الشاشة

ديستوبيا السينما: لأن الواقع ليس سيئًا كما تظن

لقطة من فيلم «Never Let Me Go» - الصورة: Fox Searchlight Pictures

بدأ أفلاطون الحديث عن «اليوتوبيا»، وقدمها بعد ذلك الفيلسوف والمفكر البريطاني «توماس مور» في كتابه «اليوتوبيا» عام 1516، ثم توالت الإنتاجات الأدبية تتناول المدينة المثالية التي يعيش فيها البشر بسلام تام، ولا يوجد فيها أي أثر للشر.

ثم ظهر نوع آخر من الأدب يُدعى «الديستوبيا»، وهو على نقيض اليوتوبيا يقدم تصورًا مظلمًا جدًّا عن المستقبل، يعيش فيه الإنسان كارثة حقيقية، وتسيطر مجموعة من الفاسدين على الحكم، ويفقد المحكومون حريتهم ومواردهم.

ظهرت الديستوبيا باعتبارها نوعًا من التنبؤ أو تحذيرًا مما ينتظر البشر من مصير مظلم، فالإنسان في طريقه إلى البحث عن اليوتوبيا يتجه دون وعي إلى الأفعال الفاسدة، ومن هنا تأتي الديستوبيا: ديستوبيا التلوث، ديستوبيا المسافة بين الأغنياء والفقراء، ديستوبيا الحكم الشمولي الظالم.

بدأ الأدب الديستوبي في الانتشار مع الثورة الصناعية، حين اتسعت الفوارق الاجتماعية بين العمال والطبقة الغنية، مما دفع الأدباء وقتها الى الغرق في التشاؤم، ولعل أشهر ما كُتب في ذلك الوقت رواية «العقب الحديدية» للروائي الأمريكي «جاك لندن».

بعد الحرب العالمية الأولى، شعر الأدباء والفنانون بمدى الانحطاط الذي وصل إليه العالم، وساد تيار تشاؤمي عدمي في إنتاجهم، ويُعتبر الروسي «يفغيني زامياتين»، بروايته «نحن»، الأب الروحي للأدب الديستوبي الحديث، إذ يعبِّر في روايته عن غضبه من المسار الذي اتخذته الثورة في روسيا.

أثرت «نحن» في روايات تلتها، مثل «1984» لجورج أورويل، و«فهرنهايت 451» لراي برادبوري، و«عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي.

ولأن هناك علاقة وثيقة تربط الأدب بالسينما، ولأن السينما بعد الحرب العالمية الأولى كانت مولودًا جديدًا لم يتجاوز عمره 20 عامًا، كانت الديستوبيا شيئًا مثيرًا ليُقدم حينذاك. أول تلك الأعمال كان «Metropolis 1927» للألماني الكبير «فريتز لانغ»، الذي يقسم المجتمع إلى طبقتين، الأولى تعيش في رفاهية وترف، والثانية تعمل دون توقف أو راحة، وكان ذلك التصور نتيجةً للنشاط الصناعي الذي احتاج إلى عديد من الأيدي العاملة، وشطر المجتمع إلى نصفين.

ديستوبيا: اختيار بين عالمين

إعلان فيلم «The Lobster»

في فيلم «The Matrix»، يختار «توماس» الحبة التي تُدخله الى عالم غامض لأن الفيلم يتحرك في مساحة فلسفية.

يتخيل مخرج فيلم «The Lobster» مستقبلًا كئيبًا ينفصل فيه المجتمع على أساس الحُب، فالمرتبطون يسكنون المدينة، والعُزّاب يسكنون الغابة، وبين العالمين هناك الفندق الذي يدخله الباحث عن الارتباط، ولو فشل يتحول إلى حيوان من اختياره.

العالَم الأول الذي يدخله البطل هو الفندق، الذي يرمز الى الأنظمة والحكومات الشمولية، وفي ذلك العالم يجب عليه أن يعثر على حبيبة وإلا يُعاقَب، وفي هذا تصوير سوداوي متطرف من المخرج، يجعل المُشاهد يفكر في الضغوط التي توضع عليه وتُبرّر بأنها في صالحه، بينما هي في واقع الأمر قمعية ومتسلطة.

العالَم الآخر الذي يدخله البطل هو عالم الهاربين من الفندق، الذين يطلقون على أنفسهم «الوحيدين»، وتختلف جماعتهم عن جماعة الفندق ظاهريًّا، فالفندق نظيف ومرتب، وشكله يوحي بتحضر ورُقي رغم التسلط السائد فيه، أما عالم الوحيدين فيبدو فوضويًّا، يصطاد سكانه طعامهم بأنفسهم، لكن في العمق لا يوجد اختلاف بين العالمين، هناك قمع وخواء وعنف.

مُتخذًا الخيال وسيلة، يقول الفيلم الكثير عن الواقع الذي نعيشه وعن اختيارات الإنسان وتوابعها، يعرض خوفًا من الأنظمة التي تَدّعي حماية المجتمع وتحقيق النظام، بينما هي في الواقع ليست سوى نظام استبدادي.

يقول الفيلسوف والناقد السينمائي «جيل دولوز»، في كتابه «الصورة – الزمن»، إن السينما هي أكثر الفنون البصرية تأثيرًا، فما تفعله هو «إحداث صدمة في الفكر، ولمس الجهاز العصبي على نحو مباشر». ويصف النقاد السينمائيين بأنهم فلاسفة المستقبل، ويصل بين الفلسفة والسينما بقوله إن السينما هي الصورة، والفلسفة هي المفهوم.

من هنا انطلقت فكرة الأختين «واتشوسكي» لتقديم فيلمهما الأهم «The Matrix» في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وهي صناعة فيلم حركي في بصريته، وإثارة في ظاهره، بينما يقول في أعماقه الكثير عن مستقبل تسيطر فيه الآلات ويُهمّش فيه الكيان البشري.

يحكي الفيلم عن مبرمِج وهاكر يسمى «توماس آندرسون»، يتورط في أحداث غير متوقعة يتعرف فيها إلى شخص آخر يُدعى «مورفيوس»، يدعوه إلى اكتشاف ماهية «الماتريكس».

يعاني أعضاء هذا العالم من حرب تدور بين الإنسان والذكاء الصناعي، فالآلات تستخدم أجسادهم لإنتاج الطاقة في إطار التخيير. يقدم مورفيوس حبتين إلى آندرسون، تجعل إحداهما منه إنسانًا عاديًّا يرى الأمور بسيطة، والأخرى تُدخله إلى ذلك العالم الغامض. ولأن الفيلم يتحرك في مساحة فلسفية، سيختار دخول هذا العالم ليكتشفه.

قد يهمك أيضًا: مَشاهد القيامة: من «مدن الملح» حتى «عطارد»

الديستوبيا والرؤية السياسية

يؤكد فيلم «Brazil» على أهمية الحلم في مواجهة الاستعباد والقمع، فلولاه لما قامت ثورات أو تحققت أهداف.

في أوائل الثمانينيات، قدم المخرج «تيري غيليام» فيلمه «Time Bandits»، وهو الجزء الأول من ثلاثيته التي تدور حول الرغبة في الحرية والهروب من النظام، وبعدها قدم «Brazil» و «The Adventures of Baron Munchausen».

في أهم أعمال الثلاثية وأفضلها، وربما أهم أعمال غيليام على الإطلاق، يقدم «Brazil» أجواء قريبة من أجواء جورج أورويل في «1984». فبينما قُدِّمت ديكتاتورية «الأخ الأكبر» الذي يراقب الجميع في رواية أورويل، اهتم الفيلم بالأجهزة التي تمارس الديكتاتورية: الأمن والسلطة والتكنولوجيا الهائلة.

في عالم «البرازيل»، البيروقراطية هي الآفة، تستنزف كل حريات الفرد ومعتقداته، وتختنق أفكاره، وتُذهب أحاسيسه أدراج الرياح، لكن بطل الفيلم يحارب ذلك الروتين والرتابة في أحلامه، ويتخيل أنه ينقذ حبيبته الجميلة، لكن السلطات لا تسمح بذلك حتى وإن كان مجرد حلم، فتفرض سيطرتها وتُجَرِّد الناس من حقوقهم وحرياتهم وتدفن أحلامهم.

يؤكد الفيلم أهمية الحلم في مواجهة الاستعباد والقمع، فلولاه لما قامت ثورات أو تحققت أهداف.

وعلى عكس سوداوية أفلام الديستوبيا السياسية خصوصًا، يُغرق فيلم «V For Vendetta» في التفاؤل. يرتدي بطل الفيلم، الذي يحركه دافع الثأر والرغبة في تغيير الواقع السياسي وإسقاط النظام، قناعًا طوال أحداثه، لأن الحلم لا يعترف إلا بالإنسانية والرغبة الحقيقية في التغيير. يهتم الفيلم بصورة كبيرة بالأقليات ومن تُعاملهم الحكومات على أنهم قذارة يجب التخلص منها.

قد يعجبك أيضًا: مسلسل «Black Mirror»: الإنسانية التي تخاف من تطورها

سينما المسيح المنتظَر

لقطة من فيلم «Blade Runner» - الصورة: Warner Bros

لا يكتمل الحديث عن أفلام المستقبل المرير دون ذكر فيلم «Blade Runner»، تحفة «ريدلي سكوت» وأحد أعظم أفلام الخيال العلمي على الإطلاق.

تدور أحداث الفيلم حول «ريك ديكارد»، الشرطي المتقاعد في مدينة لوس أنجلوس المستقبلية، تحديدًا في عام 2019، المليء بالتلوث الناتج عن الثورة الصناعية المهولة. ديكارد يعمل ضمن مجموعة «Blade Runner»، المسؤولة عن القبض على روبوتات تُعرف بـ«Replicants» (المستنسَخين)، الذين تطورهم إحدى الشركات كي يحاكون الجنس البشري من أجل استعمار الفضاء، لكن بعضهم يتمرد.

كان الفيلم في عصره ثورة تقنية وفكرية لا تتكرر، إذ قدم آليين بشكل بشري، ومزج في تقديمه للديستوبيا أجواءَ أفلام الإثارة والنوار (أي الفيلم الأسود، ويُستخدم للإشارة إلى الدراما والجريمة التي ترتكز إلى التشاؤم والتهكم والغرائز)، وطرح الفيلم سؤاله الأهم: ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟ ما الذي يجعلك «إنسانًا» فعلًا؟ هل هي سمات بيولوجية؟ ريك مثلًا في بعض المَشاهد يبدو أقل إنسانيةً من الآليين ذاتهم، فهل يجعلهم ذلك بشرًا حقيقيين؟

في عام 2017، أخرج «دينيس فيلينوف» فيلمًا مكمِّلًا لفيلم ريدلي سكوت هو «Blade Runner 2049»، حاول فيه أن يقدم تفسيرات للجزء السابق، لكنه ناقش هذه المرة الهوية والعاطفة والذكريات، وأسقط فيه على المسيح المنتظَر، الذي سينقذ الأرض من الكوارث التي حلت بها.

يمزج فيلم «Ex Machina» رؤية المخرج عن الفناء بالتعاطف مع قضية النسوية والصراع الأبدي بين الذكر والأنثى، وينتصر في النهاية للاتجاه النسوي.

وفي عام 2006، تنبأ «ألفونسو كوارون» في فيلمه «Children of Men» بأن البشرية ستنتهي بحلول عام 2027، وذلك بعد تعرض العالم لموجة هائلة من الحروب والأمراض.

في الفيلم، تفقد النساء القدرة على الإنجاب منذ 18 عامًا، ما يهدد العالم بالفناء. وفناء هذا العالم من وجهة نظر صانعي الفيلم قائم على عدمية البشر، لأنهم فقدوا الدافع الأهم للحياة: الاستمرار.  أدى عدم وجود جيل جديد إلى فقدان الأمل في المستقبل والرغبة في فعل شيء، ثم تأتي نقطة النور أخيرًا حين تظهر امرأة حامل، كنايةً عن المسيح المنتظَر الذي سينقذ الكوكب، مسيح ذو بشرة سمراء، لأن المستقبل يجب أن يتعايش فيه كلٌّ مع الآخَر دون النظر لا إلى دين ولا لون ولا عِرق.

اتجاهات جديدة

في عام 2005، ظهرت رواية «Never Let Me Go» للكاتب البريطاني «كازو إيشيغورو»، وبعدها بخمسة أعوام اقتبسها «أليكس غارلاند» في فيلم أخرجه «مارك رومانك».قدم غارلاند في هذا الفيلم رؤيته عن الفناء من منظور «من يستحق العيش؟»، وكانت الإجابة: بالطبع أصحاب الثروة.

وفي 2014، قدم غارلاند رؤية جديدة عن الفناء في «Ex Machina»، كان هو مؤلفها ومخرجها. لا يقدم الفيلم رؤية غارلاند عن الفناء فحسب، بل يمزجها بتعاطف مع قضية النسوية والصراع الأبدي بين الذكر والأنثى، وينتصر فيه في النهاية للاتجاه النسوي. بينما في «Mad Max: Fury Road» يتجاوز «جورج ميلر» المفهوم التقليدي لأفلام ما بعد الفناء، تلك التي كان مُخلِصًا لها في الأجزاء السابقة.

فيلمه هذا لا يمكن اعتباره سيناريو بالمعنى التقليدي، بل هو شيء أشبه بأفلام «الويسترن» الكلاسيكية، لكن بدلًا من الأحصنة هناك شاحنات، ويحرك ميلر شخصياته على الجانبين، طرف تحركه الرغبة في الخلاص والحرية والبقاء، رغبةٌ تتضح دون محاضرات أو مشاهد شرحية، والطرف الآخر تحركه مفاهيم الإيمان والخلود.

في كتابه «الفيلموسوفي»، يناقش «دانييل فرامبتون» ماهية السينما، لكنه لا يحاول الربط بين السينما والفلسفة، إنما اعتبر السينما فلسفة بحد ذاتها، وكائنًا حيًّا يتطور ولا يمكن فصل أجزائه ومكوناته عن بعضها، كائنٌ يجب فهمه حتى نستطيع الربط بينه وبين القضايا الحداثية.

لن يتوقف صُناع السينما عن تصوير الديستوبيا في أفلامهم، فتصوير المستقبل بهذا الشكل العنيف هو محاولة إبداعية للاقتراب من الجمال والقفز على المشاكل ومواجهة الفناء، ذلك الذي توقعه غارلاند في مقابلة صحفية، حين سُئل عمّن سيتولى مهمة إفناء الجنس البشري، فكانت إجابته أن الإنسان هو من سيؤدي هذه المهمة، وعلى أكمل وجه.