فن وهندسة

«فانك الكاريوكا»: رحلة البحث عن الموسيقي التي أنتجت «Bum Bum»

لقطة من أغنية «Bum Bum Tum Tum» - الصورة: Canal KondZilla

بعد عقود من نجاح تصدير موسيقى «البوسانوفا» البرازيلية، عبر أوروبا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية، إلى العالم، ظهرت موسيقى تخالف كثيرًا «المحتوى الراقي» لهذه الحركة الفنية، موسيقى تعكس ما يحصل في عشوائيات ريو دي جانيرو (فافيلا) من تفشي الفقر والمخدرات والجنس والمعارك المستمرة مع السلطة: «فانك الكاريوكا»، أو ما يُعرف بـ«فانك ريو دي جانيرو»، أو «فونكي»، كما يُنطَق في البرازيل.

كان اللقاء الأول مع هذا النوع من الموسيقى عندما عملت في البرازيل بين عامي 2010 و2011، حين كانت تُعزف ويُرقص عليها في عدة محافل في ريو دي جانيرو، من قاعات الاحتفالات إلى الطرقات العامة. جذبني نوعية الإيقاع والكلمات المستخدَمة، إضافة إلى انتشارها وتضارب الآراء حولها لدى الأصدقاء البرازيليين.

اللقاء الثاني الذي حفزني أن أكتب عنها هو انتشار أغنية «Bum Bum Tam Tam»، التي تتبع هذا النمط الموسيقي عالميًّا، ووصولها إلى محطات البث والإذاعة في المنطقة العربية.

مستغلًّا عودتي إلى ريو دي جانيرو الأخيرة، تمكنت من البحث أكثر في هذه الموسيقى والحديث عنها مع البرازيليين، إضافة إلى نجاحي في حضور إحدى أكثر الحفلات مناعةً ضد «الأجانب»، حفل تُرتِّب لتنفيذه وتحرسه العصابات المتحكمة في «فافيلات» ريو دي جانيرو.

بعض المدافعين عن هذه الموسيقى يرون أنها تعكس حقيقة الحرية الجنسية في البرازيل، وتتناول موضوعات مهمة تعكس هموم المجتمع الفقير.

أخذ هذا النوع اسم «فانك» (Funk) من الموسيقى التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية، ليطور نوعًا من الموسيقى يلقى كثيرًا من النقد السلبي، إلى حد اعتباره من أسوأ صادرات البرازيل. لكن رغم كل الانتقادات، حازت تلك الموسيقى شعبية محلية وعالمية.

إضافة إلى الرقص الإيروتيكي (الشهواني) المرتبط بفانك الكاريوكا، ومجتمعات العصابات المرتبطة به، فإن الموضوعات التي يتناولها غناء هذه الحركة يحتوي على كثير من العنف،  وتبجيل لوردات المخدرات، وترسيخ النظرة المادية للمرأة، بل ويتعدى هذا إلى مدح ممارسة الجنس مع الفتيات الصغيرات. يُذَكِّرنا هذا بـ«فن الكسرات» الذي انتشر في السعودية ودول الخليج، وتجاوز الأسلوب الشعري إلى حركة غنائية تطرقت لكثير من تابوهات المجتمع والأشياء التي لا يرغب كثيرون في التصريح بها

بعض المدافعين عن هذه الموسيقى يرون أنها تعكس الحقيقة والحرية الجنسية في البرازيل، إضافة إلى تناولها موضوعات مهمة تعكس هموم المجتمع الفقير.

يذكر «مستر كاترا»، الـ«DJ» السابق، أو كما يُطلَق عليهم «MC» أو «سيِّد الحفل»، أن الفانك «لا يقتصر فقط على موضوعات المخدرات، لكنه أيضًا يتكلم عن الفساد في البلد والعوز الذي يعيشه الفقراء هنا»، إضافة إلى فقدان العدالة الاجتماعية، وبخاصة في مجتمع السود والمجتمع الفقير في الفافيلات (Favela تُطلق على الأحياء الفقيرة والعشوائيات).

كذلك تأتي سيدة الحفل «إم سي كارول»، النسوية التي تتحدث عن العنف ضد النساء في الفافيلات، مثالًا على أن موضوعات فانك الكاريوكا لا تركز فقط على المسائل السابق الاعتراض عليها، وأنها أكثر من مادة للرقص فقط. «إم سي ديدو» أيضًا يحذر الشباب من سلوك طريق السجون، وينصحهم بممارسة شيء مفيد كلعب الكرة للخروج من عالم الفقر.

مرت حركة فانك الكاريوكا بعدة مراحل منذ أواخر السبعينيات إلى ما بعد الألفية الثانية الميلادية. وتأثرت بعدد من المدارس والحركات الموسيقية التي انتشرت بين الأمريكان السود، مثل «الراب» و«الهيب هوب» و«الفريستايل». التأثير الأكبر والأكثر مباشرة على أي حال يُعزَى إلى موسيقى «ميامي باس» التي زادت شعبيتها في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته في مدن جنوب ولاية فلوريدا.

«دي جي مالبورو» (DJ Marlboro)، يعد أحد مؤسسي حركة فانك الكاريوكا، وذلك بتقديمه موسيقى يتقاطع فيها الهيب هوب والفريستايل وعدد من الأغاني الأمريكية المترجمة إلى البرتغالية، إضافة إلى ترويجه لهذه الموسيقى بالمشاركة في برامج الراديو والمقابلات الصحفية

الفانك المحرم

أغنية «Rap das Armas» من الفيلم البرازيلي «Tropa de Elite»

يقدم أفراد عصابات المخدرات أنفسهم «الفانك البروبيدو» وتنظر إليه السلطة على أنه جريمة.

يأتي «الفانك البروبيدو» أو «البروبيداو» (Proibidão) بمساحة حرية أكثر في دعم لوردات المخدرات، وتبجيل انتصاراتهم ضد الشرطة بشكل واضح، واستخدام الكلمات المحظورة أو الشتائم الصريحة (palavrão).

هذا الفانك لا يصل إلى قنوات الراديو ولا الملاهي الليلية العامة، لكنه يجد قبولًا عند عدد كبير من المجتمع الفقير، ويغذي مادة الحفلات التي تُحيا في الفافيلات. وبهدف الوصول إلى عدد أكبر من الجمهور، كثير من هذه الأغاني يعاد تسجيله بكلمات «مسموحة» أو أخف وطأً.

يشابه هذا النمط من الفانك حركة «راب العصابات» في أمريكا (Gangasta Rap)، ومعاركها الكبرى بين مغني الساحل الشرقي والساحل الغربي الأمريكي. إلا أن هذه المعارك، في حالة ريو دي جانيرو، تحدث بين أفراد العصابات والشرطة، أو الجيش في الغالب.

يكتب كثيرًا من هذا النوع من الفانك ويقدمه أفراد عصابات المخدرات أنفسهم، وتنظر إليه السلطة على أنه جريمة. في هذا السياق، فإن أغنية «راب السلاح» (Rap das Armas)، التي قدمها «MC Junior» و«MC Leonardo»، القادمان من فافيلا «روشينا»، عام 1995، هي أول أغنية تُسمى رسميًّا «فانك بروبيدو». هذه الأغنية استُخدمت في الفيلم البرازيلي الشهير «Tropa de Elite» الذي يناقش الفساد والفقر والجريمة.

اقرأ أيضًا: «هز الخصر» كفعل مقاوم للفكر الذكوري في تونس

في مسرح الحدث

تتجول العصابات المتحكمة في الحي بكل أنواع الأسلحة، والأجهزة اللاسلكية، إضافة إلى ارتداء الذهب، كنوع من استعراض القوة.

بداعي الفضول وإثراء الموضوع، أردت أن أذهب بنفسي لرؤية حفلات الفانك التي تحدث في الفافيلات، لرؤية المسرح الفعلي لهذه الحركة. واستطعت بالفعل الوصول إلى هناك بصحبة أحد القاطنين في إحداهن، والذي تعرفت إليه في مكان عمله في كوباكابانا. وكان شرطه عليَّ ألا أجزع، وألا أصور أي شيء هناك.

وصلت بصحبته على دراجته النارية، وعند مدخل الحي طلب مني إزالة الخوذة وإمساكها بيدي كي لا أبدو غريبًا. كانت الساعة اقتربت من الواحدة ليلًا، ولم تبدأ الحفلة بعد،  لذا ذهبت معه في جولة حول الحي، تخللتها عدة وقفات في ساحات احتفال مختلفة مليئة بالبارات والسيارات المجهزة بسماعات كبيرة تتقاطع موسيقاها من ارتفاع الصوت، إضافة إلى عدد كبير من سكان الحي يرقصون في الشوارع والساحات على أنغام «الفوهو» و«السيرتانيجا». خلال الجولة شاهدت رجلًا يحمل بندقية صيد كبيرة ومزينة.

بعد أن سلمنا على عدد من أصدقائه الذين يعمل بعضهم في المنطقة الجنوبية من ريو دي جانيرو كذلك، وبدوام جزئي في الحي خلال الليل، اتجهنا إلى موقع الحفلة الذي كان عبارة عن مساحة كبيرة مربعة (بلوك) محاطة بحواجز مؤقتة، يتوسطها منصة عالية يقف عليها «أسياد الحفلة» (MCs) والدي جي.

هنا أصبح وجود العصابات المتحكمة في الحي واضحًا، يتجولون بكل أنواع الأسلحة، من البنادق إلى الرشاشات الآلية كالكلاش وال M16، إضافة إلى أجهزة لاسلكية تراهم يستخدمونها بين الفينة والأخرى في أثناء تجولهم، وكأنهم في مهمة حراسة المكان.

أخبرني رفيقي بأن كل هذا، إضافة إلى ارتداء الذهب، يعد استعراضًا للقوة منهم. كذلك أشار إلى أحدهم، وهو شخص لطيف مع الناس، ويرقص معظم الوقت معهم، ويرتب على أكتاف من يتحدث إليه. أخبرني رفيقي بأنه «الرئيس» (Big Boss) كما قال، رغم صغر سنه.

مع ازدياد عدد الحضور والراقصين في الساحة من حولنا، وزيادة عدد الأسلحة بشكل لم أتخيله من قبل، قال لي رفيقي: «هذا المكان هو الأكثر أمنًا في ريو، أقسم لك».

كانت الأغاني كلها من فانك الكاريوكا البروبيداو، لكن معظمها موجه إلى الاحتفال، والحديث عن الحصول على فتاة يافعة بكلمات جنسية صريحة، مع قليل من تبجيل العصابات المتحكمة في الحي.

تفاعل الحضور بشكل كبير مع أغنية «بروبيداو» مقتبسة من أغنية «Bella Ciao» التي ذاع صيتها بسبب مسلسل «La casa de Papel».

رغم خروجنا من الحفل قرابة الفجر، فإن أعداد القادمين إلى الحفل كان يزداد. وعند سؤالي رفيقي عن ذلك أخبرني بأن مثل هذه الحفلة تستمر حتى منتصف اليوم التالي، ويتبعها بعد ذلك «Feira» (سوق مفتوحة) تبيع كل شيء تقريبًا حتى باقي اليوم.

لفت نظري انعكاس التقدم التقني في العالم على الناس هناك، فليس غريبًا أن ترى فتاة ترقص وهي تقلب في صور انستغرام أو فيسبوك على هاتفها الذكي. أما السيلفي والتقاط الصور، فلم أشهده هناك، وكأن إبقاء المكان بعيدًا عن متناول «الميديا» في الخارج عُرف مقدس لدى جميع الحاضرين.

قد يهمك أيضًا: حكاية الرقص الشرقي من شارع الهرم إلى هوليوود وأوروبا

أكاديميًّا

الأنثربولوجي «هيرمانو فيانا» كان أهم من تناول حفلات الفانك (بايلي فانك) أكاديميًّا، في رسالته للماجستير عن الموضوع عام 1987.

يذكر فيانا أن حضوره هذه الحفلات، التي غالبًا ما تكون في الفافيلات، كان بسبب الفضول والرغبة في الاستماع لموسيقى جميلة مختلفة في بادئ الأمر. إلا أن هذا نتج عنه بحث مطول عن هذه الحفلات ورموزها وديموغرافية الحضور، إضافة إلى النشاطات المختلفة، من الرقص إلى تعاطي المخدرات والاستعراض بالأسلحة.

بناء على المعلومات التي حصل عليها آنذاك، يؤكد فيانا أن هناك أكثر من 700 حفل فانك كل عطلة نهاية أسبوع في ريو،  ويجذب كل حفل عددًا كبيرًا من المراهقين والشباب يصل إلى ألف في الحفل الواحد.

لكن كل المعلومات التي نعرفها من فيانا يعود عمرها إلى 30 عامًا مضت، ومن السهل تخمين أن هذه الأرقام زادت دراماتيكيًّا، بازدياد شعبية موسيقى فانك الكاريوكا وحفلاتها.

فانك الكاريوكا: من، إلى...

أغنية «Bum Bum Tam Tam»

في المنطقة العربية، انتشر رقص فانك الكاريوكا في الحفلات الخاصة، ونجد تشابهًا بينه وبين ما يُعرف بـ«المعلاية»، الذي ارتبط بأغنية «دقني».

اليوم نجد أن فانك الكاريوكا وصل إلى العالم عن طريق منتجي الموسيقى الأمريكية والأوروبية، بل وعن طريق المغنين والمنتجين البرازيليين أنفسهم.

«إم سي فيوتشي» (MC Fioti) البرازيلي يسطِّر آخر إنجازات هذه الحركة، وفيديو كليب أغنيته «Bum Bum Tam Tam» شوهد حتى وقت كتابة هذا الموضوع أكثر من 800 مليون مرة على يوتيوب فقط، ويمكنك أن تسمعها في كل دول العالم، وحتى في قنوات الراديو العربية. رأى موقع «Vice» الأغنية إنجازًا كبيرًا للفانك، ورجح أنها الأكثر استماعًا في تاريخ فانك الكاريوكا عبر يوتيوب.

أما الرقص المرتبط بالحركة، والذي يُعرَف في الغرب بـ«البوتي دانس»، فقد صار معتادًا في الحفلات والمحافل الغنائية،  حتى إن مغنيات جيل الشباب، مثل «مايلي سايرس» و«سيلينا غوميز» أدَّتا الرقصة في حفلاتهما المنقولة وغير المنقولة.

وفي المنطقة العربية، انتشر ذلك النوع من الرقص، لكن في الحفلات الخاصة، وكذلك عبر حسابات وهمية لشخصيات مجهولة جذبت كثيرًا من المتابعين خلال ذروة شهرة تطبيق التواصل «كيك» (keek). كذلك نجد تشابهًا مع ما يُعرف بـ«المعلاية»، الذي ارتبط بأغنية «دقني»، والتي تشبه كثيرًا إيقاع فانك الكاريوكا

سواء كان النقد مع هذه الحركة الموسيقية أو ضدها، فإنها خرجت من فقر ريو دي جانيرو إلى العالم، وفانك الكاريوكا يسطِّر تاريخًا مهمًّا لهذه المدينة، وللبلد ككل، ويجد له مكانًا بارزًا في الحضارة البشرية وطرق التعبير التي تتعدى حاجز اللغة.

, , , , ,