حرف جر

رحلة الدبلجة العربية من «سبيستون» إلى «كرتون نتورك»

لقطة من كارتون «المحقق كونان» - الصورة: TMS Entertainment

هذا الموضوع اقترحه أحد قُراء «منشور» وعمل مع محرري الموقع على تطويره، وأنت كذلك يمكنك المشاركة بأفكارك معنا عبر هذه الصفحة.


الحديث حول رسوم الأطفال طُرِقَت أبوابه كثيرًا في شتى مساراته، منهم من تناوله من الناحية التربوية، وبعضهم من الناحية العقدية، وما إلى ذلك. وقد لا يكون بالإمكان الفصل دائمًا بين جميع النواحي والتطرق إلى جزء منها، فالجزء يجر بقية الأجزاء.

غير أنني أحاول في هذا المقال الاقتصار على الجانب اللغوي، وتحديدًا (الدبلجة). أما ما أذكره من جوانب أخرى إنما يكون لارتباطه الوثيق باللغوي من الموضوع. وأدب الطفل في عمومه من أهم الآداب لأنه يؤسس ويبني في أرض خلاء خصبة، ولأن النقش في الصغر يبقى حتى الكبر.

ومن أبرز مظاهر أدب الطفل وأكثرها تأثيرًا «الرسوم المتحركة»، فهي تشتمل على الصورة والمحادثة، وكذلك الموسيقى، فتُخضِع الحواس كلها، ويبقى أثرها خالدًا في النفس، يُترجَم لأشكال عدة، سواء من ناحية التصرفات أو التحلي ببعض الأخلاق. وفي مجال المقال: التحدث بلغة أفلام الكارتون.

بداية: الخروج من جدل العامي/الفصيح

تتر كارتون «الأبوان السحريان» المدبلج بالعامية المصرية

انتهى عصر الدبلجة إلى اللهجة المصرية سواء في ما يتعلق بأفلام ديزني، أو حتى أي إنتاج غربي.

في عام 2012 أعلنت شركة «ديزني» وقف التعامل مع الشركة المُنتِجة لأفلامها باللهجة المصرية، وفي 2013 أعلنت قناة «الجزيرة» للأطفال شراءها أفلام ديزني ودبلجتها إلى العربية الفصحى.

أثار هذا الخبر جدلًا كبيرًا في وسائل الإعلام بشقيها التقليدي والاجتماعي، وأُطلِقَ وقتها وسمًا يحمل اسم (#ديزني_لازم_ترجع_مصري) إشارة إلى رفض الشارع العربي لهذا القرار. والجدير بالذكر أن الفئة التي عارضت القرار من الشباب، على الرغم من أن هذه الأفلام موجهة أصلًا للأطفال.

يعود السبب في رأيي إلى صورة نمطية ترسخت في أذهاننا وعقلنا الجمعي. فمنذ مطلع الألفية الثانية ظهر للمتابع العربي الصغير والكبير خطان متوازيان لرسوم الأطفال، خط تقوده قناة «Spacetoon» مهتم بالمسلسلات اليابانية، أو ما يُعرف باسم «Anime»، وخط قادته شركات إنتاج مصرية، واختصت بإنتاجات شركة «والت ديزني»، ثم تبعتها «Mbc3» بعرضها رسوم الأطفال الغربية باللهجة المصرية التي تُعرف باسم «Animation».

مقدمة كارتون «أحلام تيمي» المدبلج بالعربية الفصحى

ترسخ في ذهن المشاهد أن ما هو غربي نظيره العربي بالعامية المصرية، وما هو ياباني، فنظيره الفصحى.

غير أن الأمر قد وقع، وانتهى عصر الدبلجة إلى اللهجة المصرية على أي حال، سواء في ما يتعلق بأفلام ديزني، أو حتى أي إنتاج غربي. فعلى سبيل المثال عرضت سبيستون مؤخرًا «أحلام تيمي»، وكان إعادة إنتاج للمسلسل الذي عُرِضَ سابقًا على قناة «Mbc3» تحت اسم «الأبوان السحريان»، وكان باللهجة المصرية.

الأمر لا يقتصر على هذا المسلسل، فموجة المسلسلات التي كانت تعرضها قناة «Mbc3» المُدبلجة للمصرية توقفت مؤخرًا، وحل محلها مسلسلات باللغة العربية الفصحى.

لكن السؤال: هل هذا يعني أننا استطعنا حماية أفلام الأطفال من تأثير اللهجات المحكية، أم إن للمشكلة أبعادًا أخرى ظهرت بعد انقضاء عصر الدبلجة للعامية؟

في عام 2010 تقريبًا، أي قبل انتهاء عصر الرسوم العامية بعامين، أطلقت قناة «Cartoon Network» نسختها العربية، فدخلنا مرحلة عولمة اللغة بعد أن كنا في مرحلة تخصيص أو ربط اللغة بقطر واحد في العالم.

في المرحلتين كانت شركة «الزُّهرة» ممثلة في ابنتها، على حد تعبير طارق العربي طرقان، أو وجهها الإعلامي «سبيستون»، تستخدم لغة فصيحة مبسطة للطفل، تقع في المنتصف بين عولمة اللغة وتخصيصها، فهي تحافظ على اللغة العربية قائمة بذاتها دون أن تُدخِل عليها مصطلحات عامية أو أجنبية.

نظرة عامة: تجليات اللغة في الرسوم المتحركة

يمكن تلخيص الدور اللغوي في المسلسل الكارتوني في أربعة سياقات:

  • الأول: الحوارات

هذه هي لغة التواصل في المسلسل، أساس العمل، فلا يمكن اعتبار أي عمل مُدبلجًا دون دبلجتها بطبيعة الحال، ودبلجة الحوارات يتطلب مؤدين للأصوات، وهنا مربط الفرس. فبنظرة سريعة على أداء المدبلجين في «سبيستون» و«كارتون نتورك»، نخرج بالآتي:

في «سبيستون»: لا يكاد المستمع يستبين لهجة المؤدي، ومن أي قطر عربي هو، وذلك بسبب جودته وإتقانه للغة العربية الفصحى. وكذلك، فالأعمال التي تنتجها «الزُّهرة» تخضع للتدقيق اللغوي من مختصين في اللغة العربية، فنجدها في عمومها بعيدة عن اللحن والقصور في مخارج الحروف والتركيب اللغوي للجملة.

بينما «كارتون نتورك»، ففي غالبية أعمالها يمكن للمستمع أن يحدد لهجة المؤدي، إذ إن الصوت غير متحرر من اللهجة، فيكون الكلام في أصله فصيحًا، لكن موسيقى صوته وإيقاعه يميل إلى العامية، ما يُحدِث خلطًا بين الاثنين. وما هو أجل وأعظم وقوع كثير من الحوارات في فخ اللحن، إذ يُرفَع المنصوب ويُجَر المرفوع، وذلك لغياب التدقيق اللغوي عن النص المُدبلج.

  • الثاني: التتر

يشمل تتر البداية والنهاية، ويتفق الاثنان على نقطة خضوع الترر وكلماته لموسيقى العمل الأصلي ولحنه، ما يعني أن كليهما ملتزم بنمط محدد. نجد «سبيستون» أكثر قدرة على توليد الكلمات بطريقة سليمة يحفظها الذهن وتبث قيمًا مُثلى ما يزال يتذكرها كل من سمعها في صغره، ويحب الأطفال ترديدها كذلك، مثل: «كابتن ماجد»، و«ماوكلي»، و«سيمبا». وإن كانت تلجأ أحيانًا إلى الاكتفاء بموسيقى البداية، مثل تتر «ون بيس»، بينما تتقيد «كارتون نتورك» باللغة الأم ومفرداتها، وتحاول تطويع اللغة معها، كما حصل مع تتر «الدببة الثلاثة».

  • الثالث: شريط النهاية

نلاحظ أن قناة سبيستون تكتفي بكتابة العاملين على النسخة المُدبلجة وباللغة العربية، بينما تلتزم قناة نتورك بذكر فريق العمل الأصلي باللغة الإنجليزية، وربما تهمل ذكر المُدبلجين أو تذكرهم في إطار سريع لا يكاد يُقرَأ، وباللغة الإنجليزية كذلك.

  • الرابع: اللوحات وعنوان الحلقة

ما أعنيه باللوحات هنا هو أي نص أو صورة داخل المسلسل مكتوبة بلغته الأم، الملاحظ هنا أن «سبيستون» و«كارتون نتورك» لا يعيدان إنتاج النصوص المكتوبة، إنما يكتفيان بنطقها بالعربية (نطق المؤدي)، لكن الفارق بين الاثنين أن كارتون نتورك تعمم الأمر حتى على عناوين الحلقات، بينما سبيستون تعرِّبها عادة.

مثال:

هذا عنوان حلقة من المسلسل الشهير «المحقق كونان»، وهنا كُتِبَ العنوان بالعربية، وكذلك المؤدي (مؤدي صوت كونان) نطق به «عنوان هذه الحلقة عُرس في بيت الغابة الجزء الثاني».

في المقابل، كتبت كارتون نتورك في كارتون «الدببة الثلاثة» العنوان بالإنجليزية، أو بمعنى أدق أبقته على حاله، واكتفت بصوت المؤدي (مؤدي صوت خارجي، إذ قال: «حالة طارئة»).

في ما يتعلق باللوحات داخل الحلقة، فكما أشرت سابقًا، كلاهما يكتفي بنطق المؤدي دون ترجمة المكتوب، مثال من نفس المسلسلين:

«المحقق كونان»، يُظهِر شاشة مواعيد الرحلات باللغة اليابانية

«الدببة الثلاثة»، وتظهر عبارة «انتهت المكالمة» وجملة «إعادة الاتصال» باللغة الإنجليزية  

كارتون: اللغة العربية والنص الأصلي

خضع كارتون «أحلام تيمي» لدبلجة مصرية، أثرت في تقديم المسلسل في قالب جديد لأن فيه شيئًا من رائحة الدبلجة السابقة.

من الأمور التي تحدث عادة أننا نحاكم النص المدبلج دون النظر إلى النص الأصلي أو معرفة مستواه أصلًا. وهذا دون شك يوقعنا في فخ المقارنة غير المتكافئة لأننا نحاكم أنواعًا مختلفة من المسلسلات دون النظر إلى أصلها والهدف منها وتوجهها من الأساس.

طارق العربي طرقان قال كلمة منصِفة، إذ صرَّح بأننا لا نستطيع القول إن الدبلجة واللغة (لغة الطفل) في تراجع، لكن المسألة متعلقة أصلًا بالأعمال الأجنبية. فمؤخرًا اتسعت الهوة بين ثقافتنا وثقافة الآخر، واختلفت إنتاجاته عن السابق، ما يدفعنا إلى الاختيار من «أحسن الوحشين» على حد تعبير المذيعة في لقاء معه. والسبب في ذلك كله هو قلة الإنتاج العربي لأفلام عربية ومسلسلات تضاهي الغربية والشرقية منها، أو انعدام ذلك أصلًا، وهذه مسألة طويلة لها أهلها.

الأمر الآخر أن نمط المسلسل له دور كبير في اللغة التي تُستخدَم معه. فلا يمكن المقارنة مثلًا بين لغة مسلسل مثل «دروب ريمي»، والمسلسل الذي أعادت إنتاجه مؤخرًا «سبيستون»: «أحلام تيمي».

لأن الأول درامي، ومن ثقافة يابانية تميل للحوارات الطويلة، بخاصة في القصص الملحمية .

لأن «أحلام تيمي» فكاهي، من ثقافة غربية تميل للاختصار، فلا يمكن تحميله كلمات جزلة لا يحتملها النص ولا طبيعة البطل (تيمي) الذي يبدو ساذجًا. وجدير بالتذكير أن المسلسل قد خضع لدبلجة مصرية، وهذا ما أثَّر في نمط تقديم المسلسل في قالب جديد لأن فيه شيئًا من رائحة الدبلجة السابقة.

جوهر القضية: خصوصية اللغة والبيئة

يحاكم مركز «الزُّهرة» النص الأصلي وفق نظرة عربية وثقافة عربية إسلامية. فليست الغاية أن ينقل عملًا، بل أن يوصل رسالة.

يشترك إنتاج «الزُّهرة» مع الإنتاج العامي للرسوم المتحركة في أنك إذا شاهدتهما لن تشعر، ولو للحظة، بأن هذا العمل مدبلج، فالقدرة الأدائية لدى الفريقين مذهلة، واستطاعت توطين العمل مع المتلقي العربي، غير أن الإنتاج العامي اقتصر على مساحة صغيرة من الوطن العربي، بينما الإنتاج الفصيح شمل كل العالم العربي، فكان أوسع.

بينما الاتجاه الجديد في الدبلجة لا يمكن أن يعطيك نفس الإحساس، فطوال متابعتك للمسلسل ستشعر بأنه ليس عربيًّا، ولا يمكن أن يكون كذلك. حتى طريقة الأداء والحوارات تعزز فيك هذا الشعور، ولا تقتله.

فكأنك تتابع الثقافة الغربية بكل صورها، لكن بلسان عربي غير مبين.

في ظني أن هذا الأمر ليس اعتباطيًّا أبدًا، بل مقصود. وليس مقصودًا من ناحية تدمير لغة النشء، والسيطرة على العرب، وما إلى ذلك، بل مقصود لأنه يسعى إلى عولمة اللغة، أي نزع الخصوصية التي يتمتع بها كل شعب عبر لغته. فاللغة هي الوعاء الذي يحفظ ذاكرة أي أمة، وإذا تزعزع هذا الوعاء في الأساس (الأطفال) انتهت الخصوصية على المدى البعيد، وانتقلنا إلى عقل كوني جمعي يتشابه فيه كل الناس، لذلك قسمت المسألة لغويًّا إلى قسمين:

  • اللغة القائمة بذاتها

هي اللغة التي يعتمدها مركز «الزُّهرة»، فهو يحاكم النص الأصلي وفق نظرة عربية وثقافة عربية إسلامية. فليست الغاية أن ينقل عملًا، بل أن يوصل رسالة. لذلك العمل في مركز الزُّهرة يخضع إلى ما يسمى «إعادة توصيف العمل».

فمن الناحية الثقافية، تعاد دبلجة بعض الحوارات وكتابتها لتتناسب مع الطفل العربي، ومن الناحية اللغوية نجد أن عنصر المدقق اللغوي موجود بشكل قوي. فالنص المترجَم يخضع لرقابة من أساتذة في اللغة العربية، لذلك نجد أن الدبلجة هنا متحررة من اللغة الأصلية للعمل، لا تخرج عن أصل العمل، لكن توظف اللغة العربية والثراء اللغوي الذي تتمتع به في الدبلجة، فيخرج لنا نصًّا مُدبلجًا بلغة رصينة صحيحة المخارج وسليمة القواعد.

وهذا حاصل في بدايات القناة، وحتى في الفترة الأخيرة، فمثلًا نجد في مسلسل «حكايات ماشا» اعتمادها على السجع، وهذا يعني أن النص الأصلي أعيد تعريبه بالكامل. وقد يسمع الطفل في مسلسل «الفيكسيز» أن البطل يقول: «سأقول لكم لغزًا مُقفًّى».

لا يقتصر الأمر على الحوارات، بل يخرج إلى التتر. صحيح أن التتر عادة مرهونة بموسيقى العمل الأصلي، رغم ذلك، فإن الزهرة تحاول إيجاد كلمات سليمة تركبها في تراكيب واضحة تتناسب مع الإيقاع، مثل أغنية «لا تبك يا صغيري». ولا يعني خضوعها للموسيقى خضوعها للكلمات (أي أنها لا تُخضِع التتر للترجمة)، فهي إن لم تحرر الأغنية من موسيقاها ولحنها، فإنها تحرر لغة الأغنية، مثل أغنية «القناص»، إذ اتفقت هنا الموسيقى واللحن مع الأغنية الأصلية، واختلفت الكلمات تمامًا.

تتر البداية لكارتون «القناص»

  • اللغة الأسيرة

من الأمثلة الركيكة التي تُقدَّم للطفل بقناة كارتون نتورك قول إحدى الشخصيات: «تقول الإنترنت»، في حين كان من السهل قول: كُتِبَ في الموقع.

اللغة الأسيرة هي التي تخضع للغة النص الأصلي، ولا يمكنها الخروج عنه أو تحويره بما يتناسب مع البيئة. ففي ظل غياب المختص اللغوي عن هذا المجال نجد كمية كبيرة من الأخطاء اللغوية، وبخاصة في النحو والتراكيب، حتى تشعر بأن مترجم النص يفكر باللغة الإنجليزية أصلًا، ولديه فقر لغوي جلي في كثير من المَشاهد، إذ يستخدم كلمات مثل «Wow» و«Goal» و«Okay» و«Guys»، وغيرها من الكلمات الإنجليزية التي لها مرادف عربي، لكنهم يلجأون إلى الكلمة الإنجليزية، وهذا ما عنيته بعولمة اللغة.

عولمة اللغة تؤدي إلى توحيد الثقافة، ويبدأ بإفقار اللغة المُتَرجم إليها، وحصرها بمرادفات اللغة الإنجليزية المبسَّطة، فيجري تبسيط اللغة عبر اللغة الأجنبية لا من داخل اللغة العربية نفسها. فكارتون نتورك، وما تقدمه، عبارة عن مكونات واحدة لا تختلف، ولا يمكن أن تتغير، غير أن القالب الذي تُقدَّم فيه هذه المكونات يختلف باختلاف اللغة، ونحن لا يمكننا أن نوظف اللغة بعزلها عن الثقافة.

الثقافة هنا هي المكونات، واللغة هي القالب. فالحل يكون بتقديم المكونات ذاتها عبر قالب لغوي معولم، ولنا في «غامبول» خير مثال على ذلك.

من أمثلة التراكيب الركيكة التي تُقدَّم للطفل، ويسمعها عبر القناة، قول «باندا» لـ«شهاب»: «تقول الإنترنت». فهنا استخدم لفظة «قول»، وأنَّثها، وكلمة «الإنترنت» التي عربتها بعض المصادر. على سبيل المثال استخدمت الزهرة لفظة «الشبكة» تعبيرًا عنها في كارتون «بي بو با».

فكان من السهل قول: كُتِبَ في الموقع.

لا تقتصر مسألة التبعية على الحوارات فقط، بل شملت حتى التترات وكلمات الأغاني. فبعد أن أشرت إلى أن مركز الزهرة يستخدم نفس اللحن والموسيقى مع تغيير الكلمات لتتناسب مع خصوصية الموسيقى العربية في النص، فإن كارتون نتورك تُخضِع التتر للنص الأصلي، وكذلك لموسيقاه ولحنه، مثال ذلك: «الدببة الثلاثة».

ما ينتج عن ذلك كله تشويه للغة العربية الفصحى، فما تسمعه ليس عاميًّا ولا فصيحًا، ولا يمكن تصنيفه.

هل العربية الفصحى جامدة؟

عادة ما تُطرَح هذه المسألة في سياق الحديث عن المسلسلات الكوميدية، ولعلنا لاحظنا أن مستوى دبلجة «أحلام تيمي» للفصحى كان أقل من المطلوب نوعًا ما، فهل اللغة العربية لا يمكنها مجاراة الكوميديا؟

أعتقد أن المسألة تُلقي بظلالها على أزمة كبيرة متعلقة بالفقر اللغوي، وبجمود اللغة، وهذا لا يعني أن المشكلة في اللغة نفسها، بل فينا نحن. وهنا يظهر دور اللغوي، فكما لاحظنا أن من أسباب رقي اللغة المقدمة من مركز الزهرة وجود علماء لغة، فإن دورهم اليوم بات أكبر وأكبر في إثراء المعجم عبر استخراج المصطلحات من الكتب القديمة، وتعريب الجديد، وكذلك تبسيط اللغة العربية لتتعامل مع واقعنا المعاصر، فإن لم يبسط اللغوي اللغة، فإن ما تفعله كارتون نتورك قد يكون البديل الجديد لنمط أفلام الأطفال يومًا ما.

لماذا الفصحى؟

«نصح أحمد رامي، أحمد شفيق كامل، بألا يبدأ حياته الفنية بنظم الشعر وكتابة الأغنية بالعامية، بل أن يعرُج أولًا إلى سماوات الفُصحى حتى يتمكَّن منها، ويُحكِم أدواتها، ثم يتدلَّى إلى العامية؛ فإنه في ذلك يُحكِمُهما معًا. أما إن بدأ بالعامية، فسوف يُقعِده عجز الدهماء وعيُّ العوام عن السمو إلى الفصحى».

هذه نصيحة مهمة، وهي جوهر اهتمامنا بالمسألة. فرسوم الأطفال مقدَّمة أساسًا للطفل، والطفل في مرحلة تلقٍّ. وكما يرى طارق طرقان، فإن سماع الطفل لغة عربية فصيحة يحميه تلقائيًّا من الضحالة والسطحية، فالفصحى مثل كريات الدم البيضاء في جسم الإنسان، تحارب كل دخيل.

فإن لقنَّا الطفل في أول عمره جملًا سطحية ركيكة، فإننا نحرمه من المناعة التي تقدمها له اللغة العربية الفصحى، ونحرمه كذلك من تعلم اللغة التي تقربه من جميع أبناء هذا العالم العربي المتشتت، ونقصره على لغة بلاده وثقافته الشعبية، ونحن لا نريد أن يأتي يوم تظهر فيه أجيال مصابة بأمية لا تعرف كيف تقرأ موروثها وتاريخها لأنها تجهل اللغة العربية الفصحى، وإذا فسد الأساس لم يصلح البناء.