الأقل حظًّا

«غني عن التعريف»: كيف يعبر الغناء عن قبول التعدد الجندري؟

«غني عن التعريف» مشروع موسيقي ليس له من اسمه نصيب. بادرت به مؤسسة «القوس» لدعم التعددية الجندرية، ولم ينل حظه من التعريف على الرغم من أنه متميز على مستويات عدة، أهمها أنه نتاج ورش عمل شارك فيها فنانون متنوعو الهويات الجنسية، وبذلك يكون أول مشروع لم يكتف بتبني القضية من بعيد، دون التصريح بها، كحال «مشروع ليلى» و«تيريز سليمان» في أغنيتين، خوفًا من صدام مجتمعي محتمَل أو فقدان جماهيرية، بل هو مشروع أصلي يعبر العاملون فيه عن هوياتهم تعبيرًا مباشرًا.

نتج عن هذا المشروع الفلسطيني الألبوم الموسيقي «غني عن التعريف». وكلمة «غني» فعل الأمر من «يغني»، وليس لها علاقة  بالغنى، أي الثراء. وإضافة إلى رسالته التي تدعو إلى قبول الآخر بشكل عام، يحمل قيمة موسيقية حقيقية من خلال ثماني أغنيات من منطقة صناعة الأغنية البديلة، تعتمد على الحرية الكاملة في التناول الموسيقي والكلمات أيضًا، وتحمل تصورًا موسيقيًّا متدرج القوة والتعبير حتى الوصول إلى ذروته مع آخر أغنية، وستظل تجربة فريدة في صناعة الأغنية العربية.

«مناكير»

كلمات وألحان وغناء: هيا زعاترة.

في قالب من موسيقى الروك البسيط، وباستخدام ثيمة متكررة على الغيتار الخشبي (الأكوستيك)، تناقش أغنية «مناكير» فكرة إخفاء الهوية وراء قناع يومي، وخوف الأنثى من التعبير عنها في مجتمع تصبح فيه وحيدة ضد تيار عام، حتى يصل الأمر إلى حد الخوف من الاحتجاز الأمني، مثلما تقول: «أسهم بتأشر بس طريقي الجهة التانية»، و«تقفيش بيصير صار واضح كتير من ضدنا ومين معنا» .

على المستوى الموسيقي، وقعت الأغنية في فخ «الروك» العربي عمومًا، واضطرت المغنية إلى مط مقاطع الكلمات حتى تلائم إيقاع «الروك»، ويوجد تعثر بسيط لإيقاع الغيتار.

«جئت إلى أهلي»

كلمات وألحان: جوان صفدي

غناء: جوان صفدي وهيا زعاترة

ما زال قالب الروك مسيطرًا وإن تلامس مع روح موسيقى «البلوز» و«الدووم»، ومزج بين الغيتارين الخشبي والكهربائي في براعة. لكن كان صولو الغيتار الكهربائي ضعيفًا للغاية من ناحية التأليف الموسيقي، وما زالت الجمل الموسيقية المتكررة مسيطرة على تكوين الألحان. وإن كان استخدام التناغم الصوتي المبني على طبقات الهارموني والموثرات الصوتية جديدًا، فإنه جعل الأغنية ثرية موسيقيًّا على بساطتها.

وتظل جملة مثل «أنا راجع إلى بير السبع»، غير مفهومة لمستمع مصري مثلًا، وتحتاج إلى تعريف المكان أو تجهيله.

«قناع جديد»

كلمات وألحان وغناء: جوان صفدي

تغيَّر الأداء الصوتي تمامًا لنقيضه في هذه الأغنية التي تنتمي إلى موسيقى «الهارد روك» و«الغروف» العنيف الصريح. والحقيقة أنها متكاملة للغاية. ومن الملحوظ تغير علو الطبقات، لكن هناك قليل من الإخفاق في إصابة النغمات والدقة وتقطيع الكلمات المغناة.

وما زالت فكرة الأقنعة مسيطرة، مثل جملة «لازم أخبي طبيعتي الممنوعة». وهذا تضاد مع النوع الموسيقي العنيف الصريح الذي قلما خرجت منه أغانٍ عربية بهذا الإحكام. والصوت في المجمل قريب من طريقة غناء هارد روك الثمانينيات والتسعينيات.

«القصيدة الشريرة»

كلمات: نزار قباني

ألحان وغناء: جمع تكسير

هذه القصيدة لم يحاول أحد تلحينها من قبل. وهي المحطة التالية في رحلة التعريف بالتعدد الجندري في المشروع، فهي بدء الإفصاح بشكل مباشر عن علاقة بين فتاتين بتفاصيلها بوضوح وبلغة شعرية تعتمد على التشبيه. واللحن في قالب «إلكترو فانك»، وإن كان «مونوتوني»، أي جملة تتكرر، تخللها أخطاء في نطق اللغة العربية، لكن شفعت لها جودة الإنتاج الموسيقي للحن إلى حد كبير.

قد يهمك أيضًا: فتاة مثلية في مجتمع عربي: أبعاد إضافية للقهر

«أنا حرة بحالي»

كلمات: ريمون حداد ومي عبادي

ألحان: ريمون حداد

غناء: ميساء ضو

نقلة أخرى، وخطوة أكبر نحو التصريح بالهوية المثلية في هذه الأغنية. فالموسيقى والفكرة يطابقان أغنية «ستينغ» «Don.t Judge me».التي تتناول موضوعًا مماثلًا. في مزيج من موسيقى «الجاز» و«الفانك» و«البروغريسيف روك»، وبلغة عامية مرة أخرى، تخاطب الفتاة محبوبتها المرتقَبة التي أيقظت بداخلها إدراكها لهويتها. وفي النصف الآخر من الأغنية، يكون الخطاب موجهًا إلى الآخر الذي لا يفهمها، مثل: «مانت مثلي وأنا مثلي مثلك، يمكن لو انت مثلي كنت فهمت، حاول تحط نفسك مكاني».

مع هذه الأغنية من المشروع، الموسيقى بدأت في اتخاذ أكثر من بُعد، وبدت أكثر تجسيدًا للفكرة العامة للألبوم، لأنها أصبحت أشبه بموسيقى تصويرية لمشاهد الحكاية-الرحلة، بسيطة، وتواكب الحكي ووصوله إلى ذروة متوقعة.

«زمزم»

كلمات: محمد حليم

ألحان وغناء: جمع تكسير

في أداء أكثر جودة من أغنية «القصيدة الشريرة»، يعود «جمع تكسير»

بتقديم أداء مرح إلى حد ما، على موسيقى لاتينية راقصة، تخللها الطبلة، ليحكي عن الولد الشاطر «زمزم» الذي يحب أن يرتدي كيفما بدا له، رغم تعكير والده وجيرانه المستمر لحياته. بل تحكي الأغنية كيف أحب نفسه كما هي رغم أنف جميع الناس.

الأغنية أصلية للغاية، أي لا شبيه لها في ما قدَّم من قبل، وذات لحن جاذب للغاية وصعب النسيان، وبها جانب خفيف فكاهي أضفاه غيتار «الفانك الإلكتريك».

قد يعجبك أيضًا: مثليون ومتحولون جنسيًّا: حكايات الذل في بلاد العرب

«ثلاث قصائد»

كلمات: شهد عيساوي

ألحان وغناء: أبورابوص

هذه الأغنية عن الكائنات الخرافية المتوحدة الجسدين من ذات الجنس، والتي عوقبت بالفصل عن بعضها ردًّا على غرورها وآثامها. وهو الجانب الميثولوجي الذي يعطي بُعدًا تفسيريًّا وأصلًا محتملًا للقضية العامة.

تجسَّد هذا التناول الميثولوجي في صوت «باص» عميق، على خلفية من الموسيقى الإلكترونية المصممة جيدًا من حيث نقاء الأصوات وتوقيتاتها، ودخول مقاطع بصوت لطفي بوشناق أعطى بُعدًا جديدًا للمعنى. وهي حيلة استُهلِكت كثيرًا في الموسيقى الإلكترونية من اقترانها بارتجال شرقي، لكنها هنا بدت مناسبة للغاية وجيدة حين صُممت العناصر المحيطة بها بعناية، وكان الحكي فوق كل هذا مراعيًا للفكرة الموسيقية، والمنتج الفني كاملًا جيدًا.

اقرأ أيضًا: اختراع المغايرة الجنسية: ما هو «الطبيعي»؟

«بحبك»

كلمات: محمد حليم

ألحان: جمع تكسير

غناء: رُلى عازر

في ختام رقيق، يغني صوت رلي عازر في هذه الأغنية حبًّا صريحًا، على لحن رقيق يحمل روح «الجاز» و«الفالس» معًا، روح فرنسية مبهجة. وكما تميز السطر الغنائي بكتابته، تميز التوزيع الغريب للغاية على هذا النوع من الأغاني، لكنه احتمل وجود الجيتار الكهربائي من جديد، بل ووجود «الدجيمبي» كآلة إيقاعية كُتِبت لها سطور رائعة.

بشكل عام، وعلى الرغم من بساطة الألبوم إنتاجيًّا من ناحية الآلات والإنتاج الموسيقي، فإنه كان مناسبًا لفكرة التعريف بمفهوم، والبدء من البداية، ولم يتعارض هذا مع الجودة، سواء من حيث التسجيل أو الأداء أو هندسة الصوت أو الإنتاج الموسيقي. وهذا عنصر مميز للإنتاج الموسيقي الفلسطيني واللبناني والأردني بشكل عام، بغض النظر عن جودة الكلمات أو الأداء أو الفكرة.

خرج الألبوم كأنه رحلة مرتبة الأفكار، ومنتقاة بعناية مثلها مثل الأشكال الموسيقية التي تحرص على التنويع بينها، وملائمة لوجهة النظر التي تحكي أو البطولة. وهذا يظهر في إخراج العمل ككل في صورة موسيقية تصويرية، وتجربة شيقة جديرة بالتعرض لها، حتى إذا مر وقت عليها.