الشاشة

«غييرمو ديل تورو»: الوحوش كآلهة، والحكاية الخرافية كدين آخر

«غييرمو ديل تورو» - الصورة: Getty/FilmMagic

يحكي المخرج المكسيكي «غييرمو ديل تورو»، الفائز بأوسكار أفضل فيلم وأفضل مخرج لعام 2017 عن فيلمه «The Shape of Water»، أن بداية علاقته بالسينما كانت بحضوره عرض فيلم «مرتفعات ويذرنج» في السينما مع والدته في سن مبكرة جدًّا. فمنذ أن سحرته طبيعة الفيلم القوطية، وهو يحب الأشباح والوحوش، وتشغله تيمات الرعب الذهني والجسدي والأساطير، إذ تشكلت مسيرته الفنية منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين وحتى الآن، متمحورة حول هذه الموضوعات.

بدأ نشاط ديل تورو السينمائي في المنزل صغيرًا، وهو يصور عرائسه ولعبه ويستخدم كثيرًا من الكاتشاب كدماء، وكاميرا والده موديل «Super 8» لتصوير الفيديو للهواة، ووالدته كممثلة. منحه الانتهاء من التصوير ومشاهدة «إنتاجه» على الشاشة بعد ذلك شعورًا بالإشباع، وأراد فقط أن يستمر في هذه اللعبة إلى الأبد.

طفولة السحر والرعب

جولة في منزل غييرمو ديل تورو

يقول ديل تورو: «أمزح قائلًا إنني قضيت أربعين سنة من حياتي أحاول التعافي من ما حدث خلال أول ثماني سنوات منها. لكن بشكل ما هذا حقيقي».

نشأ ديل تورو في بيئة دينية كاثوليكية صارمة جدًّا في المكسيك، بجوار جدته، إذ كان أبواه دائمي السفر للعمل، ويتذكر إلقاء جدته مياهًا مقدسة عليه عدة مرات بدعوى إخراج الأروح الشريرة منه، وكيف كان الأمر مضحكًا، وأحيانا مؤلمًا، عندما وضعت أغطية زجاجات معدنية مقلوبة في حذائه لينزف بدعوى تطهيره من ذنوبه.

يقول عن جدته إن علاقته بها «شابها الإحساس بالذنب، وقد شرحت لي كثيرًا من الأشياء التي لم أفهمها وقتها، كالخطيئة الأصلية والعقاب والمطهر. يوجد كثير من الألم في العقيدة الكاثوليكية في المكسيك، وكثير من الذنب».

يحمل ديل تورو ذكريات مؤلمة عن طفولته: «أمزح قائلًا إنني قضيت أربعين سنة من حياتي أحاول التعافي من ما حدث خلال أول ثماني سنوات منها. لكن بشكل ما هذا حقيقي، عانيت بشدة في العشر سنوات الأولى من عمري».

الآن، يُعرِّف نفسه دائمًا ككاثوليكي سابق، لكنه يستعيد بعدها مقولة المخرج «لويس بونويل»: «أنا ملحد، الحمد لله»، في إشارة ساخرة إلى أن نشأتك الدينية ستظل دائمًا حاضرة، وستشكل جزءًا منك حتى إذا قررت شيئًا آخر بشأن معتقداتك في رحلة نضجك.

قد يعجبك أيضًا: لماذا أفسدوا ليالي طفولتنا بحكاياتهم المخيفة؟

يتحدث ديل تورو دائمًا عن علاقة روحانية وحميمية تجمعه بالوحوش، فيصرِّح في أحد الحوارات بأنه لا يزال يتأثر بـ«مخلوق فرانكشتاين» وبكل الوحوش الكلاسيكية، ويراها ديانة وإيمانًا خاصًّا به، ويؤكد أن ذلك ليس جزءًا من حديث ما بعد حداثي أو ميتافيزيقي ما، بل إنه جاد جدًّا. فهم منبوذون تمامًا لأنهم مختلفون جسديًّا، وأي منبوذ بناءً على شكله أو جنسه، سيشعر بالتقارب والتوحد معهم.

يتذكر ديل تورو مشاهدته لأول وحش في حياته في فيلم «فرانكشتاين» وهو طفل، وكيف امتزج وحش فرانكشتاين مع مفهوم جدته عن المسيح: «ظهر فرانكشتاين لي بعيونه المتلألئة كأنه بولس الرسول، وصدمتني الرؤية، إذ ظننت أن هذا هو من تحدث عنه الكتاب المقدس، وأن هذا من سيضحي بحياته من أجلي».

بدلًا من أن يرتعب ديل تورو من مظهر فرانكنشتاين أو يكرهه، تعاطف معه: «كنت مؤمنًا ببراءة وحش فرانكشتاين من أفعاله، فقد صوّر بوريس المخلوق ببراءة وجمال هائلين وأداء روحاني. قرأت الرواية لاحقًا وأصبحت بمثابة كتابي المقدس، كتبت ماري شيللي، وهي في التاسعة عشر من عمرها، بحرفية عن إحساس العزلة الذي يشعر به كل مراهق: أنت لا تنتمي إلى هذا المكان، أحضرك هنا أناس لا يهتمون بأمرك، أُلقيت في عالم مليء بالألم والمعاناة والدموع والجوع».

في حوار آخر يُجيب ديل تورو عن سؤال: «ما الذي منحته لك الوحوش ولم تقدمه الكاثوليكية؟» قائلًا: «مع الوحوش هناك إحساس بالفقدان والهشاشة وشعور بالتقبل، فهم ليسوا أشياء نتطلع إليها، بل أشبه بشهداء، يمثلون المعاناة والإحساس بالنبذ، وهو ما شعرت بالتقارب معه منذ كنت طفلًا. لقد كنت ذلك الطفل الذي يشاهد ولا يشارك، كنت نحيفًا وهادئًا وأشقر جدًّا، ولم يعجب ذلك بقية الأطفال، فعشت طفولة صعبة، لكني وجدت رفقة بصحبة الوحوش».

يرى المخرج المكسيكي أن الوحوش تعكس عيوبنا ونواقصنا، فنحن أقرب إلى الوحوش منا إلى الكمال، والوحش الحقيقي في فيلم فرانكشتاين هو الدكتور فرانكشتاين نفسه، وليس المخلوق الذي صنعه، فهو شخص متعصب، مصاب بجنون العظمة، ومتغطرس، يريد أن يتحكم في حيوات الناس، في مقابل مخلوق يدافع عن وجوده، ويتساءل عن ماهيته وغاية وجوده.

في المرحلة الثانوية، صنع ديل تورو فيلما قصيرًا عن وحش يخرج زاحفًا من المرحاض، لكنه يجد البشر منفرين، فيهرول عائدًا إلى المجاري.

دين الوحوش

في أفلام ديل تورو هناك دائمًا علاقة معقدة مع الأم أو الجد أو أب غائب، فتظهر العائلة كمصدر رعب.

يلاحظ المُتابع لما أنتجه غييرمو ديل تورو من أفلام، تيمات وهواجس وشخصيات متكررة في عدة أعمال تعبِّر عن قلقه الشخصي. فهو يطرح باستمرار ثنائية الأسطورة أو الحكاية الخرافية مقابل العلم، ويتساءل عن ماهية الروح وخصائص الإنسان والإله ومُحدداتها.

يكثر في أفلامه وجود أجنة مشوهة وأعضاء غير مكتملة التكوين محفوظة كعينات تسبح في الكحول، وأشعة سينية معلقة على الحوائط، وعالِم أو طبيب عجوز أشيب الشعر مولع بفكرة الخلود وعملية الخلق والظواهر الخارقة للطبيعة، ويسكن مكتبة عريقة ضخمة.

في قصصه تلعب الوحوش أدوار الآلهة، والكون الشاسع متعدد الأبعاد والاحتمالات دين بديل، لكنه دين تحكمه قوى لا تعبأ بنا. يتعامل ديل تورو مع الدين كحكاية أخرى من ميثولوجيات متعددة، لكنه يظهر أيضًا كأداة قمع، فقد كانت الكنيسة طرفًا في الصراع الدائر في أثناء الحرب الأهلية الإسبانية التي هي أيضًا حاضرة في فيلمين له.

أسهم عدد من التجارب التي عاشها في تكوين آراء محددة عن الدين المؤسسي المنظم، يصرح في أحد الحوارات بأنه تخلى عن الاعتقاد بوجود أي شيء منظم يحكم الكون، فنحن بمفردنا هنا، وعلينا الاعتماد على أنفسنا.

في أفلامه هناك دائمًا علاقة معقدة مع الأم أو الجد أو أب غائب، فتظهر العائلة كمصدر رعب، ودائمًا هناك أشباح الماضي التي تطارد الحاضر، سواء كان الشبح إنسانًا أو شبح ماضي تاريخي لدولة شكَّل وعيًا جمعيًّا لشعب بأكمله.

القوى السحرية لكاثوليكي سابق

أهدى ديل تورو فيلمه الأول «Cronos» إلى جدته، التي عذبته صغيرًا وحسبته مسكونًا بالأرواح الشيطانية.

يتناول الناقد الأدبي «S. T. Joshi» في كتاب «سينما غييرمو ديل تورو الخارقة للطبيعة: مقالات نقدية» تأثير نشأته الدينية وإلحاده اللاحق في تشكل اهتمامات عدة وأسئلة كثيرة وقلق كبير.

في أول أفلامه الطويلة، «Cronos»، يتناول ديل تورو تيمة متكررة في تاريخ سينما الرعب وأدبها، هي فكرة الخلود. في الفيلم، يكتشف العجوز «غريس»، صاحب محل الأنتيكات، جهازًا صغيرًا عبارة عن قطعة معدنية قديمة على شكل حشرة، صنعها ساحر وكيميائي منذ قرون، وكيفية عمل الجهاز مكتوبة داخل كتاب قديم لا يملكه.

نكتشف لاحقًا أن الجهاز ما هو إلا أداة تُكسِب صاحبها الخلود والمعرفة الكلية. يُخاطب غريس الجهاز قائلًا: «من أنت يا صغير؟ هل أنت إله؟»، وكأنه، أي الجهاز، بمنحه حامله صفة الخلود قد اكتسب خاصية تُرقِّيه ليصبح إلهًا.

يُقتل غريس، ثم يُحيه الجهاز من جديد، لكنه يتحول إلى «فامباير» يحتاج إلى دماء بشرية كي يعيش، فيرفض غريس أن يتغذى على دماء حفيدته، ليموت مرة ثانية. هل يمكن أن تكون هذه طريقة ديل تورو في إعادة حكي موت المسيح وبعثه؟

هناك عدد من الاستعارات الدينية في الفيلم، سواء في أسماء الشخصيات أو في طرح معاني الحياة والموت والخلود الذي هو ثورة على الموت المفروض من الإله. اسم العجوز في الفيلم هو يسوع أو المسيح غريس «Jesus Gris». وهناك مَشاهد كوميديا سوداء يكتشف غريس فيها حاجته إلى الدماء ليصبح خالدًا، فيلعق بلسانه بقعة دم من أرضية حمام، أو عندما يغرس إبرة الجهاز مباشرة في صدره لينزف، وجميعها صور تحمل صدى رمزية دم المسيح في المسيحية، وما تشير إليه من موت وبذل في سبيل حياة أخرى وتحرر أكبر.

الفيلم أيضًا علامة شفاء وتحرر من تأثير جدته وطفولته فيه، في العلاقة المعقدة التي جمعت بين الجد العجوز (يسوع) الساعي للخلود، وحفيدته، أهدى غييرمو ديل تورو فيلمه الأول إلى جدته، للمرأة التي عذبته صغيرًا وحسبته مسكونًا بالأرواح الشيطانية.

أما في «The Devil's Backbone»، فتقع الأحداث عام 1939 في السنة الأخيرة من الحرب الأهلية الإسبانية، في ملجأ للأيتام الذين فقدوا ذويهم خلال الحرب. يتساءل ديل تورو في بداية الفيلم: «ما هو الشبح؟ هل هو روح هائمة بين عالمين، أم مأساة محكوم عليها بالتكرار مرارًا؟»

الروح هي روح الطفل «سانتي» الذي يُقتَل في الملجأ، ويظهر شبحه بعدها لباقي الأطفال، والمأساة هي الحرب نفسها. أو مثلما يقول ديل تورو في فيلم آخر له هو «Crimson Peak»، على لسان البطل الرئيسي: «إنها ليست قصة عن الأشباح، لكن قصة بداخلها شبح، والشبح مجرد مجاز عن الماضي».

يمكن اعتبار قصة الفيلم ككل صورة مصغرة لما كانت تمر به إسبانيا في تلك المرحلة من التاريخ عمومًا. إسبانيا المنقسمة بين فاشية الجيش والكنيسة من جهة، والديمقراطيين من الاشتراكيين واليساريين من جهة أخرى. مَن يدير الملجأ (كارمن والمُعلم دكتور كاساراس) من الفئة الثانية.

يقف الملجأ وحيدًا مهجورًا في وسط الصحراء، بعيدًا عن أي عمران، مثلما كانت إسبانيا متروكة وسط أوروبا تشهد ما كان مقدمة لصراعات فاشية عدة في أوروبا لاحقًا.

الحرب سبب وجود الملجأ من الأساس، ليرعى أبناء الثوار الذين لقوا حتفهم خلال الحرب. وهي أيضًا حاضرة دومًا في خلفية أحداث الفيلم، من خلال وجود قنبلة غير منفجرة سقطت في فناء الملجأ يوم اختفاء «سانتي»، وتعلقت في أذهان جميع الناس أنها سبب اختفائه. قنبلة كبيرة غير منفجرة في وسط الفناء تحتل معظم الشاشة في غالبية المشاهد، وينمو حولها عدد من الشائعات، تمامًا مثلما كانت إسبانيا في أوروبا وقت الحرب.

في أحد مشاهد الفيلم ينقل الأطفال صليبًا كبيرًا عليه المسيح مصلوبًا، ويعلق أحدهم أنه «ثقيل جدًّا بالنسبة إلى شخص ميت»، ثم تنتقل الكاميرا إلى حوار بين كارمن ودكتور كاساراس عن مآلات المقاومة وإسبانيا الجديدة الناشئة الكاثوليكية جدًّا والأخبار القادمة عن سقوط كتالونيا الوشيك: هل انتهت الحرب، فنهرب إلى الأرجنتين، أم أنه ما زال هناك أمل في أن إنجلتر أو فرنسا سيتدخلان؟

يحتفظ الدكتور كاساراس بأجنة ذات تشوهات خلقية أو غير مكتملة النمو في كحول بمكتبه، ويلجأ إلى الشعر والموسيقى كبديل لدين يبدو أنه هجره. يمثل كاساراس العلم: المادية والعقلانية في مقابل الخرافة، وبالتالي لا يصدق في وجود شبح «سانتي».

بحسب حوار له مع مجلة «The New Yorker»، فإن مشاهد الأجنة في الفيلم وثيق الصلة بفترة زار فيها غييرمو ديل تورو مشرحة مستشفى بالمكسيك، رأى فيها أكوامًا من الأجنة الميتة التي تصل يوميًّا. يقول: «رؤية ذلك وضع إيماني على المحك. لا يمكن بأي حال أن يكون للبشر أرواح، فحتى أكثر الأرواح براءة ينتهي كقمامة متعفنة».

متاهة بان

في فيلمه الأشهر «Pan's Labyrinth»، الحائز على عدة جوائز عالمية، منها ثلاث جوائز أوسكار، تعود تيمة الحرب مرة أخرى، هذه المرة عام 1944، أي بعد عدة أعوام من انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية. هنا يمتزج الدين بالسياسة والحكاية الخرافية بحرفية أكبر.

يحكي الفيلم عن الصغيرة «أوفيليا» التي تقابل جرادة سحرية ترشدها إلى مخلوق خرافي هو «بان» الذي يأخذها وسط عالم سحري ومجموعة مهمات لتصبح الأميرة «موانا» ابنة إله العالم السفلي.

في ما يبدو وكأنه دين بديل أو كون موازٍ، تعيش فيه الصغيرة أوفيليا مع حياة الحرب الدائرة حولها في نفس المنزل، حيث زوج أمها هو الكابتن «فيدال» أحد قادة جيش «فرانكو» المكلَّف بمطاردة المتمردين من الثوار الباقين في الجبال.

الكائن الذي يرشد أوفيليا هو «بان»، إله المراعي في الميثولوجيا الإغريقية، الذي أسقطت عنه المسيحية الألوهية، وجعلته شيطانًا بالشكل المتعارَف عليه.

غييرمو ديل تورو الذي يصرح دائمًا بأنه تربَّى في بيت يخبرونك فيه دائمًا بالطريقة الصحيحة للتصرف، وكيف تلبس وتصبح شجاعًا ويعمل خيالك، يصنع هنا أيضًا فيلمًا عن «الثورة والعصيان»، فأوليفيا الصغيرة تعصى أوامر أمها باستمرار، وتعصى بان نفسه حين يأمرها بإيذاء أخيها الصغير، الثوار يتمردون على الحكم الحالي، الدكتور يعصى أوامر كابتن فيدال، و«ميرسيدس» تعمل خادمة متخفية في منزل كابتن فيدال وجاسوسة للثوار.

غالبًا ما تؤدي معظم تلك الأفعال بشخصياتها إلى الموت، لكن ربما عزاؤهم أن كابتن «فيدال» يُقتَل على يد الثوار في نهاية الفيلم، بينما يبقى حكم الفاشية في إسبانيا لثلاثين عامًا أخرى.

في المنزل، يجتمع الكابتن فيدال مع الموالين، ومعهم رجال الكنيسة. يصوِّر الفيلم الكاثوليكية في جانب واحد مع الفاشية، مثلما كانت الكنيسة الكاثوليكية مع الدكتاتور فرانكو في أثناء الحرب.

في أحد الحوارات، يتذكر ديل تورو أنه في أثناء رسمه لشخصية الرجل الشاحب في الفيلم كان قد فقد بعض الوزن، ولاحظ ترهل جلده قليلًا، فرسم الشخصية بجلد مترهل. خلق ديل تورو وحوشه على صورته، كما خلق الدكتور فرانكشتاين وحشه على صورته، وكما خلقنا الله على صورته في العقيدة المسيحية.

بحسب المخرج، فإن الرجل الشاحب في الفيلم رمز للكنيسة، وهو دون عيون كأعمى لا يجد من يرشده، بينما توجد عيون خارجية في يديه يثبتها على وجهه متى أراد أن يرى.

الكائن الذي يرشد أوفيليا في المتاهة (نصف بشري ونصف حيوان، برجل ماعز وجذع إنسان وقرون ومخالب حيوانية) هو «بان»، إله المراعي في الميثولوجيا الإغريقية، والذي أسقطت عنه المسيحية الألوهية، وجعلته شيطانًا بالشكل المتعارَف عليه حاليًّا للشيطان: شبه بشري بقرنين وحوافر.

بعد مقتل أوفيليا على يد كابتن فيدال، تحيا مرة أخرى، وتتجسد شخصيتها في شكل الأميرة «موانا»، وهناك تقابل أباها المتوفى أو إله العالم الآخر، والذي يأتي تصويره كإله مسيحي جالس على عرش، بلحية وشعر أبيض طويل وتاج وثوب واسع، وبجانبه «بان».

يُرجِع ديل تورو الألوهية إلى الآلهة الوثنية مرة أخرى، بأن يعيد استخدام عناصر دينية من عصور ما قبل المسيحية، ويجعلها فاعلة في سياق قصصي مرة أخرى. الحكاية الخرافية هنا بمثابة دين، لكنه دين مختلف بشكل كلي.

قد يعجبك أيضًا: 4 مخرجين بمثابة مدارس سينمائية مستقلة

شكل الماء

آخر وحوش ديل تورو أوصله إلى 13 ترشيحًا لجوائز الأوسكار. بدأت فكرة الوحش في «The Shape of Water»، وهو في السابعة من عمره، بعد مشاهدته فيلم «Creature from the Black Lagoon»، وهو فيلم رعب يحكي اكتشاف مخلوق برمائي غير معروف خلال رحلة بحثية في غابات الأمازون.

تبدأ علاقة حب بين الوحش والبطلة تقود البطلة نفسها إلى رحلة استكشاف للتعرف على ذاتها.

يتذكر ديل تورو وقت مشاهدته الفيلم قائلًا إنه كان أجمل تصميم لمخلوق رأيته في حياتي، وعندما كان يسبح للحاق بـ«جولي آدامز» ظننت أنها بداية قصة حب، وأن الفيلم سينتهي وهما معًا، وهو ما لم يحدث، بل قُتِل في النهاية.

سيصحح ديل تورو ذلك وعكسه مؤقتًا وهو لا يزال طفلًا، برسم اسكتشات متنوعة للوحش ومحبوبته وهما يتمشيان، أو يأكلان آيس كريم، أو يركبان دراجة. وسيُصحح ذلك الوضع كلية بعدها بستة وأربعين عامًا في فيلمه «شكل الماء» الذي استغرق تصميم شكل الوحش وتنفيذه ثلاث سنوات كاملة.

البطلة هنا «إليزا»، بكماء نتيجة حادثة تعرضت لها وهي صغيرة، وتعمل كعاملة نظافة في مختبر سري تابع للحكومة الأمريكية في أثناء الحرب الباردة، إذ يقبع الوحش، وهو حيوان برمائي اكتُشف في غابات الأمازون. وتأمل السلطات الأمريكية، بقيادة «الكولونيل ستريكلاند»، في تشريحه لأغراض بحثية، واستخدامه في مجال غزو الفضاء في سباقها مع روسيا. يعذب الكولونيل ستريكلاند الوحش بشتى الطرق، بينما تنشأ بين الوحش وإليزا علاقة قوية.

تبدأ علاقة حب بين الوحش والبطلة تقود البطلة نفسها إلى رحلة استكشاف للتعرف على ذاتها، ولا تنتهي القصة بأن يتحول الوحش إلى أمير حتى يصبح حبهما مقبولًا كما في حكايات ديزني، والبطلة شخص فاعل في هذه القصة، ليس كحب الوحش «كينغ كونغ» للجميلة مثلًا.

الوَحش في «شكل الماء» هو إله النهر عند أقوام سابقين، وله قدرات شفائية خاصة، إذ يشفي في أحد المشاهد جرح أحدهم، ويجعل شعر رجل أصلع ينمو مجددًا، وهو نصف إنسان ونصف سمكة، بما يحمل رمز السمكة من أهمية دينية، وبخاصة أنه استُخدِمَ رمزًا للمسيحية منذ القرن الأول الميلادي (تمامًا مثل رمز الصليب)، الحروف اليونانية لكلمة سمكة هي «إخثيس»، وهي الحروف الأولى لكلمات «يسوع المسيح ابن الإله المخلِّص» باليونانية.

الكولونيل ستريكلاند هو الشرير في الفيلم، والطرف الآخر في الصراع مع الوحش، يردد آيات وقصصًا من الإنجيل مرارًا، ويدافع عن تعذبيه للوحش بأنه لا يمكن أن يكون إله نهر أو أيًّا من مخلوقات الله، فقد خلقنا الله على صورته، وصورة الله بالنسبة إليه مثله: رجل أبيض. فلا يمكن أن يكون على صورة هذا الوحش، ولا يمكن أيضًا أن يكون على صورة «زيلدا» السوداء، صديقة إليزا وزميلتها في العمل.

قرب نهاية الفيلم يطلق ستريكلاند النار على الوحش، لكنه يتعافى ويشفى تلقائيًّا من أثر الطلقات، عندها يُقر ستريكلاند مصدومًا: «أنت حقًّا إله»، واضعًا ربما قناعاته الدينية كلها محل شك وتساؤل. فما هو شكل الإله؟

تتكرر الإشارة في الفيلم إلى قصة «شمشون ودليلة» من العهد القديم، خلال الفيلم عدة مرات. تحكي القصة عن شمشون الممنوح قوة هائلة من الرب تجعله يفتك بأعدائه، ثم يقع في حب «دليلة» التي تخونه وتبوح بسر قوته إلى أعدائه فيُهزم. يدعو شمشون الله أن يمنحه القوة مرة أخيرة لينتقم، وبالفعل يهدم المعبد على أعدائه ويموت معهم، في رسالة أخلاقية مفادها أنه على الرجل القوي أن يأخذ حذره أمام المرأة المحتالة الداهية وأمام قوة الهوى والجسد، وفي مدح الانتقام حتى لو كان سيدمرك أنت شخصيًّا.

يرى ستريكلاند نفسه مثل شمشون في القصة، تخدعه امرأة هي إليزا، ويُقتل في النهاية مثل شمشون، بينما لا يصل إليه أي منحة من أي رب. لكن الفيلم يقوِّض القصة الدينية الموروثة أو الحكاية الشعبية، ويقدم تفسيرًا مختلفًا لها، بأن جعل المرأة «إليزا» هي البطلة، وليس ستريكلاند/ شمشون.

لافكرافت: من أين جاء كل هذا الرعب؟

تحولت بعض قصص  هوارد فيليبس لافكرافت إلى أعمال سينمائية. لكن جميعها كانت أفلامًا بميزانيات منخفضة، ولم تحظ بأي شهرة.

تحدث ديل تورو نفسه عن تأثير «هوارد فيليبس لافكرافت» (1890-1937) فيه، وهو كاتب أمريكي اشتهر بكتابة أدب الرعب والفانتازيا والغرائبيات، ويضارع في هذا النوع من الأدب «إدغار الآن بو»، وأثرت كتاباته في أجيال لاحقة. يقول ديل تورو: «أول ما قرأت للافكرافت كانت قصة (نداء كثولو)، وقد صدمتني لأنها خليط من الكوزمولوجي والأنثروبولوجي والرعب... كان لافكرافت وجوديًّا بقدر ما كان ألبير كامو».

خلق لافكرافت عوالم وشخصيات ومخلوقات غريبة وميثولوجيا كاملة خاصة به، وأعاد استخدام عناصرها مرارًا في قصص عدة. لم تكن عوالمه بالنسبة إليه مجرد خيال أو قصص يبتدعها، بل آمن فعلًا بوجودها، طبقًا لبعض الباحثين في أعماله وحياته. لم تُنشَر كتابات لافكرافت مُجتمعة في كتاب واحد في حياته، ونُشرت متفرقة في عدة مجلات.

يتشابه لافكرافت مع ديل تورو في كثير من الأمور: الحساسية المفرطة، الشعور بالاختلاف والنبذ، مع طفولة ليست مثالية تمامًا ومليئة بكوابيس وأحلام مروعة، والتخلي عن المسيحية، وخيال جامح وإيمان بأن الوحوش الحقيقيين هم بنو البشر.

هناك تيمات متكررة ومتشابهة في كتابات لافكرافت، يصفها أحمد خالد توفيق في مقدمة ترجمته لبعض قصصه: «الشخصيات الحساسة غريبة الأطوار التي تعيش منفردة وتتصل بسر مخيف غامض، الإيمان بالأشباح والوحوش بشكل يتجاوز الولع الأدبي إلى ما يشبه الافتنان الديني بالفكرة، فهم حجم الكون المروع الذي يبدو فيه وجودنا البشري مجرد حوادث عارضة».

يبدو ديل تورو متأثرًا بلافكرافت في معظم أعماله، وحشه البرمائي في فيلم «شكل الماء»، وأيضًا وحشه في نهاية فيلم «Hellboy» (أخطبوطي الشكل، وله عدد من المخالب)، يتشابه كلاهما كثيرًا مع وحش أشهر قصص لافكرافت «نداء كثولو» الصادرة عام 1928، يصف لافكرافت وحشه كالآتي: «كان ارتفاعه نحو سبع بوصات، يمثل وحشًا له منظر شبه بشري، لكن رأسه أخطبوط، وجلده زلق مغطى بالحراشف، وله جناحان صغيران. كان الرأس مائلًا إلى الأمام، بينما امتدت ممساته تلمس مخالبه الأمامية».

تحولت بعض قصص لافكرات إلى أعمال سينمائية. لكن جميعها كانت أفلامًا بميزانيات منخفضة، ولم تحظ بأي شهرة، ومع ذلك يمكن ملاحظة بَصمته الشخصية وتأثير كتاباته على عدد من الأفلام، منها: «Re-Animator» و«The Thing»، وأعمال ريدلي سكوت، مثل: «Alien» و«Prometheus».

قد يهمك أيضًا: «للكبار فقط»: تاريخ تصنيف الأفلام عمريًّا

في عام 2006، أنهى غييرمو ديل تورو كتابة سيناريو لقصة لافكرافت الأشهر «عند جبال الجنون» التي تحكي عن بعثة علمية يقودها مجموعة باحثين إلى القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا»، ليكتشفوا مدينة قديمة مأهولة بفضائيين، ما يهدد حياتهم بالخطر.

الفضائيون يخضعون لتحورات جينية عديدة، ما أتاح لغييرمو ديل تورو رسم عشرات من المخلوقات والوحوش المختلفة شكلًا وموضوعًا.

من الأجدر ببث الحياة في عوالم لافكرافت غيره؟ قدَّم ديل تورو الفكرة إلى شركة «وارنر بروس»، فيلم رعب يحمل تقييم «R»، ومن إنتاج «جيمس كاميرون» و«توم كروز»، لكن فيلم بتقييم (R) وميزانية ضخمة وسيناريو بنهاية مؤسفة ودون قصة حب، لكاتب يصعب تحديد عدد محبيه حاليًّا، يحتمل عددًا من الأخطار، فرُفِضَ الفيلم من ستوديوهات هوليوود.

الآن، وبعد فوزه بالأوسكار، يطالب كثيرون ديل تورو بإعادة إحياء مشروعه القديم، وإعطائه فرصة مرة أخرى. فهل نرى رؤيته المباشرة هذه المرة لأحد أهم أعمال لافكرافت على الشاشة؟