراي ميوعة ويعادي الروح الثورية.

 وفي بحثها عن وسيلة لاستعادة الراي، خصوصًا في ظل الصراع القائم مع الجارة المغرب، لم تجد الدولة رمزًا أفضل من خالد الذي كان شابًّا ينبض بالحياة في ذلك الوقت، مثلما يؤكد بوطيبة الصغير في أحد حواراته.

اقرأ أيضًا: الإنشاد الصوفي في المغرب العربي: تضرُّع إلى الله عبر الموسيقى

الطريق إلى العالمية: اللقاء مع بوتلَّة

أغنية «لاكامال» للشاب خالد وصافي بوتلة

في أواخر الثمانينيات، كان خالد قد بدأ يحتل مكانته ويجذب الأنظار بحماسه وطريقة أدائه المتميزة وصوته القوي والمتفرد.

صافي بوتلَّة، الفتى المدلل للموسيقى الجزائرية، الذي درس في أكبر الجامعات الأمريكية، راهن على هذا الشاب وسجل معه في 1988 ألبوم «كوتشي» (تعني العربة التي تنقل السياح بالإسبانية، وهي كذلك مأخوذة من أغنية شعبية مغربية). يظهر المجهود البحثيّ منذ عنوان الألبوم، وهو ما يمكن ملاحظته أيضًا في الأغاني التي تعتبر مزيجًا بين موروث العصري الوهراني، الراي في نسخته العصرية، مع نهل من الجاز والموسيقى الإلكترونية.

في كليب «لاكامال»، تظهر بصمة صافي بوتلة بإدخال مجموعة من الآلات الموسيقية وتسريع نسق الأغنية. الإيقاع سريع يجاري خالد ويترك المجال واسعًا أمام قوة صوته، الذي تؤثِّثه كخلفية نوتات الكيبورد وهزات أوتار الغيتار الإلكتروني.

نحن أمام راي في حُلَّة جديدة، فهذا التغيير على مستوى الموسيقى رافقه تغيير على مستوى المظهر، خالد غيَّر لباسه وطريقة تحركه وتنقله أمام الكاميرا. في هذا الكليب كان التغيير واضحًا، وأعلن بداية حقبة سيَلِجُها خالد من الباب الكبير من خلال الموسيقى التي يقدمها.

في أغنية «هانا هانا» من نفس الألبوم، يتميز الإيقاع بتموُّجه وبطئه. يبدو أداء خالد متأنيًا مع البداية بتصدير يكرر من خلاله الكلمات الشهيرة «أمان أمان»، ثم ترافق هزات الغيتار إيقاعات خفيفة يطغى عليها صوت خالد مع لازمة «هانا هانا حبي ما جاش» بصوت نسائي.

ألبوم «كوتشي» هو ثبات في الكلمات التي لا تتغير، ويبقى الموضوع المحبَّذ في أغنية الراي هو الحبيبة وتمنُّعها والتغزُّل فيها.

أما على المستوى الموسيقي، فقد سعى النجم الصاعد بصحبة صافي بوتلة إلى تثوير الراي وكسر مجموعة من الحواجز، عن طريق إدخال عديد من الآلات العصرية وإيجاد المعادلة الصعبة بين الجاز والموسيقى الغربية من جهة، والراي بآلاته وإيقاعاته الكلاسيكية من جهة أخرى.

التسعينيات: ملك الراي متربعًا على عرشه

تسجيل للسهرة الأولى للشاب خالد في فرنسا

لا يكتب خالد من فراغ، بل تنبع كلماته من ذكرياته الضائعة في أزقَّة وشوارع وهران.

نجاح ألبوم «كوتشي» والتغير الذي طرأ على موسيقى خالد مهد الطريق لفكرة الاستقرار في فرنسا في التسعينيات، فقد بدأت الشهرة تتوسع والنجاحات تتوالى.

أحيا خالد عدة حفلات عالمية، أبرزها مهرجان الراي في بوبيني بفرنسا عام 1986. من هنا انطلق خالد في مسيرة جديدة مع الشركة العالمية «يونيفيرسال»، لينتج ألبومات مثل «دي دي» و«كنزة» و«صحراء» و«نسي نسي».

ما يثير التساؤلات هو هذا النجاح الذي حققه خالد رغم أنه لا يجيد الإنجليزية ويتحدث القليل من الفرنسية. كأن خالد عوَّض الكلام بالموسيقى، لتصبح لغة التخاطب والتواصل مع الآخر التي يفهمها الجميع. لقد تواصل خالد بموسيقاه ووصل إلى العالمية، مكذِّبًا كل الانتقادات التي وُجِّهت إليه عن رداءة نصوصه.

لا يكتب خالد من فراغ، بل تنبع كلماته من الأعماق، فهو يدوِّن ذاكرته ويسكبها على الورق ويعيد ترتيب ذكرياته الضائعة في أزقَّة وشوارع وهران.

كانت فترة التسعينيات القلب النابض في مسيرة خالد، لأنه رغم الانطلاقة السريعة والشهرة التي اكتسبها، لم ينصهر تمامًا في هذه الأجواء وظل محافظًا على طابعه الخاص، وحرص على إبراز الجانب الأصيل من موسيقى الراي، وهي الفترة التي أعاد خلالها خالد خلق الراي من جديد، وصار مدرسة مستقلة بذاته.

يؤكد هذا ألبوم «1,2,3 صولاي»، الذي يعتبر مختبرًا موسيقيًّا جمع خالد وفضيل ورشيد طه. تلتقي في هذا الألبوم الطبلة والباس غيتار والغيتار الإلكتروني والكيبورد، وبعبقرية موسيقية نادرة يحدث التوفيق بينها. حتى الروك كان حاضرًا في الألبوم عن طريق مقاطع مخصصة لهزات أوتار الغيتار الإلكتروني الصاخبة، تجدها عندما تستمع إلى الدقيقة الثانية من أغنية «نسي نسي».

قد يعجبك أيضًا: ليست أغانٍ، ليست أناشيد.. تسمع شيلات؟

الشاب خالد: شخصية مثيرة للجدل

الشاب خالد يتحدث إلى التليفزيون الجزائري

لم يكتسب الراي تلك المكانة بالتجديد والبحث الموسيقي والتراكمات التاريخية فقط، بل كذلك عن طريق شخصية خالد، الذي تربَّع على القمة وأصبح يمثلها في كل البلاتوهات التليفزيونية والمنابر الإعلامية. أهمية هذا الفنان هي ربما ما جعل الرئيس بوتفليقة يستدعيه بأمر شخصي، بعد أن قضى التسعينيات فارًّا من الخدمة العسكرية.

تصريحاته التي تكون عفوية تثير سخرية بعض الناس، لأنه لا يتحدث الفرنسية بطلاقة، صنعت مواقف أدَّت إلى إكساب خالد مزيدًا من الشهرة، فهو فنان ذو شخصية مميزة وطريقة خاصة حتى في التعبير عن آرائه.

الألفية الثانية: راي المستقبل أم بداية النهاية؟

أغنية «هيا هيا» للشاب خالد مع «Pitbull»

مع دخول الألفية الثانية، حاول خالد تقديم ألبومات فيها تجديد على المستوى الموسيقي لكنها ظلت محاولات محتشمة تثير جدلًا واسعًا بين مؤيد ورافض ومستحسن وساخط.

وبما أن خالد بشخصيته وأغانيه كان منذ بداياته مثيرًا للجدل، فإن ألبوماته الأخيرة والثنائيات التي يؤديها مع فنانين مشهورين مثل «Pitbull» يعتبرها بعض الناس «راي المستقبل»، ويرون أنها لا تنال إعجاب كثيرين لأنها سابقة لعصرها.

منذ عام 2006 وحتى 2009، ومع ألبوم «ليبرتي» (الحرية) الذي لم يحقق النجاح المأمول، ظهرت أصوات تشكك في الشاب خالد وتعلن نهايته، فهل ما يقدمه هو حقًّا راي المستقبل أم بداية النهاية؟

, , , ,